عصابة تتحكم في حياة الناس وخصوصياتهم، تفرض عليهم كل شيء، وتحرمهم من أبسط حقوقهم.. محافظة حجة، بتقسيمها الإداري، تتكون من إحدى وثلاثين مديرية. ومؤخرًا، وفي ظل وجود العصابة، صرنا نسمع بما يسمى بـ"المربعات"، ولا أدري: هل يفرقون أصلًا بين المربع والمكعب والمساحة والطول والعرض؟ أم أن للمربع مدلولًا آخر في قاموسهم؟
محافظة غنية بثرواتها، بجبالها، وسهولها، و(تهامتها)، ومنافذها، وسواحلها، وشواطئها، وجزرها.. وقبل كل ذلك، غنية برجالها وأهلها الأحرار. ورغم كل ما فيها من خير، يعيش كثير من سكانها الفقر والعوز؛ فقرًا في الدخل، وفقرًا في الخدمات، وفقرًا في أبسط مقومات الحياة من صحة وتعليم وطرقات وكهرباء ومياه وغيرها.
الوضع مأساوي إلى درجة يصعب معها تخيل أن هذا يحدث في القرن الحادي والعشرين. فقبل أيام قليلة انتشرت صورة لرجل مسن يعيش في مخيم نزوح بمديرية عبس. ظهر كهيكل عظمي، بوجه منهك يختصر معاناة الناس، وينقل حجم البؤس الذي وصلوا إليه. كان يستغيث طالبًا إنقاذهم مما هم فيه، واليوم تتناقل الأخبار نبأ وفاته.
صورة واحدة، لكنها كانت كافية لتكشف واقعًا مخيفًا، واقعًا لا تلتقطه الكاميرات التي تنشغل بتصوير الحشود والتجمعات والخطابات والشعارات في وادي العريض، أو عبس، أو نقيل العبيسة، أو ميدان حورة. هذا الواقع القاسي لم يدفع العصابة إلى البحث عن حلول لمعاناة الناس، ولا إلى تحسين الخدمات، ولا إلى إنقاذ الجوعى والنازحين.
بل كان ردها سريعًا في اتجاه آخر تمامًا.
اجتمعوا بعدد من الخائفين من بطش من يُسمى بـ"المشرف"، ذلك الذي قد يحرم أسرة من أسطوانة غاز، أو يضع شخصًا في قائمة سوداء جاهزة بتهمة "التخابر"، فقط لأنه لا يصفق لهم، أو لا يحضر جلسات التخلف معهم، أو لأنه يتواصل مع هذا أو ذاك.
لقد خرجوا من اجتماع عقليات "تورا بورا" بما أسموه "بيان تأييد لإجراءات منع الغناء"، وكأن مشكلة الناس اليوم هي الغناء، وليس الفقر، ولا الجوع، ولا المرض، ولا الخوف الذي يعيشه الناس، ولا النزوح، ولا توقف صرف المرتبات، ولا انعدام فرص الحياة، ولا أوضاع المشردين والنازحين، ولا انهيار الحياة نفسها.
عصابة تفرض أمرًا واقعًا في كل شيء، حتى على أفراح الناس الخاصة. إنها تحرم من يمتلك القدرة على الفرح أن يفرح، وتفرض وصايتها على تفاصيل حياة الناس، وعلى أصواتهم وأغانيهم وحتى خصوصياتهم. إنها جماعة لا تؤمن بالحياة، وتخاف حتى من أغنية ومن صوت آلاتها.
للتوضيح: حين ننتقد هذه الممارسات، فنحن نتحدث عن عصابة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وفرضت نفسها على الناس بالقهر والخوف، ولذلك فإن كشف هذه الممارسات والتنديد بها ليس مخاطبة لما يسمى بسلطة أمر واقع، إنما تأكيد لطبيعتها الحقيقية، وتعريف بحقيقة ما تمارسه بحق المجتمع والناس.