;
سيف محمد الحاضري
سيف محمد الحاضري

حين يجوع حارس الوطن ويترف المسؤول.. العيد الثامن لجنديٍّ لم ينكسر وأطفال أنهكهم القهر 257

2026-05-21 11:26:31

أنا جندي في الجيش الوطني

لا أملك من الدنيا إلا بندقيتي، وبدلةً عسكرية بهت لونها من الشمس والغبار، وأربعة أطفال ينتظرون عودتي كل مرة كأنني أحمل لهم العالم، بينما أعود غالبًا بيدين فارغتين وقلبٍ ممتلئ بالهزيمة.

shape3

هذا هو العيد الثامن الذي يمرّ علينا بلا راتب.

ثمانية أعياد، وأنا أرى عيون أطفالي تنكسر أمام واجهات الملابس، ثم يعودون إلى البيت صامتين، كأنهم كبروا فجأة قبل أوانهم. بنتاي تسألان أمّهما عن الفساتين، وولدي الصغير يخبئ حذاءه الممزق خلف الباب حتى لا أراه. أما زوجتي، فتبتسم كذبًا، وتقول لهم: “العيد بالفرحة، مش بالملابس”، ثم تدخل المطبخ وتبكي بصمت.

في بيتي الصغير، تسكن معي زوجتي، وأطفالي الأربعة، ووالديّ العجوزان. أبي الذي كان يظن أن الدولة لا تنسى أبناءها، صار يطأطئ رأسه كلما رآني أعود من الجبهة بلا راتب. وأمي تدعو لي كل ليلة أن أعود سالمًا، ثم تهمس بعدها: “يا رب لا تذله لأولاده”.

أنا لا أخاف الموت في الجبهة.

أخاف العودة إلى البيت.

في الجبهة نقاتل مليشيات إيران الحوثية، ونحرس ما تبقى من كرامة وطنٍ جريح، ونقف في وجه مشاريع تمزيق اليمن، سواء جاءت بعمامة الحوثي أو بمال الإمارات ومليشياتها. لكن خلف ظهورنا، هناك حصار آخر: حصار الحكومة، حصار اللجان، حصار البصمة، حصار الوعود.

كلما قلنا: أين الراتب؟

قالوا: لجنة.

كلما قلنا: جاع الأطفال.

قالوا: بصمة.

كلما قلنا: تعبنا.

قالوا: انتظروا الكشوفات.

نبصم لنثبت أننا أحياء، ثم لا يصرفون لنا ما نبقى به أحياء.

راتبي، إن صُرف، لا يتجاوز ما يعادل 150 ريالًا سعوديًا، لا يكفي كيس دقيق وزيتًا ودواءً لأبي. بينما هناك مسؤول واحد، جالس في فندق أو مكتب مكيف، يتقاضى 25 ألف ريال سعودي، ثم يحدثنا عن الصبر والوطنية والتضحية.

أي وطنية هذه التي تجعل الجندي جائعًا، والمسؤول مترفًا؟

أي دولة هذه التي تطلب من الجندي أن يموت دفاعًا عنها، ثم تترك أطفاله يموتون قهرًا أمام عينيه؟

الأسعار تحرق كل شيء.

الدقيق نار.

الزيت نار.

الدواء نار.

المدرسة نار.

حتى العيد صار نارًا في صدورنا.

في الليل، حين ينام أطفالي على الجوع والخذلان، أظل أنظر إلى وجوههم واحدًا واحدًا. أقول لنفسي: ليت رصاصة في الجبهة تنهي هذا العذاب، أهون من أن أرى ابنتي تكبر وهي تعرف أن أباها جندي، لكنه عاجز عن شراء فستان عيد.

ثم أستغفر الله.

فأنا لا أتمنى الموت هروبًا من الوطن، بل هروبًا من هذا القهر الذي صار يقتلنا كل يوم دون جنازة.

أنا جندي الجيش الوطني.

لم أخن.

لم أهرب.

لم أبع موقفي.

لم أساوم على اليمن.

لكنهم تركوني وحدي في معركة لا تقل قسوة عن الجبهة:

معركة الراتب، والخبز، ودموع الأطفال، وكرامة الأب أمام أسرته.

وكل ما أريده ليس منّةً من أحد.

أريد حقي.

راتبي.

كرامتي.

حق أطفالي في عيدٍ لا يبكون فيه.

وحق هذا الوطن أن يعرف أن الجندي الذي يحرسه… يموت ببطء من داخله..

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

سمير عطا الله

2026-05-07 03:41:24

من ديار السعادة

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد