;
د. محمد موسى العامري
د. محمد موسى العامري

وقفة مع: حصاد العام 391

2026-06-12 22:41:08

بعد أيام قليلة سيطوي العام الهجري 1447هـ صفحاته الأخيرة، وستبقى أحداثه في سجل التاريخ وستستمر الأيام في تعاقبها، وتتسابق الأعوام مع أعمار الناس وآمالهم وتطلعاتهم وهنا يبرز السؤال الذي يؤرق اليمنيين اليوم ربما أكثر من أي وقت مضى، هل هناك مؤشرات لاقتراب الوطن من المستقبل الذي ينشدونه؟ أم أنه يمضي نحو مزيد من التعثر والغرق في أزماته المتراكمة؟

في ميزان الكتاب العزيز لا وجود لحالة الركود فالحياة حركة دائمة بين التقدم والتأخر كما قال تعالى: ﴿لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ وهي سنة جارية تحكم الأفراد والمجتمعات والدول على حد سواء فإما مسار نهوض وإصلاح وبناء، وإما تراجع يفضي إلى مزيد من الضعف والتفكك، ومن هنا تبرز أهمية الوقوف مع حصاد العام بوصفه محطة للمراجعة والتقييم، وقياس ما تحقق من الأهداف وما تعثر من المسارات. 

منذ انقلاب وتمرد مليشيا الحوثي الإرهابية على مؤسسات الدولة، واليمنيون يعيشون ما يقارب أحد عشر عاماً من المعاناة في واحدة من أخطر الأزمات التي شهدها تاريخ اليمن الحديث، ولم تقتصر آثار هذه الحقبة على إسقاط مؤسسات الدولة وتقويض سلطاتها، بل امتدت إلى إعاقة مسارات التنمية وإضعاف مقومات النهوض الوطني الأمر الذي أفرز بيئة اتسعت فيها دوائر الفقر والجهل والمرض، وتفاقمت معها مظاهر التشظي السياسي والاجتماعي، حتى غدا اليمن متراجعاً عقوداً إلى الخلف في شتى المجالات.

ومع ذلك، فإن الأزمة اليمنية لم تعد محصورة في المشروع الانقلابي الحوثي وحده على خطورته البالغة، بل باتت ترتبط كذلك بمستوى فاعلية الجهات المناط بها قيادة مشروع استعادة الدولة وإدارة معركة التحرير والبناء.

shape3

لقد قدم اليمنيون تضحيات جسيمة في مواجهة التمرد والانقلاب، وهم يتطلعون إلى قيادة قادرة على تحويل الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي الذي حظيت به الشرعية إلى إنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، غير أن مراجعة حصاد الأعوام الماضية تكشف عن فجوة واضحة بين حجم الفرص والإمكانات المتاحة وبين النتائج المتحققة على أرض الواقع.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى وقفة جادة ومسؤولة لمراجعة عدد من المرتكزات الأساسية والتي يمكن تناولها عبر مسارين رئيسيين:

أولاً: - المسار الرسمي

ويشمل ذلك أداء مجلس القيادة الرئاسي والحكومة والمؤسستين العسكرية والأمنية، ويظل تقييم هذا المسار ومراجعة مواطن القوة والقصور فيه ضرورة ملحة وهي مسؤولية منوطة بمؤسسات الشرعية ذاتها بما يضمن تطوير الأداء وتعزيز القدرة على تحقيق الأهداف الوطنية المنشودة.

ثانياً: - المسار المجتمعي

ويندرج تحته مرتكزان أساسيان: - 

1- القوى السياسية

ذلك أنّ نجاح أي مشروع وطني مرهون بحضور القوى السياسية والوطنية المختلفة وفاعليتها في الحياة العامة ومن التردي والاهمال اختزال دور هذه القوى في كيانات شكلية أو منصات لإصدار البيانات في المناسبات بعيدة عن دوائر التأثير وصناعة القرار والرقابة على الأداء العام للدولة.

ومن اليقين أن المتابع للمشهد اليمني يلحظ تراجعاً واضحاً في حضور كثير من القوى السياسية في القضايا المرتبطة بمعايش الناس ومستقبل بناء الدولة واستعادة مؤسساتها فيما لا تزال بعض المكونات أسيرة لحسابات ضيقة أو خلافات جانبية استنزفت جزءاً من رصيدها الوطني وأضعفت قدرتها على التأثير.

ومن الضرورة بمكان إدراك أن استعادة الدولة ليست مهمة السلطة وحدها، بل مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب عودة الحياة السياسية إلى مسارها الطبيعي وتفعيل الشراكة الحاكمة للمرحلة وفق المرجعيات الوطنية وقيام الأحزاب والقوى الوطنية بأدوارها الدستورية والوطنية باعتبارها رافعة أساسية للمشروع الوطني وشريكاً في حمايته وإنجاحه.

2- الحراك الشعبي 

لا يزال المزاج الشعبي في مختلف المحافظات اليمنية متطلعاً إلى حضور الدولة ومؤسساتها، وباحثاً عن سلطة قادرة على فرض النظام وسيادة القانون وحماية الحقوق وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

غير أن طول أمد الأزمة وما رافقها من تدهور اقتصادي وخدمي طال الضروريات المرتبطة بخدمات المواطنين الأساسية كالكهرباء والصحة والتعليم والمياه - وبخاصة في العاصمة عدن - وبقية مدن المحافظات الكبرى قد أوجد حالة متنامية من التسخط والإحباط لدى قطاعات واسعة من أبناء الشعب اليمني، الأمر الذي أسهم في توفير بيئة مناسبة لدى بعض المتأبطين شراً بالوطن والمتربصين الذين يستثمرون في مساحات غياب الدولة ويعملون على تغذية التوترات المحلية لخدمة أجندات لا تصب في مصلحة المشروع الوطني.

وفي ظل هذه الظروف، برزت أصوات تحاول توجيه الغضب الشعبي بعيداً عن أسبابه الحقيقية، وتوظيفه في معارك جانبية تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار، وإحداث تصدعات في جدار الوطن ونسيجه الإجتماعي والإضرار بالعلاقات الاستراتيجية لليمن مع محيطه العربي، وفي مقدمة ذلك علاقته بالمملكة العربية السعودية التي ظلت تمثل الداعم الأبرز للشرعية اليمنية في مختلف المحطات. 

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين النقد المسؤول للأداء الحكومي، وهو حق مشروع وضرورة دينية ووطنية، وبين الخطابات التي تستهدف تقويض الثوابت الوطنية وإضعاف التحالفات الاستراتيجية التي يحتاجها اليمن في هذه المرحلة الدقيقة.

خاتمة

يكشف حصاد هذا العام أن التحدي الأكبر لم يعد مقتصراً على مواجهة المشروع الحوثي الانقلابي الإرهابي، المدعوم إيرانياً - رغم خطورته المستمرة على اليمن حاضراً ومستقبلاً - بل بات مرتبطاً كذلك بقدرة مؤسسات الشرعية والقوى الوطنية على استعادة زمام المبادرة، وتحويل الإمكانات والفرص المتاحة إلى نتائج ملموسة تعزز ثقة المواطن وتدفع بمسار استعادة الدولة إلى الأمام.

فالنوايا الحسنة وحدها لا تبني مشروعاً وطنياً، والخطابات الإعلامية أو الوعود المتكررة لم تعد كافية لإقناع الناس بوجود آفاق للخروج من الأنفاق المتعددة أو تقدم حقيقي.

 إن المطلوب اليوم هو فاعلية مؤسسات الدولة ورؤية واضحة، وإدارة رشيدة للموارد والإمكانات، بما يعيد للوطن عافيته ويضعه على طريق التعافي والاستقرار.

ويقف اليمنيون اليوم أمام لحظة مفصلية لمراجعة وطنية تستدعي استحضار المسؤولية أمام الله أولاً ثم أمام الشعب والتاريخ، للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، والتقدم نحو مستقبل أفضل ومن الاكتفاء بالحفاظ على الواقع إلى العمل الجاد على تغييره نحو الآمال والتطلعات المنشودة. 

إن تشخيص الداء يمثل نصف العلاج، أما نصفه الآخر فهو الإرادة الوطنية الصادقة والقيادة السياسية الجادة القادرة على إعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها، وتقديم مصلحة الوطن والمواطن على ما سواها من الاعتبارات، والاستفادة من الفرص المتاحة قبل أن تضيع كما ضاعت فرص سابقة، لأن كلفة الإخفاق في هذه المرحلة قد تكون أكبر من قدرة اليمنيين على الاحتمال.

والله من وراء القصد.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

سمير عطا الله

2026-05-07 03:41:24

من ديار السعادة

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد