في الواقع، فإن أي اتفاق أمريكي ـ إيراني محتمل لا يقتصر أثره على الملف النووي أو طبيعة العلاقة بين واشنطن وطهران، بل من شأنه أن يُحدث تحولاً استراتيجياً في طبيعة الصراعات الإقليمية ومساراتها ومآلاتها السياسية.
بل إن الأمر قد يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك. فالكاتب السعودي عبدالرحمن الراشد أشار في مقاله المعنون بـ”أخطر ما في الاتفاق” إلى احتمال أن يفضي هذا المسار إلى تكريس واقع إقليمي جديد يقوم على الاعتراف الضمني بمنطقتي نفوذ؛ الأولى لإيران وحلفائها، والثانية للولايات المتحدة وحلفائها، بما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على مستقبل دول المنطقة وقضاياها العالقة.
غير أن أكثر ما يستدعي الانتباه، من المنظور اليمني، هو احتمال أن يتحول هذا الاتفاق إلى مظلة سياسية تحصّن الأذرع الإيرانية في المنطقة، وتتعامل معها باعتبارها أمراً واقعاً ينبغي التعايش معه لا إنهاؤه. وفي مقدمة هذه الأذرع تأتي مليشيات الحوثي في اليمن.
كما أن الحماس الذي أبدته الدبلوماسية الخليجية لإنجاح هذا المسار، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، يعكس وجود إرادة إقليمية تدفع باتجاه التهدئة وإعادة ترتيب الأولويات وفق معادلات جديدة قد لا تتطابق بالضرورة مع أهداف المعركة الوطنية اليمنية.
وإذا ما جرى البناء على هذه التفاهمات الإقليمية، فإن ذلك قد يقود عملياً إلى تحصين مليشيات الحوثي سياسياً، وإعادة تعريف الصراع في اليمن بوصفه نزاعاً قابلاً للإدارة لا انقلاباً ينبغي إنهاؤه، وهو تحول بالغ الخطورة على مشروع استعادة الدولة وتحرير العاصمة صنعاء وإنهاء النفوذ الإيراني.
وتزداد أهمية هذا النقاش عند استحضار ما أشار إليه الأستاذ نصر طه مصطفى، مستشار رئيس الجمهورية، في حواره مع الإعلامي عارف الصرمي على قناة اليمن اليوم، حين تحدث عن أن القرار اليمني لم يعد شأناً يمنياً خالصاً، بل أصبح نتاجاً لتداخل أطراف متعددة تشمل الشرعية اليمنية وحلفاءها في مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتهم الرياض، إضافة إلى سلطة الأمر الواقع المتمثلة بمليشيات الحوثي وحلفائها الإيرانيين.
وإذا كانت واشنطن وطهران تتجهان بالفعل نحو تفاهمات استراتيجية جديدة، فإن السؤال الأهم بالنسبة لليمنيين لا يتعلق بما ستجنيه إيران أو الولايات المتحدة من هذا الاتفاق، بل بما قد يُفرض على اليمن في ظله. فالمخاوف الحقيقية لا تنبع من الاتفاق ذاته، وإنما من احتمالية أن يتحول إلى مظلة سياسية لتحصين الأذرع الإيرانية في المنطقة، وفي مقدمتها مليشيات الحوثي، وإعادة تعريفها باعتبارها جزءاً من معادلة الاستقرار الإقليمي لا خطراً يهدد الدولة الوطنية.
وحينها لن يكون الحديث عن السلام سوى إعادة إنتاج للأزمة بصيغة جديدة، ولن يكون المطلوب إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، بل التكيف مع نتائجه والتعايش مع آثاره. وهو مسار، إن حدث، سيعني عملياً الانتقال بالقضية اليمنية من مشروع استعادة الدولة إلى مشروع إدارة الانقسام وشرعنة الأمر الواقع.
ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يواجه اليمن في المرحلة المقبلة ليس الحرب، بل تسوية تُغلق ملف استعادة الدولة، وتمنح النفوذ الإيراني ما عجز عن انتزاعه بالقوة، تحت عناوين السلام والاستقرار وخفض التصعيد.
إن هذا التصور للمشهد ينقل القضية اليمنية إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لا يعود السؤال متعلقاً بكيفية حسم المعركة الوطنية، بل بمدى قدرة اليمنيين على التأثير في مسارها أصلاً. والأخطر من ذلك أن يفرض هذا الواقع تحت عنوان “السلام”، بينما يكون في جوهره مساراً لإغلاق القضية الوطنية وإضفاء الشرعية على نفوذ المليشيات العابرة للحدود.
وإذا كان هذا هو الاتجاه الذي تتشكل ملامحه اليوم، فإن الواجب الوطني يقتضي فتح نقاش جاد ومسؤول حول تداعياته، والتشاور بشأن سبل التعامل معه ومقاومته سياسياً ووطنياً. فنحن لسنا أمام حقائق مقدسة أو مسارات قدرية لا يمكن تغييرها، بل أمام ترتيبات ومصالح سياسية قابلة للنقاش والرفض وإعادة التشكيل.
كما أن حق اليمنيين في استعادة دولتهم، واستعادة الأمن والاستقرار، وحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية، ليس حقاً قابلاً للمساومة أو المقايضة في أسواق التسويات الإقليمية والدولية، خاصة من قبل أطراف تتمسك بهذه المبادئ داخل حدودها الوطنية بينما تقبل بانتقاصها داخل اليمن.
قد يرى البعض أن رفض مثل هذه الوقائع ضرب من المثالية أو مواجهة خاسرة سلفاً، غير أن التاريخ يعلمنا أن إرادة الشعوب كانت دائماً العامل الحاسم في مواجهة المشاريع المفروضة، وأن الاستسلام للأمر الواقع لم يكن يوماً طريقاً لبناء الدول أو حماية الأوطان.
إن المشهد يتجه نحو مزيد من التعقيد، ويفرض على اليمنيين تحديات جديدة وغير مسبوقة، لكن ذلك لا يغير من حقيقة واحدة: أن الهدف الوطني الذي قامت من أجله هذه المعركة لم يتبدل، وسيظل يتمثل في استعادة الدولة اليمنية، وإنهاء الانقلاب، وإسقاط هيمنة المليشيات، وبناء دولة تحتكر السلاح والقرار والسيادة على كامل ترابها الوطني.
إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم ليس استمرار الحرب، بل احتمال فرض سلامٍ يُصادر أهدافها الوطنية. فالحروب تنتهي، أما شرعنة الانقلابات وتكريس النفوذ الأجنبي فتتحول إلى أعباء تاريخية تدفع الشعوب ثمنها لعقود طويلة. ولذلك ستبقى قضية اليمن الجوهرية هي استعادة الدولة، وتحرير صنعاء، وإنهاء النفوذ الإيراني، مهما تبدلت الخرائط وتشابكت المصالح وتعددت مسارات التسوية. فالأوطان لا تُبنى على أنقاض السيادة، ولا تُستعاد بالتعايش مع نتائج الانقلاب ..