ليس غريبًا، ولا جديدًا أن تتنصل السلالة الحوثية ـ التي فرضت نفسها كسلطة أمر واقع ـ عن أن تقوم بتأدية جزء ـ مهما كان يسيرًا ـ تجاه من فرضت نفسها عليهم في غفلة من الزمن، وراحت تنهب خيرات وطنهم عامة، ومدخراتهم وممتلكاتهم الخاصة جهارًا نهارًا، وأمام أنظار العالم.
أما أن ذلك ليس غريبًا، ولا جديدًا؛ فإن الحوثية ـ اليوم ـ قد ورثت عن أجدادها ما تراه أمرًا في غاية الأهمية؛ وهو مشروعية السلب والنهب، واختطاف لقمة العيش من فم الفقير واليتيم، والأرملة والمسكين، حتى غدا هذا الأسلوب من النهب ثقافة سائدة لديهم، ويرونه حقًا مشروعًا، وواجبًا مفروضًا على كل فرد أُلقيت به أقداره أن يعيش في ظل هيمنتها.
لقد كان نظام الحكم الإمامي المتوكلي يرى أن واجب أفراد مملكته أن يسوقوا له ما يزرعون، وما ينتجون لخزائن الإمام، وأما الإمام فلا يلزمه تجاه رعيته أي واجب، إلا أن يتكرم عليهم بإتاحة الفرص لتقبيل كفيه، والتمسح بأثوابه.
ألم يذكر لنا التاريخ ذلك الإمام الذي استباح أموال الرعية في عهد من عهود الإمامة الغابرة، فلما قام له أحد الناصحين الفضلاء يذكره بالله، وأن الله سينتقم لهم حيث صادر معظم ما يملكون، ولم يترك لهم من منتوجاتهم إلا أقل القليل، رد عليه باستعلاء وقح بأن الله سيحاسبه على ما ترك لهم، لا على ما أخذ منهم!!
هذه هي عقليتهم، وهذه هي عقيدتهم، وهذا هو نفسه الذي استباح أموال مخالفيه، حين راح يدبج كتابًا يعنونه بـ: "إرشاد السامع إلى جواز أخذ مال الشوافع".
بل إن يحيى حميد الدين لما داهمت المجاعة اليمن في عهد حكمه البائس، فجاء من ينصحه أن يفتح مخازن الحبوب للشعب الذي يأكله الجوع، تمتم بلسان قسيس، قائلًا: لا يكافئ الخلق إلا الخالق، ثم أردف مدعيًا الحكمة: من عاش عاش حميدًا، ومن مات مات شهيدًا.
هكذا توزع السلالة الإمامية أوسمتها للمتضورين جوعًا، وما يمارسه أحفادهم من سلب ونهب، وما يتفوهون به من نصائح تجاه الجوعى الذين نُهبوا وسُلبوا حتى أملقوا، ونفد ما في أيديهم من متاع حتى كاد أن يهلكهم الجوع، ظن هؤلاء الجوعى في أنفسهم خيرًا، وحسبوا أن من سيستغيثون بهم سيكونون عند هذا الظن المتفائل، فإذا بالحفيد البائس يستدعي حكم جده وكهنوتية سالفه؛ فينصح المستغيث بأن يتجه إلى العمل مجانًا! فالطاعة للسلالة تمطر بركة وتشبع بمجرد أداء واجب السمع والطاعة لما يتفوه به (السيد)!! ويا له من لقب (سيد)؛ لقب اغتُصب، مثلما اغتُصبت لقمة اليتيم والأرملة.
يذكر القاضي عبد الرحمن الإرياني في الجزء الثاني من مذكراته، أن رجلًا اسمه محمد أبو طالب الخطيب شد الرحال إلى مدينة إب يقصد سيف الإسلام الحسن أمير لواء إب في عهد أبيه الإمام يحيى، وقد كان الحسن مشهورًا بالشح، فجاء أبو طالب هذا يلتمس المساعدة، فلما طرح ذلك على الحسن أخذ يشكو إليه ويشرح له حالته وما عليه من الديون، وكيف أنه يبيت سهران يفكر في تسديدها... حتى قال له أبو طالب: لقد سمعت منكم من الشكوى ما هون علي ما أنا فيه وجعلني أفكر في أن أساعدكم.
لم يبعد أبو الأحرار في وصفهم، ببيت واحد لخص فيه حقيقتهم:
جهلٌ وأمراضٌ وظلمٌ فادحٌ
ومخافةٌ ومجاعةٌ وإمام
زاد الأمر عن حده أيام الإمامة البائدة، فلم يكن ثمة من نصح يفيد، ولا عظة ترشد؛ وإنما كانت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر هي الحد والحل.
ومع ذلك؛ لا يُعفى المتفرجون ـ اليوم ـ من الإثم، وأظلم منهم من يختلقون الأوهام، أو من يبحثون عن مُلهيات ومُسلّيات للناس لإشغالهم بها عن واجبهم المفروض، وواجبهم الذي لا يجب الانشغال عنه بمقترحات الإلهاء وتلفيق مشاريع التيه والضياع، وربما الفتن.