اعلموا أن القبيلة عبر التاريخ لم تكن يوما تابعا ولا أداة في يد أحد، بل كانت ميزان الأرض، وسند الضعيف، وحصن الكرامة حين تختل موازين الدولة والسلطة..
واليوم، يعيش اليمن مرحلة صعبة تم فيها استغلال أبناء القبائل في صراعات لا تخدم مستقبلهم، حيث دفع الحوثيون بالكثير من شباب القبائل إلى خطوط المواجهة والثغور، بينما وزعوا مراكز القرار والحماية على أنفسهم وأبنائهم في المدن وأماكن أخرى، بعيدا عن كلفة الدم والمعاناة..
إن هذا الواقع لا يمكن فهمه إلا في سياق صراع طويل، جرى فيه تفكيك البنية القبلية الجامعة، وتحويلها تدريجيا من قوة اجتماعية مستقلة إلى أداة تستنزف في معارك سياسية وعسكرية لا تنتهي. وهذا ما جعل كثيرا من أبناء القبائل يشعرون بأن دورهم تم تضخيمه في القتال، بينما تم تهميش مكانتهم في القرار والتمثيل والتأثير..
يا مشايخ اليمن ووجهاءها…
إن أخطر ما يمكن أن تمر به القبيلة هو أن تفقد استقلال قرارها، وأن تستدرج إلى معارك لا تدار من أجلها ولا تنتهي لصالحها. فالقوة الحقيقية للقبيلة ليست في كثرة من يقاتل باسمها، بل في قدرتها على أن تقول: “كفى” حين ترى أن الدم يستنزف بلا أفق واضح..
إن انسحاب القبيلة من أي استغلال سياسي أو عسكري، وعودتها إلى موقعها الطبيعي كقوة اجتماعية ضامنة للسلم، كفيل بأن يغير ميزان الواقع، ويكشف حجم الاعتماد على هذا الامتداد القبلي في استمرار الصراع. وعندها فقط يصبح الطريق مفتوحا أمام تسوية عادلة وشاملة، لا تقوم على الإقصاء ولا على الاستنزاف، بل على شراكة تحفظ كرامة كل اليمنيين..
إن اليمن لا يمكن أن يحكم بالقوة وحدها، ولا أن يدار باستمرار الاستنزاف. واليوم، تقع على عاتق حكماء القبائل مسؤولية تاريخية: إما أن تستعيد القبيلة دورها الحقيقي في حماية المجتمع وصناعة السلام، أو تظل وقودا في معارك لا تنتهي..
اليمن أكبر من أن يختصر في صراع، وأوسع من أن يدار بمنطق الاستنزاف، والقبيلة أكبر من أن يستغلها الحوثي في خدمة مشروعه التدميري. ومتى ما استعاد أبناء القبائل قرارهم، استعاد الوطن توازنه، واقترب السلام خطوة حقيقية نحو العدالة والاستقرار..