يبدو أن رئيس وأعضاء مجلس القيادة أصبحوا اليوم في حاجة إلى أن يفتحوا صفحات التاريخ؛ لا لقراءة أخبار الملوك والحروب، بل ليتأملوا معنى الكرامة، وكيف واجهتها الأمم وقادتها عبر العصور.
فمنذ ما قبل الإسلام، مرورًا بقادة المسلمين، ووصولًا إلى قادة الغرب في العصر الحديث، لم يكن التاريخ يخلّد من كانت جيوشهم أكبر، ولا من كانت موازين القوى تميل إلى جانبهم، وإنما خلد أولئك الذين أدركوا أن كرامة الوطن ليست بندًا في مفاوضات، وأن السيادة ليست عبارة تُتلى في البيانات، بل قيمة تُبذل في سبيلها الدماء.
ولهذا، أدعو رئيس وأعضاء مجلس القيادة إلى استحضار بعض تلك المواقف؛ لا بقصد المقارنة بين الأشخاص، وإنما لإدراك حقيقة لم تتغير منذ فجر التاريخ: أن الأوطان قد تنهزم في معركة ثم تنهض، لكنها إذا قبلت الإهانة، فقد دخلت طريقًا لا يخرجها منه إلا ثمنٌ أفدح.
لقد وقف عبد المطلب أمام أبرهة رافضًا أن ينكسر، ورفض الخليفة أبو بكر الصديق أن يبدأ عهد الدولة الإسلامية بأول تنازل، وواجه قطز تهديد هولاكو بإرادة صنعت عين جالوت، كما رفض تشرشل أن يجعل من الهزيمة قدرًا لبريطانيا، وأصر ديغول على أن احتلال فرنسا لا يعني نهاية فرنسا وهناك غيرهم كثر عمر المختار وصلاح الدين
لم يكن هؤلاء جميعًا الأقوى في لحظتهم، لكنهم كانوا يدركون أن الإهانة إذا قُبلت مرة، تحولت إلى قاعدة، وأن السيادة إذا فُرض عليها أمر واقع، أصبح التراجع بعدها عادةً لا استثناء.
واليوم تقف قيادة الشرعية اليمنية أمام اختبار لا يختلف في جوهره عن تلك اللحظات التاريخية.
إن ما جرى لم يعد مجرد انتهاك للسيادة، بل محاولة لفرض أمر واقع بالقوة، واختبارًا لإرادة القيادة قبل أن يكون اختبارًا لقدراتها العسكرية.
إن التاريخ لا يسأل القادة: كم كان خصمكم قويًا؟ بل يسألهم: ماذا فعلتم عندما مُست سيادة وطنكم؟
لا أحد يطالبكم بقرار عبثي، لكن التاريخ لن يعذر قيادة قبلت أن تتحول السيادة إلى بيانات، وأن يُجابَه فرض الأمر الواقع بمزيد من الدعوات إلى خفض التصعيد.
فالشعوب قد تغفر الهزيمة إذا جاءت بعد مقاومة، لكنها نادرًا ما تغفر الإهانة إذا قُبلت دون موقف.
فالسيادة لا تُفقد يوم يدخل الخصم أرضك، وإنما يوم يقتنع أصحاب القرار أن التعايش مع الإهانة أقل كلفة من مواجهتها. وعندها لا يسقط الحاكم وحده، بل يسقط معه معنى الدولة، ويكتب التاريخ أن وطنًا لم يهزمه أعداؤه بقدر ما هزمه تردد قيادته في لحظة كان القرار فيها واجبًا لا خيارًا