منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط 2026، بدا أن طهران اختارت مساراً مختلفاً عن التوقعات التقليدية. فبدلاً من تركيز معظم عملياتها العسكرية على إسرائيل أو القوات الأمريكية فقط، اتجه جانب مهم من عملياتها نحو دول الخليج العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لتتحول المنطقة تدريجياً إلى ساحة ضغط موازية للحرب الرئيسية.
ورغم أن واشنطن وتل أبيب هما الطرفان اللذان يقودان العمليات العسكرية ضد إيران، فإن مسار التصعيد خلال الأشهر الماضية أظهر أن السعودية ودول الخليج أصبحت أهدافاً متكررة للهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة والتهديدات البحرية، سواء بصورة مباشرة أو عبر جماعات حليفة لطهران، في وقت حافظت فيه الرياض على سياسة تقوم على تجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة.
وتشير مراكز أبحاث وتقارير دولية إلى أن الضربات الإيرانية توسعت لتشمل منشآت الطاقة والموانئ والقواعد العسكرية في عدة دول خليجية، إلى جانب استهداف قواعد أمريكية داخل الخليج، وهو ما نقل مركز ثقل الحرب تدريجياً من المواجهة الإيرانية الإسرائيلية المباشرة إلى أمن الخليج وممراته البحرية.
يمكن قراءة هذا المسار من زاوية استراتيجية؛ فإيران تدرك أن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، تمثل العمق الاقتصادي والطاقة العالمي، وأن أي اضطراب فيها ينعكس فوراً على أسواق النفط والتجارة الدولية، كما يشكل ضغطاً على الولايات المتحدة وحلفائها لإعادة النظر في استمرار الحرب. لذلك بدا أن توسيع دائرة الصراع نحو الخليج يحمل بعداً سياسياً واقتصادياً لا يقل أهمية عن المواجهة العسكرية المباشرة.
منذ الأيام الأولى للحرب تعرضت منشآت ومرافق في السعودية ودول خليجية لهجمات متعددة، كما طالت الضربات قواعد أمريكية في البحرين والكويت وعُمان، قبل أن يتوسع التصعيد لاحقاً إلى الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وهو ما رفع المخاوف من تحول الخليج إلى المسرح الرئيسي للحرب.
في المقابل، اتسم الموقف السعودي بدرجة عالية من ضبط النفس. فعلى الرغم من تعرض أراضيها ومصالحها لتهديدات متكررة، لم تتجه الرياض إلى إعلان الحرب على إيران، ولم تدخل في مواجهة مباشرة، بل واصلت التأكيد على ضرورة حماية أمن المنطقة ومنع اتساع دائرة الصراع، بالتوازي مع استمرار التنسيق الدفاعي لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة وحماية المنشآت الحيوية.
كما استمرت المملكة خلال الأشهر الماضية في دعم المساعي الدبلوماسية الهادفة إلى احتواء الأزمة، مع المحافظة على الهدنة غير المعلنة في اليمن قدر الإمكان، وعدم السماح بتحول الجبهة اليمنية إلى ساحة مواجهة مفتوحة، رغم الاستفزازات المتكررة.
إلا أن الأيام الأخيرة حملت تطوراً نوعياً. فقد تصاعد التوتر بعد محاولة تسيير رحلة إيرانية إلى صنعاء، وما أعقبها من استهداف مدرج مطار صنعاء لمنع هبوط الطائرة، قبل أن يتم تحويلها إلى مطار الحديدة. ورد الحوثيون لاحقاً بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه مطار أبها، في أخطر تصعيد تشهده الجبهة السعودية منذ سنوات، بالتزامن مع اتساع المواجهة في مضيق هرمز واستهداف قواعد أمريكية في الخليج.
وتعكس هذه التطورات ترابطاً واضحاً بين الجبهة اليمنية والخليجية، إذ لم تعد أحداث صنعاء أو هرمز منفصلة، بل أصبحت جزءاً من معركة واحدة تسعى فيها إيران إلى توسيع ساحات الاشتباك، بما يزيد الضغوط على خصومها ويعقد حساباتهم العسكرية والسياسية.
إذا استمر هذا النهج، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار استهداف البنية التحتية والمطارات والموانئ وخطوط الملاحة في الخليج، مع تجنب الانزلاق إلى حرب برية مباشرة، في محاولة لإرهاق الخصوم اقتصادياً وسياسياً. أما السيناريو الأخطر، فهو أن يؤدي سقوط أعداد كبيرة من الضحايا أو تعرض منشآت استراتيجية لضربات مؤثرة إلى دفع السعودية أو إحدى دول الخليج إلى تغيير قواعد الاشتباك، بما يفتح الباب أمام مواجهة إقليمية أوسع يصعب احتواؤها.
حتى الآن، يبدو أن الرياض لا تزال تراهن على احتواء التصعيد وعدم منح إيران ما قد تسعى إليه، وهو توسيع الحرب لتشمل الخليج بصورة مباشرة. غير أن استمرار الهجمات على الأراضي السعودية، واتساع المواجهة في مضيق هرمز، والتصعيد المتزامن في اليمن، يجعل الحفاظ على هذا التوازن أكثر صعوبة من أي وقت مضى، ويضع المنطقة أمام مرحلة قد تعيد رسم معادلات الأمن الإقليمي بأكملها.