ما تزال الشرعية، حتى هذه اللحظة، عاجزة عن استيعاب حجم المتغيرات الإقليمية الأخيرة وانعكاساتها المباشرة على الداخل اليمني ومسار المعركة الوطنية، أو أنها لم تتعامل معها بالقدر الذي تفرضه خطورتها.
فما جرى خلال الأسابيع الأخيرة لا يمثل أحداثًا متفرقة، بل مؤشرات على انتقال المشروع الإيراني إلى مرحلة جديدة، تتسم بجرأة أكبر في فرض الوقائع وتوسيع نطاق المواجهة على امتداد المنطقة. وفي هذا السياق، فإن تمكين إيران من نقل قيادات عسكرية وخبراء إلى مناطق سيطرة الحوثيين عبر الرحلات الجوية إلى صنعاء والحديدة لا يمكن النظر إليه باعتباره تفصيلًا عابرًا، بل تطورًا استراتيجيًا ستكون له انعكاساته المباشرة على مسار الحرب في اليمن.
وفي تقديري، فإن إيران أصبحت تتهيأ لخوض المواجهة على مسارين متزامنين: الأول باتجاه مناطق سيطرة الشرعية، والثاني باتجاه المملكة العربية السعودية، بوصفها الهدف الاستراتيجي الأهم في معادلة الصراع الإقليمي.
ولذلك، فإن الحديث عن خفض التصعيد أو الرهان على مسار سلمي يبدو منفصلًا عن طبيعة المشروع الإيراني، الذي تُقرأ أهدافه من خلال أفعاله لا من خلال التصريحات. فما تعرضت له الكويت والبحرين والأردن، إلى جانب الانتهاكات المتكررة التي طالت أمن الإمارات، لا يمكن قراءته بوصفه أحداثًا منفصلة، بل حلقات في سياق واحد يهدف إلى إعادة تشكيل ميزان القوة في الخليج والمنطقة، وتهيئة البيئة السياسية والعسكرية لمواجهة أوسع تتجه حتمًا نحو المملكة العربية السعودية لتكون ساحتها الرئيسة، حسب ما تخطط له إيران بدقة.
إن أخطر ما تواجهه الشرعية اليوم ليس قوة المشروع الإيراني وحدها، بل استمرارها في قراءة المشهد بعقلية مرحلة تجاوزتها الأحداث. فالمتغيرات تسير بسرعة، بينما القرار السياسي ما يزال بطيئًا، والخصم يفرض وقائع جديدة، فيما لا تزال القيادة تناقش كيفية التعامل مع وقائع الأمس.
والتاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تسقط عادةً لأن خصومها كانوا أقوى، بل لأن قياداتها تأخرت في إدراك لحظة التحول، حتى أصبحت تتعامل مع الكارثة بعد وقوعها، لا قبل وقوعها، وهذا واقع مجلس القيادة والقوى السياسية.