حذّرنا منذ سنوات من أن إيران لا تعمل على تثبيت نفوذها في اليمن باعتباره مكسبًا محليًا محدودًا، بل تنظر إلى الجغرافيا اليمنية بوصفها منصة متقدمة للضغط على المملكة العربية السعودية وتهديد عمقها الاستراتيجي، والتحكم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وأكدنا مرارًا أن إضعاف الدولة اليمنية، ومحاصرة جيشها الوطني، وتعطيل معركة استعادة صنعاء، لن تبقى كلفته محصورة داخل الحدود اليمنية؛ لأن الفراغ الذي تتركه الدولة لا يبقى فراغًا، بل تملؤه إيران بالسلاح والعقيدة والمليشيات والصواريخ وشبكات التهريب والنفوذ الأمني.
وقلنا بصوت واضح إن رعاية التشكيلات المسلحة خارج مؤسسات الدولة، أو التسامح مع بقائها تحت أي عناوين سياسية وأمنية، ليست إدارةً للأزمة، بل صناعةٌ لقنابل موقوتة سيأتي اليوم الذي تنفجر فيه في وجه المنطقة ذاتها. فالمليشيا التي تُستخدم اليوم لإضعاف الدولة اليمنية قد تتحول غدًا إلى أداة ابتزاز وتهديد عابر للحدود.
لقد تحمل اليمنيون خلال السنوات الماضية النصيب الأكبر من الخسائر، حتى لم يعد لدى قطاعات واسعة من الشعب ما تخشى فقدانه. أما الخسارة التالية، إن استمر التوسع الإيراني، فلن تكون يمنية وحدها، بل ستطال أمن المملكة ودول الخليج ومصالحها الحيوية واستقرارها الاقتصادي والسياسي.
واليوم، وقد بلغ التهديد مرحلة أكثر خطورة، نجدد التحذير من أن تأخير تحرير اليمن من المشروع الإيراني لا يعني تجميد الخطر، بل منحه مزيدًا من الوقت لإعادة التموضع، وتوسيع ترسانته، وتعميق نفوذه، وتحويل اليمن إلى قاعدة متقدمة في أي مواجهة مقبلة مع المملكة.
إيران تبني مجالها العملياتي في اليمن والعراق ضمن رؤية واحدة؛ تطويق المملكة من أكثر من اتجاه، وإرهاقها عبر جبهات غير مباشرة، وامتلاك القدرة على تهديد منشآتها وموانئها وطرق تجارتها وعمقها الاقتصادي. وكل يوم يمر واليمن خارج سيطرة دولته يقرّب هذا السيناريو خطوة إضافية من الواقع.
إن سياسة إضعاف مؤسسات الدولة اليمنية، ومحاصرة الجيش الوطني، وتجريده من إمكاناته، والسعي إلى تفكيك بنيته تحت ذرائع مختلفة، دفعت اليمن ثمنها دمًا وانهيارًا، وبدأت دول المنطقة تدفع ثمنها تهديدًا واضطرابًا واتساعًا في مجال النفوذ الإيراني.
واستمرار هذه السياسة لا يمنح المنطقة أمنًا ولا يشتري استقرارًا، بل يقرّب إيران من العمق الخليجي، ويمنحها أوراقًا استراتيجية جديدة، ويحوّل كل هدنة مؤقتة إلى فرصة إضافية لتطوير قدراتها والاستعداد لجولة أكثر خطرًا.
لقد كان تحرير اليمن في السابق ضرورة لحماية أمن المنطقة، أما اليوم فقد أصبح أكثر من ذلك بكثير:
تحرير اليمن من إيران ومليشياتها لم يعد خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لحماية المملكة ودول الخليج ومنع انتقال الخطر من الأطراف إلى القلب ..