حين تنتهي الحروب، لا يبقى في ذاكرة الشعوب عدد البيانات ولا صخب التصريحات، وإنما تبقى أسماء الرجال الذين امتحنتهم الميادين، فثبتوا حين اضطرب غيرهم، وحملوا مسؤولياتهم في أشد اللحظات قسوة.
ولذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن تُكتب سِيَر القادة كما صنعتها الوقائع، لا كما تصنعها الخصومات أو المجاملات. فالرجال يُعرفون بمواقفهم، والتاريخ لا يزنهم بقدر ما قيل فيهم، بل بما قدموه يوم كانت الأوطان تستغيث.
ومن بين القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بالمعركة الوطنية منذ بداياتها، يبرز الفريق الركن الدكتور صغير بن عزيز، رئيس هيئة الأركان العامة وقائد العمليات المشتركة، بوصفه أحد القادة الذين خاضوا المواجهة مع مليشيات الحوثي منذ سنواتها الأولى، قبل أن تتحول إلى المشروع الإيراني الذي يهدد اليمن والمنطقة بأسرها.
ولا أكتب هذه الكلمات من باب الإطراء، ولا لأن الرجل فوق النقد؛ فكل قائد يجتهد ويصيب ويخطئ، ولا أحد معصوم. وإنما أكتبها من باب الإنصاف، لأن من عاش تفاصيل هذه المعركة يدرك أن للرجل رصيدًا ميدانيًا لا يجوز أن يُغفل عند استحضار تاريخها.
ولا أنسى تلك الأيام العصيبة في حرف سفيان، حين كان محاصرًا في منطقته ومنزله، وكنت أتواصل معه هاتفيًا. لم أسمع منه يومًا شكوى، ولا رأيت في حديثه أثرًا لليأس، بل عزيمةً هادئة، وإرادةً صلبة، وإيمانًا راسخًا بأن النهاية لن تكون إلا إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة. ومنذ تلك الأيام أدركت أن بعض الرجال تصنعهم المحن قبل أن تصنعهم المناصب.
لقد خبر الميدان قبل أن يجلس إلى طاولة القيادة، ولذلك ظل يحمل عقلية المقاتل حتى وهو يتولى أعلى المواقع العسكرية.
ويمتاز هذا القائد بمزيج نادر من التواضع الذي لا ينتقص من هيبته، والحزم الذي لا يفسد أخلاقه. فهو قريب من ضباطه وجنوده، بسيط في تعامله، بعيد عن التكلف، لكنه في الوقت ذاته يعرف متى يكون الحزم واجبًا، ومتى يصبح القرار الصارم ضرورة تفرضها مسؤولية القيادة.
وهو عسكري محترف، يمتلك خبرة واسعة في القيادة والتخطيط وإدارة العمليات، ويؤمن بأن النصر لا يتحقق بالاندفاع أو الارتجال، وإنما يقوم على إعداد محكم، وتنظيم دقيق، وقراءة واعية للميدان.
ومن الصفات التي يلمسها كل من عمل معه أنه لا يحتكر الرأي، ولا يتعامل مع القيادة باعتبارها تفردًا بالقرار. فهو يستمع إلى معاونيه وقادته، ويمنح الجميع فرصة لإبداء آرائهم، ثم يتخذ قراره بعد تمحيص وروية، إيمانًا بأن القائد الواثق من نفسه لا يخشى الرأي الآخر، بل يوظفه للوصول إلى القرار الأصوب.
كما يتقن إدارة الاجتماعات بهدوء وانضباط، فيمنح الجميع حق الحديث، ويقود النقاش بروح المسؤولية حتى تتبلور أفضل النتائج، وهو أسلوب يعكس شخصية تؤمن بأن العمل العسكري الناجح يقوم على المؤسسة، لا على الفرد.
ويشهد له كثير ممن عرفوه بسمو الخلق، ونبل السجايا، وسعة الصدر، واحترام الآخرين. فلا يعرف عنه إساءة إلى أحد، ولا تجريح لمخالف، بل يتعامل مع الجميع بأدب رفيع، محافظًا على العلاقات الإنسانية حتى في أشد الظروف.
كما يُعرف باعتناقه المنهج السلفي، مع التزام واضح بالاعتدال والوسطية، بعيدًا عن الغلو والتشدد، وهو ما انعكس على شخصيته القيادية، فجمع بين الثبات في المبادئ والاتزان في التعامل مع الناس.
ويجمع المقربون منه على أنه صاحب همة عالية، لا يعرف الكلل، يواصل أداء مهامه بإصرار ومثابرة، واضعًا مصلحة الوطن والقوات المسلحة فوق كل اعتبار.
قد يختلف الناس في تقييم القادة، لكن التاريخ يبقى أكثر عدلًا من ضجيج اللحظة؛ فهو لا يسأل ماذا قيل في الرجل، بل أين كان يوم كانت البنادق تتكلم، وماذا قدم حين كانت الأوطان تستنجد بأبنائها. وفي هذا الميزان، يبقى الفريق الركن الدكتور صغير بن عزيز واحدًا من القادة الذين كتبت ميادين القتال جانبًا مهمًا من سيرتهم قبل أن تكتبه المناصب.
ونسأل الله أن يوفقه ويسدد خطاه، وأن يحفظ اليمن وأهله، وأن يبارك جهود كل المخلصين الساعين إلى خدمة الوطن، وصون مؤسساته، واستعادة دولته..