بعد أزمةٍ عاصفة، عقد مجلس القيادة اجتماعه. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل اجتمع؟ بل: على ماذا اختلف، وعلى ماذا اتفق؟
فعند البحث في أسباب تلك الأزمة، لن نجد أنها دارت حول توقيت انطلاق المعركة الوطنية لتحرير صنعاء، ولا حول خطط تحريك الجبهات، ولا حول توفير متطلبات الجيش، ولا حول كيفية استثمار المتغيرات السياسية والعسكرية التي تهيأت بصورة غير مسبوقة إقليميًا ودوليًا وداخليًا.
لم يختلفوا على ساعة الصفر، ولا على خطط استعادة العاصمة، ولا على تعبئة مؤسسات الدولة لمعركة التحرير، ولا على حشد الطاقات الوطنية لاستثمار لحظة تاريخية نادرة. وإنما كان جوهر الخلاف، كما ظهر للرأي العام، يدور حول تعيينات ومناصب حكومية، في وقت ما يزال فيه ثلثا الشعب اليمني يرزحان – وفق هذه الرؤية – تحت الهيمنة الإيرانية عبر مليشيات الحوثي، فيما تتعرض مساحات واسعة من الجغرافيا اليمنية لتأثيرات ونفوذ إماراتي.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل كانت معركة استعادة الدولة وتحرير صنعاء حاضرة على جدول أعمال الاجتماع الذي أعقب تلك الأزمة؟ أم أن الجهد انصرف إلى ترميم الخلافات السياسية المرتبطة بتقاسم المناصب وإدارة التوازنات داخل السلطة؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الدول في اللحظات الفاصلة من تاريخها هو أن تنشغل قياداتها بالملفات الثانوية، بينما تتراجع القضايا الوجودية إلى الهامش. فحين ينصرف اهتمام الشارع إلى صراعات المناصب، ويُغيَّب الحديث عن معركة استعادة الدولة، فإن ذلك يكشف خللًا عميقًا في ترتيب الأولويات.
وفي تقديري، فإن التفريط في اللحظات التاريخية لا يُصنف ضمن أخطاء الإدارة، ولا يُختزل في سوء التقدير السياسي، بل يتحول إلى مسؤولية وطنية جسيمة. وعندما يكون هذا التفريط رغم اكتمال أسباب التحرك، وتوافر المتغيرات الإقليمية والدولية الداعمة، فإنه يرتقي – في تقديري – إلى فعلٍ متعمد يلامس حدود الخيانة الوطنية، لأن ثمنه لا تدفعه السلطة، وإنما يدفعه الوطن بأرضه وشعبه ومؤسساته، وتدفعه الأجيال القادمة لعقود.
لقد هيأت التطورات السياسية والعسكرية في الإقليم، ومعها التحولات في المواقف الدولية، فرصة غير مسبوقة لإعادة تصحيح مسار المعركة الوطنية. ومثل هذه اللحظات لا تتكرر كثيرًا في تاريخ الأمم، وإذا أُهدرت فلن يكون من السهل استعادتها.
إن اللحظة الراهنة ليست لحظة تعيينات، ولا لحظة تقاسم نفوذ أو إدارة خلافات داخلية، بل لحظة تقرير مصير الجمهورية اليمنية. وإذا انقضت هذه الفرصة دون أن تُستثمر في مشروع استعادة الدولة، وإنهاء الهيمنة الإيرانية عبر مليشيات الحوثي، واستعادة القرار الوطني من كل أشكال النفوذ الخارجي، بما في ذلك النفوذ الإماراتي في أجزاء من البلاد، فإن التاريخ لن يسجل أننا خسرنا جولة سياسية فحسب، بل سيسجل أننا فرطنا في واحدة من أعظم الفرص التي أتيحت للجمهورية اليمنية لاستعادة أرضها، وسيادتها، ومؤسساتها.
فالأوطان لا تضيع دائمًا لأنها عجزت عن الانتصار، بل قد تضيع لأن من قادها لم يدرك قيمة اللحظة التي هيأها الله لها، فانشغل بصغائر السياسة، بينما كان التاريخ ينتظر منه قرارًا يصنع مستقبل وطن بأكمله ..