كشفت هجمات الحوثيين خلال يومي أمس واليوم أن الجماعة لم تعد تختبر صبر الحكومة، بل تختبر قدرتها على الرد. فقد استهدفت بالصواريخ والطائرات المسيّرة معسكرات تابعة للقوات الحكومية في مأرب وحضرموت، وأسفرت الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن ثلاثين جنديًا وإصابة أكثر من خمسين. يأتي ذلك بعد أقل من شهر على إعلان مجلس القيادة الرئاسي ووزارة الدفاع أن جميع تشكيلات القوات المسلحة في أعلى درجات الجاهزية لخوض معركة التحرير وإنهاء الانقلاب. وبين إعلان الجاهزية وسقوط الجنود في معسكراتهم، يبرز السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل: إن لم تكن مواجهة الحوثيين اليوم، فمتى تكون؟
لقد مُنحت جماعة الحوثي سنوات طويلة من التهدئة والمبادرات والوساطات. لكنها لم تتعامل معها باعتبارها فرصة للسلام، بل مهلةً لإعادة التسليح وترتيب الصفوف وتوسيع قدراتها الصاروخية والجوية. كل هدنة رفعت كلفة المواجهة التالية. وكل تأجيل منح الجماعة وقتاً إضافياً لترسيخ سلطتها، وتعبئة المقاتلين، وتحويل مؤسسات الدولة إلى أدوات في مشروعها العسكري والعقائدي. والنتيجة واضحة: الحكومة تنتظر السلام، فيما يستعد الحوثي للحرب. الحكومة تحسب حساب ردود الفعل الدولية، فيما تفرض الجماعة وقائع جديدة بالصواريخ والمسيّرات. ومن يرفض قراءة هذا السلوك كما هو، سيظل يكرر الخطأ نفسه وينتظر نتيجة مختلفة.
الحوثيون لا يقدمون مشروع شراكة سياسية، بل سلطة سلالية مسلحة ترى الدولة غنيمة، والجمهورية مرحلة عابرة، واليمن ساحةً ضمن مشروع إقليمي تقوده إيران. ولهذا فإن الاكتفاء بالدفاع عن المعسكرات وانتظار الهجوم التالي ليس استراتيجية. إنه استنزاف بطيء للقوات، وتآكل لمصداقية الحكومة، ورسالة سلبية إلى المواطنين في مناطق سيطرة الجماعة. فإذا كانت القوات المسلحة قد توحدت، وإذا كانت تشكيلاتها جاهزة كما أعلنت القيادة، فإن معنى الجاهزية يجب أن يظهر في الميدان، لا أن يبقى عبارةً تتكرر في البيانات والاجتماعات.
المواجهة المطلوبة ليست اندفاعاً بلا حساب، ولا حرباً مفتوحة تُترك فيها حياة المدنيين للمجهول. إنها قرار وطني منظم، تقوده الدولة، وتسبقه خطة سياسية وعسكرية وإنسانية واضحة، وتلتزم فيه القوات بحماية المدنيين والقانون الدولي. لقد أثبت الحوثيون مرة أخرى أنهم يستخدمون التهدئة للاستعداد، ويستخدمون الحوار لكسب الوقت، ثم يعودون إلى السلاح عندما يرون اللحظة مناسبة. لذلك لم يعد السؤال: هل ستكون هناك مواجهة؟ بل: كم سيدفع اليمنيون ثمناً إضافياً قبل أن تبدأ؟ إن لم تكن اليوم... فمتى؟