;
فضل الكهالي
فضل الكهالي

النهاية العادلة لمشروع التبعية في اليمن.. 318

2026-08-18 09:41:17

أمام الشرعية اليمنية معركة فاصلة لا تقبل القسمة على اثنين. فإما أن تنتقل من رد الفعل إلى الفعل، وتنتزع ما سُلب منها بالقوة، عبر إعطاء الضوء الأخضر للقوات المرابطة على مختلف الجبهات للتحرك على الأرض وحسم المعركة. وإما أن تستمر في هذه المسرحية الهزلية المبنية على الاستعراض الخطابي والإعلامي، الذي يتناقض مع أبسط مؤشرات السعي لتحقيق النصر. والتي من أهمها: التمسك بالمبدأ وفق سقوف سياسية ثابتة لا تنخفض ولا تتغير بتغير الضغوطات. فالشرعية تدرك أن لا شيء يوحد المواطنين ويمنحهم الثقة، مثل شعورهم بأنهم الكفة الأرجح في المعادلة السياسية، وشركاء في القرارات المفصلية الفعالة.

هكذا يقول المنطق السياسي، وهذه هي أبجديات السياسة التي لا تتغير في الحرب والسلم، الحق والباطل، مهما تبدل الزمان والمكان.

shape3

لقد تحولت أمور كثيرة إلى الأسوأ على مستوى اليمن والجزيرة العربية، والشرق الأوسط، منذ أن وفرت بعض مراكز القوى الغطاء السياسي لإيران وأذرعها في المحافل الدولية. وقد آن الأوان لإنهاء هذا الدور، والانتصار لليمن ولشعوب المنطقة التي سعت إيران وأذرعها إلى إيرادها موارد الهلاك، مدعية أنها صنعت لها ولأتباعها كرامة على حساب الآخرين، في محاولة لتركيع شعوب المنطقة ومحو تراثها لصالح المد الفارسي الناقم على العروبة والعرب، بل وعلى جميع الأجناس والأعراق والقوانين والأعراف.

وهنا يكمن الخطر الذي يفرض علينا التصدي له، والذي يحتم حسم هذا الصراع الأزلي عسكرياً، ووضع حد لهذا المخطط العابر للقارات الذي ألحق بالأنظمة العربية ضرراً كبيراً. ويبقى السؤال: كيف يقبل البعض على نفسه أن يلعب "دور الوسيط" لدى اللاعبين الكبار، من أجل منح ملالي طهران الذين لم ولن يرحموهم فرصة أخرى؟

في المأثور الشعبي ما يرمز إلى أنه وفي ثقافة القطيع يأكل الذئب التالية فـالتالية من الغنم، إلى أن يلتهم القطيع الذي صمت واكتفى بالمشاهدة بأكمله. ولا عزاء لمن تدثروا بالمكر، أو تواروا وراء الضعفاء، ولم يعرفوا مواطن قوتهم، بل ولم يجرؤوا حتى على مواساة بعضهم. لدرجة أن خوفهم منعهم من مواجهة الأمر بشجاعة، أو تدوين شهادة واحدة للتاريخ.

ومما تعلمناه من التاريخ أن الشعوب لا تُستثار، ولا يملك أحد الحق في تحويلها إلى عجينة يشكلها ويعبث بها كيف ومتى شاء. ومن تعمد أن يصنع من رموز المليشيات أوثاناً، ثم أعاد تشكيلها بإزاحة الزوائد التي لا تناسبه عنها لتصبح أصناماً تُعبد، فهذا شأنه. فالظالم هو من يوصل تلك الأصنام البشرية إلى رتبة القداسة. هو الذي ينفذ ولا يفكر. جُل حركاته استعراضية، موجهة، مقيدة، وفي الحدود المرسومة له. وليته يعلم أن تلك الأصنام هي من تتلف الأنظمة، وتدمر الدول، وتحول مواردها إلى موازنات حرب، في حين يشكو المواطن الفقر والفاقة.

لقد شهد العقد الأخير محاولات جمة لشرعنة المليشيات، قابلتها تحركات أكثر لتجزئة الشرعية ومحاولات أكثر لملشنتها. وقد أثر ذلك سلباً على الشرعية، وسلب الأمم المتحدة جزءاً كبيراً من مصداقيتها، وكشف حجم التلاعب بالقضية اليمنية، والاستهتار بأمن اليمن وحياة اليمنيين من جهة، وبأمن الجزيرة والخليج والمنطقة من جهة أخرى.

وهو الأمر الذي صب في صالح ملالي طهران وأذرعهم الذين حاولوا استخدام الشعوب المقهورة كورقة ضغط لانتزاع اعتراف عالمي، وتجاهلوا أن الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان ركيزة أساسية لقياس مدى كفاءة أي كيان سياسي. الأمر الذي يشير إلى أنهم بمن فيهم سلطات صنعاء التي أمعنت في الخراب داخل اليمن، وصدرت لغة العنف إلى دول المنطقة، كانت وما زالت ترسم نقطة نهايتها بيدها. ولن تجنبها المناورات السياسية دفع الثمن، الذي لا ينبغي أن يقل عن رحيلها وفتح ملفاتها محلياً ودولياً، خاصة وأن المجتمع اليمني والعربي والدولي يحتفظ بأرشيف حافل لمحاسبتها، وقد فتح ذلك الأرشيف.

وبينما تنتشر الجريمة وتجارة الحشيش والمخدرات داخل اليمن والجزيرة، نجد أن التلاعب الدولي بقضية اليمن قد بلغ مداه. والدليل على ذلك غض الطرف عن مصدر وكميات التسليح والمخدرات التي وصلت إلى ذراع إيران عبر الشريط الساحلي الذي منحته إياه اتفاقية ستوكهولم الغاشمة، والتي تُعد كافية لإثبات حجم التلاعب بالشرعية والشعب اليمني ومداه ونطاقه.

لقد أثبتت هذه الاتفاقية بالبراهين أن الغرض منها يتعدى الحدود اليمنية ليطال استقرار الخليج والمنطقة معاً، ويضع أمن الجزيرة العربية والمنطقة على كف عفريت، ويُكبّد جميع الأطراف خسائر فادحة بسبب أخطاء وبلاهات بغاة ومترفي جماعة رجعية متخلفة، تسبح بحمد ملالي طهران بكرة وعشياً. وتركز جهودها على إعادة إحياء حاضرها باستحضار ماضيها المُستمد من صفحات تاريخها السلالي المُزيف، الذي يعج بالخرافات والترهات المشحونة حقداً وكراهية وتحاملاً على الجميع.

المنطق السياسي والعسكري يقول إن على سلطات صنعاء أن تدفع ثمن جنايتها على الشعب اليمني. وهي تعلم أن تكتيك التسويف والمماطلة الذي سلكته، ولا تزال، هو في الحقيقة نتاج عقائدي وعُقدي انتهجته منذ قرون، له روابط ومصالح مع الأطماع الفارسية. ويعكس الفكر المتوارث الذي يمزج بين الصراع الفكري والتقاليد التي يسعون لفرضها.

ومن العار علينا كعرب أن نفتح المجال أمامهم لكتابة تاريخنا بالطريقة التي يرونها، فنحن أكبر من خزعبلاتهم، ومن المشروع الصفوي الهدام. الحق في صفنا، ولا عز إلا للحق، ولا قيمة إلا لحياة الحرية والعزة والكرامة.

الأحداث تتسارع بشكل لافت، والنهايات التي أصبحت شبه وشيكة كثيرة، وواضحة وضوح الشمس في كبد السماء. وكل من لعب دوراً في تنفيذ أجندة الملالي سوف يدفع الثمن، مهما قدم من قرابين أو تنازلات. فهناك حرب ضروس يجب أن تُحسم، ووطن منهك يجب أن ينتصر العالم لقضاياه، وأن يمنح أبناءه فرصة لتصحيح المسار. ومن ورائه تقف جزيرة عربية مسها من الضرر الشيء الكثير، ويجب أن تتخلص من الأطماع الفارسية التي تتدثر بثوب ديني تارة، وبأثواب أخرى مزيفة تارات.

إن التحرر من قيود التبعية لنظام الملالي هو الذي سيخفف الضغط عن جميع الأطراف، ويؤسس لمرحلة تعافٍ في العلاقات الشرق أوسطية - الأمريكية، والشرق أوسطية - الأوروبية، ويكون مدخلاً لتصحيح المسارات الأممية والدولية المغلوطة في المنطقة، وبما يكفل الشروع في إقامة شراكات حقيقية مبنية على أُسس وقواعد صحيحة وسليمة.

من هُنا نجد بأن التعجيل بإعطاء الضوء الأخضر للقوات المرابطة على مختلف الجبهات مطلب شعبي يزداد أهمية أكثر من أي وقت مضى، وذلك للحد من الكُلفة التي دفعتها، ولا تزال تدفعها جميع الأطراف الداخلة في صراع تغيرت أبعاده وتعددت مساراته منذ الهدنة الظالمة التي لم تخدم سوى ملالي طهران، ومن ثم سلطات صنعاء.

ولهذا فإن الخيار الأمثل هو إيقاف محاولاتها المتكررة لغرز نفسها في رمال صحراء جزيرة العرب، أملاً منها في التحول إلى ورقة ضغط أكثر فعالية، وإنهاء دورها الوظيفي في أقرب فرصة. وإقفال الباب أمام أية وساطات دولية.

فكلنا نعلم أنه لو أراد اللاعبون الكبار الانتصار للشرعية اليمنية لتحقق لهم ما أرادوا بطرفة عين. ولكنهم تعمدوا إغراق المنطقة في فوضى طويلة المدى، وحولوا أذرع إيران إلى قنابل موقوتة مُعدة للانفجار في أي لحظة. وتكمن الخطورة في أنها تحمل نفس الفكر الضال، والتوجه، والخلفية الدينية، والتعصب المذهبي، والإرث الديني، ونوعية التسليح. والأنكى من كل ذلك عدم وجود روابط وثيقة بينها وبين اليمن واليمنيين من جهة، وبينها وبين دول المنطقة والعالم من جهة أخرى.

لقد علمتنا الخطوب الكثيرة التي مررنا بها أن الحل السياسي في اليمن كان وما زال أفشل الحلول وأكثرها كلفة. والأكثر فشلاً التكتيكات الفاشلة التي ابتكرها مبعوثو الأمم المتحدة، والذين تعمدوا فيها حشر اليمن ودول الجزيرة والخليج في الزاوية. كما تعلمنا بأن هذه التكتيكات لن تحقق أهدافها في رفع سقف ملالي طهران وأذرعهم التفاوضي على حساب المنطقة بعد اليوم.

فما من يوم يمر إلا وازددنا فيه يقيناً بأن السلام مع كيان طائفي هزيمة أخلاقية أكثر منها سياسية أو عسكرية، وإهدار لمصداقية اليمن كدولة، فضلاً عما يمثله من إهدار لأنظمة المنطقة بأسرها، بل وللعقل والمنطق السياسي والعسكري.

ومهما دارت الدوائر وتعددت الحسابات، وطال المنظومة السياسية من عبث، وأياً كانت محاولات تمزيق النسيج الاجتماعي اليمني، والتكالب على الجمهورية اليمنية، إلا أن المتغيرات ستعيد توجيه البوصلة نحو استعادة الدولة، وإقامة نظام مبني على الحرية والمساواة والتعددية، لا على أسس رجعية متخلفة ومذهبية. فلا صوت يعلو فوق صوت الحق، ولا مفر من دعم الدولة الاتحادية بكافة السُبل، فهي الخيار الوحيد والحل الأنجع لكافة مشاكل اليمن، بإعتبارها أهم ما توافقت وتعاهدت عليه المكونات السياسية. فيمننا أكبر من المشاريع المذهبية الهدامة، ودورها في حفظ المنظومة الأمنية والاقتصادية للمنطقة أكبر من أن نختصره أو نوجزه.

لطالما أخطأ المجتمع الدولي في عدم تعاطيه مع ملف اليمن كقضية واحدة، وتعمد تجزئتها، وعرقلة معركة التحرر من مخططات ذراع إيران العابثة بأمن اليمن، وتمزيق نسيجه الاجتماعي، وتصدير العنف إلى دول المنطقة بشكل استفزازي، إلى درجة أنه لم يسجل التاريخ اليمني نزاعاً أكثر تناقضاً وتبايناً من هذا. فطالما انتشلت الأمم المتحدة ومجلس الأمن سلطات صنعاء الفاشلة، وقدموا لها أنواع الدعم، مع أنها خارجة عن القانون ولا تعبر عن اليمنيين بأي شكل من الأشكال، الأمر الذي انعكس سلباً على اليمنيين، وأدى إلى تأجيل استعادة مؤسسات الدولة أكثر من مرة، وضاعف من عمليات الترهيب التي مُورست ولا تزال تُمارس على المواطنين، وعلى دول الجوار من قبل جماعة لا تقتات إلا من خلال الأزمات التي تتعمد خلقها بين فينة وأخرى.

الخلاصة:

هناك حرب يجب أن تُحسم؛ ومليشيات يجب أن تدفع ثمن إمعانها في إذلال المواطنين في شمال الوطن وجنوبه، ونشر الرعب في أوساط الناس. ومن ثم يمكن الشروع في تنفيذ مشروع اليمن الاتحادي على أرض الواقع. ويكفي تدميراً للقيم الأخلاقية، ولأبجديات العمل السياسي المتعارف عليها. ولتوقف متلازمة الاحتكار والاحتقار. وعلى أولئك الذين أمتهنوا الخلق أن يتوقفوا عن توزيع صكوك الولاء. فالوطن وطننا، والجزيرة العربية امتدادنا، ومصيرنا أعمق من أن يختزل بهذه البساطة، أو أن تتحكم به سلطات غير مرحب بها، وهي تعلم بأن المجتمع الدولي الذي ساعدها كثيراً قد وضعها بين فكي كماشة داخلية وخارجية، بعد أن تيقن بأن الخلاص منها مطلب شعبي، علاوة على كونه مطلباً إقليمياً ودولياً. ولهذا رُفع عنها الغطاء الذي وُفر لها في السابق.

فالضرورات ستزيحها كما أزاحت غيرها، والأمر قد حُسم بتوافق ورضا وإجماع محلي ودولي. وأية حسابات سياسية جانبية بهذا الشأن لن يكون لها محل من الإعراب. فالمنطق السياسي الحديث يشير إلى أن لا مكان للحركات العنصرية التي تسعى إلى تدمير القيم الدينية والهوية اليمنية والعربية، وتقدم الإنسان قرباناً للتعصب الديني أو المذهبي. وعلى من يرفض ذلك تحمل تبعات مواقفه، ودفع ثمن تصلبه وتعنته. وما نراه اليوم من متغيرات ليس إلا بداية النهاية..

* (المصدر أونلاين)

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

سمير عطا الله

2026-05-07 03:41:24

من ديار السعادة

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد