كلما شعرنا أن هناك تقدماً جاداً نحو توحيد التشكيلات المسلحة تحت مظلة الدولة، واستبشرنا خيراً بأن مرحلة الانقسام العسكري تقترب من نهايتها، يظهر عبدالرحمن المحرمي مترئساً اجتماعاً لقيادات تشكيلات عسكرية تحمل أعلاماً وشعارات انفصالية، وكأنه يتحرك داخل كيان مستقل بذاته، لا علاقة له بمجلس القيادة الرئاسي ولا بخطابه السياسي وتوجهاته المعلنة.
هذا السياق الذي يصرّ المحرمي على انتهاجه لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد استعراض للرموز؛ فهو، في أبعاده السياسية والعسكرية، يصب عملياً في مصلحة مليشيات الحوثي، لأن تكريس الانقسام داخل معسكر الشرعية وإدامة تعدد الجيوش والرايات ومراكز القرار يمنح المليشيات أهم ما تحتاج إليه: خصماً منقسماً على نفسه.
كما أن استمرار مثل هذه المشاهد يضع خطابات رئيس مجلس القيادة بشأن توحيد القوات، والجهود السعودية المبذولة في هذا الاتجاه، أمام اختبار حقيقي؛ فإما أن تتحول تلك التوجهات إلى واقع مؤسسي ملزم للجميع، أو يصبح التناقض بين الخطاب والمشهد الميداني مدخلاً للتشكيك في جدية المشروع برمته.
الأمر لا ينبغي أن يمر دون الوقوف أمام تداعياته ومخاطره. فالمشهد يقول، من جهة، إن رأس السلطة ما يزال يعيش انقساماً عميقاً في الرؤية والولاءات والمشروع، ويقول من جهة أخرى إن النفوذ الإماراتي ما يزال حاضراً بتفاصيل أدواته ومشروعه، وإن خفت ضجيجه في المرحلة الأخيرة.
أما رئيس مجلس القيادة رشاد العليمي، فإن مثل هذا المشهد يفترض أن يدفعه إلى استحضار دروس الماضي ومخاطر استمرار السلاح خارج إطار الدولة. فحين تبقى التشكيلات المسلحة بولاءاتها وراياتها ومشاريعها الخاصة أقوى من فكرة المؤسسة الواحدة، فإن الخطر لا يهدد مشروع استعادة الدولة فحسب، بل قد يرتد في لحظة ما على رأس السلطة ذاتها.
وما جرى من محاولة اغتيال فاشلة لصاحب الفخامة ينبغي ألا تقرأ كواقعة انتهت، بل كتحذير من أن استمرار الانقسام المسلح وتعدد مراكز القوة يبقي احتمالات تكرارها قائمة مع انفجار الوضع مجددا وإن تغيرت الظروف والأدوات ..