في أوج الحرب على غزّة سافرتُ مع أسرتي إلى الأردن لزيارة أقارب لها. أفصحت، على فيس بوك، عن وجهني فتلقيت دعوات كثيرة. اخترت منها دعوة من طبيب أسنان أردني لم أكن أعرفه من قبل، ثم صار الدكتور زريقات صديقاً لي. في الطريق إلى ضيعته في جرش أوقفت السيارة أمام مشتل، قلتُ لصاحب المشتل، والشمس طافية في سماء أغسطس، أريد نبتة تصلح أن تكون على طاولة الطعام. سألني، وهو يقلب بصره في المشتل، عن بلدي. أجبته: من اليمن. قال معاتباً "أين الصواريخ؟ لماذا توقفتم؟" قلتُ "نحن نرتّب لشيء كبير". فرَد الرجل ظهره واتجه إلى الداخل، إلى غرفة الحراسة. سمعته يقول لرفيقه "الزلمة من اليمن، بيقول لك مرتبين لشيء كبير". عاد وأعطاني نبتة رائعة بسعر زهيد. وهو يودعني قال: أنا من القدس، ولكني جدي من اليمن.
وفي أبريل الماضي، ٢٠٢٥، دُعيت إلى معرض تونس الدولي للكتاب لتوقيع كتابي "على مقام الصبا". هناك، وأنا استقبل القراء، جاء كهل تونسي مع زوجته وحياني بعينين متلألئتين. لم يلبث أن قبل جبيني ثم قال "هذه قبلة لأهل اليمن، لأهل المدد". ما استطاع أن يحبس دمعته.
في الأيام الماضية كنت مع أسرتي في نابولي بإيطاليا. في مطعم صغير للبيتزا المحلية سمعت البائعة تتحدث إلى زبون باللهجة التونسية. عندما جاء الدور عليّ حدثتها بالعربية. سألتني عن بلدي، قلتُ اليمن. أضافت إلى ما طلبته قطعة بالمجان. قالت "أنتم أسياد العالم يا أهل اليمن". سمعتُ من خلفي صوتاً مغاربياً يقول لها "المرحوم صدام حسين قال إن أبطال العرب ثلاثة: اليمنيون، الجزائريون والتوانسة. نهرته المرأة. على أيش الجزائريين والتوانسة؟ كانت تقول له، اليمنيون حكموا العالم. تمنّت لي ولأسرتي طريق السلامة. سمعتها تقول إن أجدادها من اليمن.
تلك النشوة العربية حول الحوثيين، الذين سرقوا اسم اليمن، كنا نجدها مؤذية. الجماعة التي حازت شرفاً تاريخياً في مدن المسلمين هي ذاتها التي زرعت أكثر من 3 ملايين لغماً في قرى اليمنيين، صنعت لهم مأساة حجمها تسعة ملايين نازح ولاجئ، قتلت رئيسهم، وحبست خليفته، وقاتلت قبائل البلاد بأطفالها.
أعادت الجماعة الجهادية كتابة تاريخ اليمن، هندست عقيدة الناس إلى نسخة طائفية قاتلة، اختطفت أطفالهم وجعلت منهم قتلة ومقتولين، قسمت اليمنيين إلى مؤمنين بالولاية ومنافقين ثم ساقت قطعان المؤمنين لقتال المنافقين. اجتحات قرى ومدن اليمنيين وفجرت منازلهم تحت صرخات الله أكبر، لا رقم حتى الآن قادر على الإحاطة بالمأساة الحوثية، ولكن محافظة تعز كانت قد أعلنت عن 17 ألف معاق بعد بداية الحرب بعامين!
تتجلى الكارثة الحوثية، أكثر ما تتجلى، في الإبادة الثقافية. وهي هنا تأخذ شكلاً مركباً يبدأ من تقويض منظومة التعليم ولا ينتهي عند تأسيس تعليم بديل، طائفي، جهادي، غير وطني. لنأخذ هذه الصورة البانورامية غير النهائية عن الوباء، ننقلها من مصادر أممية ومحلية مختلفة: 2.4 مليون طفل في سن الدراسة خارج المدرسة، 8.5 مليون طفل في المدرسة من المحتمل أن يغادروها، 46% من خريجي الثانوية لا يلتحقون بالتعليم الجامعي، 32% من خريجات الثانوية العامة لا يلتحقن بأي تعليم، 40% من سكان المدن لا يجيدون القراءة، 60% من سكان الريف لا يعرفون الأبجدية، حوالي 27% من خريجي الثانوية العامة يمنحون شهائد مزورة، 60% من المعلمين لم يحصلوا على راتب منذ 10 سنوات، 20% من المعلمين غادروا المهنة واحترفوا أشغالاً يدوية، 3 آلاف مدرسة دمرتها الحرب، ربع أطفال البلاد يعولون أسرهم، و 32% من فتيات البلاد يتزوجن في سن المدرسة.
لا تزال الكارثة الحوثية، رغم كل هذا، في بدايتها. فلم يحالفها الحظ حتى الآن في فرض نفوذها على كل الجغرافيا بسبب من مقاومة شعبية واستبسال جماهيري غير مسبوق. تعلم الحوثية أنها فقيرة إلى المشروعية، ليس السياسية والحسب، بل كل أشكال المشروعية. تستعيض عن ذلك بالدأب على خلق شعبها الخاص عبر آلة تعليم وتثقيف معقدة ومستدامة. ثم، وهذا أقل خطراً، من خلال السلاح والعنف الشامل المنفلت.
تلك هي الصورة الحقيقية لجماعة قدمت نفسها، في الأعوام الأخيرة، بحسبانها مسيح فلسطين، والحارس الأخير لقيم النخوة والأخوة. الجماعة التي يراها أهل اليمن إرهابية حتى العظم، ويظنّها العربُ يسوعَ الفضيلة والنخوة.