;
د.عبدالله عبدالمجيد الزنداني
د.عبدالله عبدالمجيد الزنداني

اليمن بين سقوط صنعاء ومعركة استعادة الدولة قراءة في تحولات القوة، وتعدد الجيوش، وأزمة المشروع الوطني 226

2026-09-16 11:36:21

حين نريد أن نفهم ما يجري في اليمن اليوم، وما آلت إليه موازين القوة بعد أكثر من عقد من الحرب، فلا ينبغي أن نبدأ من المخا أو باب المندب أو مأرب، بل من السؤال الذي ما زال مفتاح الأزمة كلها:

shape3

كيف استطاعت جماعة الحوثي، وهي في الأصل حركة مسلحة محدودة خرجت من صعدة وخاضت ست حروب مع الدولة، أن تصل خلال سنوات قليلة إلى صنعاء، ثم تسيطر على مؤسسات الدولة والجيش والأمن، وتصبح القوة المهيمنة على معظم شمال اليمن؟

إن اختزال ما جرى في سبتمبر/أيلول 2014 في عبارة «الحوثيون اجتاحوا صنعاء» لا يفسر الحدث.

فالحوثيون لم يدخلوا العاصمة بعد معركة تقليدية هزموا فيها جيشًا يمنيًا موحدًا بكامل مؤسساته وقياداته.

بل دخلوا صنعاء في لحظة كانت فيها منظومة الدولة نفسها قد تعرضت للتفكيك والانقسام والصراع الداخلي، وكانت مراكز القوة اليمنية والإقليمية منشغلة بصراعاتها مع بعضها أكثر من انشغالها بالخطر الذي كان يتقدم من صعدة نحو العاصمة.

جيش كبير.. لكن القرار لم يكن واحدًا

كان اليمن يمتلك قبل سقوط صنعاء جيشًا كبيرًا وأجهزة أمنية متعددة وتسليحًا يفوق بدرجات ما كانت تمتلكه جماعة الحوثي.

لكن المشكلة لم تكن في عدد الجنود أو كمية السلاح.

كانت المشكلة في من يملك قرار هذه القوات؟ ولمن تدين بالولاء؟

فبعد أحداث 2011 وانقسام المؤسسة العسكرية، ثم عملية إعادة هيكلة القوات المسلحة، لم تختفِ الولاءات السابقة بمجرد صدور القرارات الجمهورية.

وظلت أجزاء مهمة من القوات المسلحة والأمن وشبكات النفوذ القبلي والسياسي مرتبطة بالرئيس السابق علي عبدالله صالح وعائلته ومراكز القوى التابعة لنظامه.

وفي المقابل كانت هناك قوات مرتبطة بالقيادة الجديدة، وأخرى بقوى سياسية وقبلية مختلفة.

وهكذا دخل اليمن المرحلة الانتقالية وهو يمتلك جيشًا كبيرًا على الورق، لكنه لم يعد يمتلك بالدرجة نفسها مركزًا موحدًا للقيادة والولاء والقرار.

وهذه كانت الثغرة الكبرى التي دخل منها الحوثيون.

التحالف الذي غيّر ميزان القوة المفارقة التاريخية أن الحوثيين والرئيس السابق علي عبدالله صالح كانوا قد خاضوا ست حروب ضد بعضهم.

لكن السياسة جمعت الخصمين السابقين.

فصالح كان يريد استعادة النفوذ والانتقام من القوى التي أخرجته من السلطة وأضعفت شبكة حكمه، والحوثيون كانوا يريدون الخروج من صعدة والوصول إلى مركز الدولة.

وهكذا التقت المصالح.

وتشير دراسات دولية متعددة إلى أن تقدم الحوثيين نحو صنعاء استفاد بصورة كبيرة من تعاون وحدات وشبكات عسكرية وأمنية ظلت مرتبطة بصالح.

وتذهب بعض التقديرات المنشورة إلى أن نسبة كبيرة من تشكيلات الجيش والشرطة والقوات شبه العسكرية أصبحت لاحقًا جزءًا من المعسكر الحوثي–الصالح.

وهنا يجب أن نميز بين أمرين:

القوة الحوثية العقائدية الأصلية، والقوة العسكرية الواسعة التي أصبحت تقاتل تحت مظلة التحالف الحوثي–الصالح.

فالذي دخل صنعاء وتمدد بعد ذلك لم يعد مجرد المقاتلين الذين خرجوا من جبال صعدة، بل أصبح مشروعًا مسلحًا يستفيد من ضباط ووحدات ومخازن سلاح ومؤسسات وخبرات وشبكات دولة تراكمت خلال عقود.

وهذا يفسر جانبًا مهمًا من السرعة التي تغير بها ميزان القوة.

وماذا عن القوى الإسلامية والقبلية؟

لكن هناك عاملًا آخر لا يمكن تجاهله.

فمرحلة ما بعد الربيع العربي شهدت صراعًا إقليميًا شديدًا حول الحركات الإسلامية، ولا سيما بعد التطورات التي شهدتها مصر عام 2013.

وفي اليمن كان التجمع اليمني للإصلاح يمثل إحدى أكبر القوى السياسية والاجتماعية بعد 2011، وكانت له علاقات واسعة مع قوى قبلية وعسكرية واجتماعية.

وفي الوقت نفسه كان الحوثيون يخوضون مواجهات مع قوى سلفية في دماج، ثم مع قبائل وقوى مرتبطة بالإصلاح في عمران ومناطق أخرى.

وهنا تلاقت مصالح أطراف مختلفة، لأسباب مختلفة، في إضعاف الإصلاح والقوى الإسلامية والقبلية المرتبطة به أو القريبة منه.

وتشير بعض الدراسات الغربية إلى أن الانقسام الخليجي في تلك المرحلة حول جماعة الإخوان المسلمين انعكس على الساحة اليمنية، وأن الصراع مع الإصلاح أصبح جزءًا من البيئة الإقليمية والمحلية التي استفاد منها الحوثيون في تقدمهم.

لكن الدقة تقتضي ألا نقفز من ذلك إلى القول إن هناك وثيقة مثبتة تؤكد وجود «قرار دولي موحد» بتسليم صنعاء للحوثيين.

الأقرب إلى ما تسمح به الأدلة المنشورة هو الحديث عن:

تلاقي مصالح وحسابات خاطئة لأطراف متعددة، اعتقد كل طرف منها أنه يستطيع الاستفادة من الحوثيين في إضعاف خصمه.

وهذا ربما كان أخطر من المؤامرة المنظمة؛ لأن الجميع أسهم، بقصد أو بغير قصد، في صناعة قوة خرجت لاحقًا عن حساباتهم.

عمران.. البوابة إلى صنعاء

مثّل سقوط عمران في يوليو/تموز 2014 محطة حاسمة.

لم تكن عمران مجرد محافظة في الطريق إلى العاصمة.

كانت تمثل ثقلًا قبليًا وعسكريًا وسياسيًا مهمًا، وكان اللواء 310 مدرع بقيادة اللواء حميد القشيبي أحد أبرز الموانع العسكرية أمام التقدم الحوثي.

ومع سقوط عمران ومقتل القشيبي تغيرت المعادلة.

أصبح الطريق إلى صنعاء أكثر انفتاحًا، وظهر بوضوح أن الحوثيين لم يعودوا مجرد حركة محلية محاصرة في صعدة.

والأهم أن سقوط عمران لم يؤد إلى تعبئة وطنية شاملة توقف التقدم، بل استمرت الخصومات والحسابات السياسية.

وهنا بدأ الخطأ الاستراتيجي يتحول إلى كارثة وطنية.

سبتمبر 2014.. حين سقطت العاصمة أسرع مما كان متوقعًا

وصل الحوثيون إلى صنعاء تحت عناوين احتجاجية مرتبطة برفع أسعار الوقود وتغيير الحكومة وتنفيذ مخرجات الحوار.

لكن التطورات الميدانية تجاوزت سريعًا تلك المطالب.

وفي 21 سبتمبر/أيلول 2014 سقطت صنعاء.

واللافت ليس سقوط العاصمة وحده، وإنما السهولة النسبية التي سقطت بها مؤسسات عسكرية وأمنية كان يفترض أن تجعل السيطرة على مدينة بهذا الحجم عملية شديدة الكلفة.

لم تقع معركة وطنية شاملة بين الحوثيين والقوات المسلحة اليمنية.

ولم تتحرك جميع وحدات الدولة باعتبار أن العاصمة تتعرض للسيطرة من جماعة مسلحة.

بل انهارت مواقع، ووقفت وحدات على الحياد، وتعاونت شبكات أخرى، بينما قاتلت وحدات محدودة.

وهكذا ظهر للمرة الأولى درس سيظل يتكرر في الحرب اليمنية:

ليس ضروريًا أن تهزم جيش خصمك كله إذا استطعت أن تعطل قراره وتفكك قيادته وتمنع أجزاءه من القتال.

من كان يستخدم من؟

ربما كان هذا هو السؤال الذي أخطأ كثيرون في الإجابة عنه عام 2014.

فبعض القوى اعتقدت أن الحوثيين يمكن استخدامهم لضرب خصوم سياسيين.

وصالح اعتقد أنه يستطيع استخدامهم للعودة إلى مركز القوة والانتقام ممن أخرجوه من السلطة.

وبعض القوى الإقليمية لم تكن ترى في إضعاف الإصلاح والقوى الإسلامية أمرًا سيئًا.

والحوثيون بدورهم كانوا يستفيدون من الجميع.

لكنهم كانوا يحملون مشروعهم الخاص.

ولذلك لم يتوقفوا بعد إضعاف الإصلاح.

ولم يعيدوا الدولة إلى صالح.

ولم يكتفوا بتعديل التوازن السياسي.

بل انتقلوا من المشاركة في الصراع على الدولة إلى السيطرة على الدولة نفسها.

وهنا يمكن تلخيص واحدة من أكبر أخطاء تلك المرحلة في عبارة واحدة:

الحوثيون استخدموا التحالف الذي كان الآخرون يعتقدون أنهم يستخدمونهم فيه.

الخطأ الذي دفع الجميع ثمنه

بعد السيطرة على صنعاء بدأ الحوثيون في التوسع داخل مؤسسات الدولة، ثم وضعوا الرئيس عبدربه منصور هادي تحت الإقامة الجبرية، وحلوا البرلمان وأصدروا ما سموه «الإعلان الدستوري»، ثم اندفعت قوات الحوثي–صالح جنوبًا.

وعندها أصبح واضحًا أن المسألة لم تعد تصفية حسابات مع حزب أو قبيلة أو قائد عسكري.

أصبح اليمن كله أمام مشروع جديد للسلطة.

وبدأت القوى التي سكت بعضها عن تقدم الحوثيين أو اعتقدت أنها تستطيع الاستفادة منهم تدرك أن الجماعة تجاوزت الحدود التي تصورها الآخرون لدورها.

ووصلت القوات المتحالفة إلى أبواب عدن.

وهناك بدأت مرحلة أخرى تمامًا من الحرب اليمنية.

الدرس الأول

قبل أن نسأل اليوم:

لماذا يمتلك الحوثيون الصواريخ والطائرات المسيّرة؟

وكيف وصلوا إلى البحر الأحمر وباب المندب؟

ولماذا لم تستطع كل القوى المناوئة لهم إنهاء انقلابهم؟

يجب أن نتذكر كيف بدأت القصة.

الحوثيون لم يصبحوا أقوياء أولًا ثم سقطت الدولة أمامهم؛ بل سقط جزء كبير من منظومة الدولة وانقسمت، فاستطاع الحوثيون أن يصبحوا أقوياء.

وهذا الفارق مهم جدًا.

لأنه يعني أن أصل المشكلة اليمنية لم يكن يومًا نقص الرجال أو السلاح.

بل كان:

انقسام القرار، وتعدد الولاءات، وتقديم الصراع بين الشركاء على الخطر الذي كان يهدد الدولة نفسها.

والسؤال الذي نختم به هذه الحلقة هو:

هل كان سقوط صنعاء في 2014 انتصارًا عسكريًا للحوثيين، أم كان قبل ذلك هزيمة سياسية ومؤسسية للدولة اليمنية من الداخل؟

والأهم:

هل تعلم اليمنيون من ذلك الدرس، أم أننا سنرى السيناريو نفسه يتكرر بعد اثني عشر عامًا بصورة جديدة؟

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

سمير عطا الله

2026-05-07 03:41:24

من ديار السعادة

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد