الحديدة والمخاء: لماذا كانت الإنسانية حاضرة هنا وغائبة هناك؟
قلناها مرارا وتكرارا إن الشرعية بتركيبتها الحالية، وأن السعودية بطريقة إدارتها الحالية، واعتبار اليمن مجرد ملف أمني أو ورقة في صراع إقليمي لن يؤدي إلى استعادة الشرعية، وإن إقصاء الدولة اليمنية وإضعاف مؤسساتها سيترك فراغا لن يملأه إلا خصومها..
وقلنا أيضا إن الخطأ الأكبر هو أن تبني الشرعية والسعودية حساباتهما على افتراض أن الولايات المتحدة تتعامل مع اليمن من منطلق الصداقة والعداء..
واشنطن لا تفعل ذلك. فهي تقرأ مصالحها، لا عواطفها.والدليل الأوضح الحديدة والمخا ذلك السؤال الذي لا يريد أحد طرحه. عندما تقدمت القوات المناهضة للحوثيين باتجاه الحديدة، كان المشهد العسكري يتغير بسرعة، وبدا أن الحوثيين أمام احتمال خسارة واحدة من أهم أوراقهم الاستراتيجية..
تحركت الولايات المتحدة وبريطانيا بقوة سياسية، وارتفعت التحذيرات من الكارثة الإنسانية، ودخلت الأمم المتحدة بثقلها، وأصبحت الحديدة عنوانا عالميا للأزمة الإنسانية..ثم جاءت اتفاقية ستوكهولم لتوقف العمليات العسكرية في المدينة وتجمد الجبهة في لحظة كانت فيها القوات المناهضة للحوثيين تضغط عسكريا..
ونحن لا نعترض هنا على حماية المدنيين، ولا على المبدأ الإنساني في ذاته. لكن السؤال: لماذا أصبحت حياة المدنيين وضرورة وقف الحرب أولوية دولية عندما كان الحوثي مهددا في الحديدة وأصبحت حياتهم لا قيمة لها حينما اجتاح الحوثي الوازعية والمخا. هل تختلف قيمة الإنسان اليمني باختلاف موقعه على الخريطة؟.
هذه ليست مجرد واقعة عسكرية. هذه إشارة سياسية يجب على القيادة اليمنية والسعودية أن تقرآها جيدا. فقد جاءت الرسالة الأميركية الأكثر وضوحا على لسان الرئيس الأميركي دونالد ترامب متحدثا عن اتصالات الحوثيين، وأنهم أبلغوه بأنهم لن يستهدفوا المصالح الأميركية، وأن مشكلتهم مع السعودية..
السعودية وعلى وجه السرعة مطالبة بمراجعة طريقة إدارة الملف اليمني ومطلوب منها تغيير طريقة التعاطي معه. عليها أن تجلس مع اليمنيين، وتدعم مؤسسات الدولة، وتوحد القرار العسكري والأمني، وأن تمنع تعدد مراكز النفوذ، وتعطي الحكومة اليمنية القدرة الحقيقية على ممارسة سلطتها داخل البلاد..
إلى مجلس القيادة
كيف تريدون إقناع الجندي والمواطن بأنكم قيادة وطنية وأنتم لا تشاركونه مخاطر الحياة داخل الوطن. المنصب العام ليس إقامة سياسية دائمة خارج البلاد. من أراد أن يحمي الجمهورية، فليكن حيث توجد الجمهورية. ومن أراد أن يمثل الشعب، فليتحمل مخاطر الوقوف إلى جانب الشعب..