نخوض منذ اثنين وعشرين عاماً مواجهةً وجودية لا تحتمل المساومة على معناها ولا على هوية طرفها الآخر. دُفعت فيها الأرواح والأموال، وسالت فيها الدماء دفاعاً عن الدين والعقيدة والوطن والجمهورية.
وفي جوهر هذه المواجهة تقف مليشيات الحوثي الإرهابية، لا بوصفها تعبيراً طبيعياً عن المجتمع اليمني أو امتداداً لأحزابه ومكوناته، بل كمشروع مسلح حمل معه الطائفية والسلالية، وارتهن لنفوذ إيراني أعاد إنتاج صراعات وهوويات غريبة عن فكرة الدولة والجمهورية.
لقد واجهنا هذه الجماعة بالسلاح، كما واجهناها بالفكر والموقف والهوية. ورفضنا، منذ البدايات، كل محاولة لتخفيف حقيقتها عبر المصطلحات أو منحها غطاءً سياسياً يساوي بينها وبين القوى الوطنية والمدنية.
فالتوصيف هنا ليس ترفاً لغوياً. حين توصف مليشيا مسلحة بأنها «مكون مجتمعي» أو «طرف سياسي» على نحو يطمس طبيعتها العسكرية والانقلابية، فإن الأمر يتجاوز الرأي إلى إعادة تشكيل الوعي العام، وطمس الفارق بين الدولة ومن حمل السلاح لإسقاطها.
ولهذا فإن أي توصيف من هذا النوع، أياً كان مصدره، يظل محل رفض ومساءلة، خصوصاً إذا ورد في وثيقة رسمية صادرة باسم الجمهورية اليمنية. فالدولة لا يجوز أن تتحدث بلغتين: لغة في الجبهات تصف خصمها بأنه مليشيا مسلحة، ولغة في الوثائق تعيد تقديمه كحالة سياسية طبيعية.
كل هذه التضحيات لم تُقدَّم ليأتي بعد سنوات من الدم من يعيد فتح أبواب الشرعنة للمليشيا من نافذة المصطلح. والذين راهنوا على إعادة تدوير الجماعة سياسياً تحت عناوين التسوية وخارطة الطريق اصطدموا، مرة بعد أخرى، بحقيقة أن السلاح الذي لم يخضع للدولة يعيد إنتاج الحرب كلما سنحت له الفرصة.
والمساءلة، في نهاية المطاف، يجب أن تكون واحدة على الجميع. لا أحد فوق القانون، ولا ينبغي أن تُمنح حصانة سياسية أو وظيفية لمن يسيء إلى ثوابت الدولة أو يبرر مشروعاً مسلحاً ينازعها سيادتها.
وهنا تبقى للقضاء العسكري مكانته في الذاكرة الوطنية، بما مثله من مواجهة قانونية مبكرة مع هذا المشروع، والتحية لكل من حمل مسؤولية الدفاع عن الجمهورية من داخل مؤسسة القضاء، وفي مقدمتهم الشهيد اللواء الدكتور عبدالله الحاضري، المدعي العام العسكري السابق، وزملاؤه في القضاء العسكري، ومنهم القاضي عقيل تاج الدين، الذي ارتبط اسمه بأحكام قضائية مبكرة ضد قيادات الجماعة.
المعركة لم تكن يوماً على أرض فقط، بل على معنى الدولة نفسها: من يملك السلاح، ومن يملك الشرعية، ومن يملك حق تمثيل اليمن. ولهذا فإن حماية الجمهورية تبدأ أيضاً من حماية لغتها ومصطلحاتها من أن تتحول إلى بوابة لتطبيع الانقلاب