المحرر السياسي
المحرر السياسي
عدد المشاهدات : 7,642   
متى يتخلص الحاكم من مفردات الموت المؤجل

بات الاستفتاء على جنوب السودان مسألة أيام ، نخشى من أن يكون حدثاً مزلزلاً لدول المنطقة بانفصال الجنوب على الشمال..
هذا على الأقل ما تريده الدوائر "الأوروأميركية" وتعمل من أجله في غفلة من الأشقاء الذين تعنيهم وحدة السودان قبل السودانيين أنفسهم.. نشير هنا إلى جمهورية مصر العربية بالدرجة الأولى التي تأتي تحركاتها اليوم من أجل لملمة المبعثر في الوقت الضائع وبعد أن أنجز أعداء الأمة مهامهم على الأرض السودانية وإذا ما وصل الأمر إلى الانفصال فإن متواليته السيئة ستمتد إلى ما بعد السودان واليمن لن يكون بمنأى عنها وسيجد الكل نفسه أمام تداعيات لا يستطيع التعامل معها، باعتبار أن المخطط "الأوروأميركي" لا يستهدف بلداً بعينه قدر استهدافه للأمة كلها من خلال استهداف كل بلد على حدة لإحداث تحولات تخدم مصالح الأعداء في ظل واقع سياسي متلبد، يعجز من أن يحرك بيدقاً واحداً ناهيك عن حماية جغرافيا وطن.
من هنا لابد من القول أن على الشعبي العام أن يتعظ مما يجري في السودان من أحداث عاصفة وأن يسارع إلى لملمة أطراف الواقع قبل أن يحدث الاستفتاء في السودان ويفصل جنوبه عن شماله، وحينها فقط تصير أي محاولة مجرد إسقاط واجب، لا تقدم شيئاً يذكر، لأن المخطط يتدحرج مثل كرة ثلج على كل دول المنطقة واليمن في المقدمة.
وفق هذا المنحى فإن الشعبي العام يتحمل كامل المسؤولية الوطنية في أي إرهاصات تحاول إحداث شرخ في اللحمة الوطنية وتذهب إلى مستوى فصل الجنوب عن الشمال، سيما وأن الحراك الانفصالي في الجنوب والتمرد الحوثي في الشمال لا يقلان في أبعادهما عن الحركة الشعبية في جنوب السودان ودار فور في الشمال، وكل له مخرجاته لمصلحة انفصالية بحيث يتساوى خطأ الحزب الوطني في تقاطعه مع المعارضة السودانية، كما هو الشعبي العام في تقاطعه مع أحزاب المشترك للوصول إلى مفترق طرق على مستوى الخارطة اليمنية.
إذاً فنحن أمام رؤية واضحة لأحداث سبقتنا لدى الآخرين ، السودان أنموذجاً ، ولو أن ثمة اتفاقاً ووفاقاً بين الحزب الحاكم في السودان والمعارضة لما كان النتيجة هي خيبة الأمل التي تعيشها السودان اليوم.
إذاً فإن لدينا تجربة واضحة تشبه في تضاريسها إلى حد كبير الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية في اليمن، ولعل المعني الأول هنا هو الشعبي العام قبل أحزاب المشترك، في أن يجد مخرجاً حقيقياً لاصطفاف وطني يقف في مواجهات مخططات الأعداء الذين يعملون على تجزئة اليمن وخلق الفوضى.. وعلى الشعبي العام من هذا المنطلق أن يكون في مستوى الإدراك العميق لما يجري من حوله ، لأن الانفصال في السودان إذا ما تم قبل ائتلاف وطني يضم كل الفعاليات السياسية، فإن الأصابع التي تخربش في جسد الوطن بمنتهى الأنانية ورغبة التسلط ستتحول إلى أصابع دينميت، تحدث التصدع الكبير في البنيوية السياسية لتشل كل العلاقات المتداخلة والمترابطة وتصيبها بالتحول من المؤتلف إلى المختلف.
الشعبي العام إذاً معني ومعه المشترك بأن يسرع في فهم طبيعة الأحداث ويتجاوزها لخلق روح نضالية تتوحد بالهم الوطني قبل أي مكاسب ذاتية، مهما كانت هذه المكاسب والتي قد تتلاشى وتنتهي بمجرد انتقال العدوى الانفصالية من السودان إلى اليمن.
 على هذا الأساس ثمة ضرورة للحوار والالتقاء وتأجيل كل ما يفرق إلى ما بعد استفتاء السودان على الأقل، ولكي يثبت الشعبي العام صدقية التوجه في ذات الحدث الوطني والوحدوي الذي أراده الجنوب بقيادته السياسية قبل عام 1990م كوحدة اندماجية أجبر الشعبي العام على التعامل معها والدخول فيها، كما هي شهادة حق أطلقها الزعيم الوحدوي المناظل الرئيس/ علي عبدالله صالح ـ رئيس الجمهورية ـ الذي أكد بقوة في آخر خطاب له بأن الوحدة الاندماجية هي شأن جنوبي فرضها على الشمال وحتى لا يأتي تاريخ سياسي يبنى على هذه الشهادة الوطنية السابقة والقوية إدانة للشعبي العام بأنه يعمل على خلق مناخات خصومة لجر البلاد إلى مرحلة التشطير وانفصال الجنوب عن الشمال، باعتبار أنه أُقحم إجبارياً في الوحدة الاندماجية ، فإنه لابد من التأكيد على أهمية تجاوز هذا التحليل إلى خلق فعل سياسي قوي ينسجم مع الوحدة الوطنية ويدفع بها إلى التلاحم والتعاضد من خلال علاقة ثقة وتفاهم وشراكة وطنية مع أحزاب المشترك، سيما وأن شهادة الأخ الرئيس/ علي عبدالله صالح في اندفاع الجنوب بقيادته السياسية إلى الوحدة الاندماجية كخيار فرض على الشمال ـ تستدعي بالضرورة من الشعبي العام أن يكون معبراً بإخلاص لذات الفعل الوحدوي العظيم، ولكن بالأفعال لا بالأقوال من خلال الاعتراف بالآخر وإشراكه في مسيرة البناء الوطني وتقديم كامل الضمانات التي ترسخ مداميك الوحدة الوطنية وتصمد في وجه العاتيات وكل قوى الظلام.. فهل يبادر الشعبي العام إلى هكذا واجب؟.. الأيام القليلة القادمة تجيب على ذلك باعتبار أن وتيرة الأحداث متسارعة وتجبر الفعاليات السياسية على منطوق الحكم.. اتفاق لوحدة وطنية أم اختلاف للتجزئة ، وما بعد التجزئة.
ومن نافلة القول هنا.. إن على الشعبي العام التخلص من مفردات الموت المؤجل والكتابة الإدانية وحلقات التكرار الممل لذات الخطاب الإعلامي العقيم الذي لم يعد مستساغاً حتى لدى كوادر الشعبي العام أنفسهم وهم يسأمون التكرار في التعابير السياسية التي تروج للغلط وتشيع ثقافة الكراهية والإقصاء وتتهم فقط بانفعالية شديدة لا تليق بحزب كبير كالشعبي العام أن يقع فيها وهو معني أن يكون صاحب مبادرة، وليس اجتراراً وتكراراً لأزمات خلت وكأننا أمام إرهاصات ما قبل حرب صيف 94.
على الشعبي العام ونحن هنا جادين مخلصين في قولنا له أن يكون متطلعاً إلى الأمام، باحثاً عن حلول ولن يكون كذلك إلا من خلال الاعتراف بالآخر وحقه في أن يعبر عن قناعته وبالتالي تجاوز أي احتقانات سياسية إلى حالة صفاء ذهني، يدرك من خلالها أهمية أن يكون الكل شركاء وطن، فإذا كان ثمة استدعاء لتاريخ الإرهاصات لما قبل حرب 94م فإن هذا الاستدعاء كمن يتقيأ تماماً، ذلك لأن الأمس غير اليوم.
في الأمس كانت التحالفات والتوجهات أخرى تماماً، أما اليوم فإن الذين كانوا فرقاء هم شركاء بإخلاص شديد في مواجهة الأضرار المترتبة على حرب صيف 1994م وتشييد عمق الهوية الوطنية بفاعلية ماهرة ومجربة.. ربما لم تسعف الشعبي العام ذاكرته التاريخية والمفارقات في ذات المسار تبقى عند ذات الخطاب القديم الجديد، وتلك أزمة البقاء فيها يعني تأزيم الوطن بأسره.
على هذا الأساس لابد من فهم المتغير بين الأمس واليوم وبناء رؤية جديدة تستوعب أيضاً ما يدور على مستوى دول المنطقة واستحضار التجربة السودانية بكل نوازعها ومسمياتها الذاتية والموضوعية وإحضارها كتجربة لابد من فهمها للتقارب مع الراهن اليمني لمعرفة أين يقف الوطن وإلى أين يسير وماهي ممكنات الانفصال كما هي ممكنات البقاء في الوحدة الاندماجية التي فرضها الحزب الاشتراكي في الجنوب كخيار على الشمال تتحول المسؤولية تحديداً من الحزب الاشتراكي إلى الشعبي العام الذي لابد أن يدرك مقدار التحول العظيم وكيف يدافع عنه بذات الروح التي فرضت الوحدة الاندماجية؟؟.
وهنا فقط لابد للشعبي العام أن يقدم سؤاله الامستوملوجي الكبير وهو أين تكون الخيارات الصحيحة، إن لم تكن على الذين شهد لهم الأخ الرئيس القائد المناضل/ علي عبدالله صالح ـ بأنهم من فرض الوحدة الاندماجية؟.. فهل يعقل لهؤلاء الذين فرضوها أن يكونوا انفصاليين؟، الأمر لا يخلو من الدهشة وتجاوز المدهش إلى الواقعي أن يبقى السؤال مفتوحاً لمن يمد الشعبي العام يده؟ هل لمن كانوا اندماجيين تقدميين أم للقوى الرجعية الانفصالية.. سؤال محددات الإجابة عليه في جراب الشعبي العام وخطواته القادمة سلباً أم إيجاباً؟.