المحرر السياسي
المحرر السياسي
عدد المشاهدات : 11,425   
الحوثي بين انتخابات 2006 وفبراير 2012

يحز في النفس أن نجد جماعة الحوثي على غير ما كان المتوقع منها، وأنها اتخذت موقفاً سلبياً من الثورة التي تمنينا لو أنها التحقت بها وعبرت عن وجودها وتواجدها بانحيازها إلى الثورة وفعل التغيير على الأقل باعتبارهم أصحاب قضية ومظلومية طالما نادوا برفعها عنهم وتعاطفت معهم التعددية السياسية والحزبية بما يعني أن الثورة، مثلت لهم فرصة سانحة، عليهم أن يغتنموها، وأن يراهنوا عليها لتجاوز ما لحق بهم من أذى وجور كما يذهبون إليه في خطابهم السياسي والإعلامي، غير أن الأمر للأسف الشديد لم يكن كذلك، فقد وضعت الحوثية نفسها بما لم نكن نرجوه لها وبما لا يليق بها على الأقل من باب الحصافة السياسية، ودعت إلى مقاطعة الانتخابات الرئاسية التوافقية في 21 فبراير القريب جداً، في الوقت الذي اشتغلت على الانتخابات الرئاسية في 2006، وكانت محافظة صعدة الأولى في نسبة المشاركة والتصويت لعلي عبدالله صالح بحشد وتأييد ومشاركة وتفاعل من الحوثية.
وهنا فقط تبرز التساؤلات التالية: لماذا الموقف الحوثي من الانتخابات في 21 فبراير يتخذ جانب المقاطعة؟ ولماذا رفض التغيير وهو العملية الأهم في مجرى الفعل الثوري؟ وما الذي أراده الحوثيون من وراء ذلك؟ وأين تطلعاتهم في عمليتي البناء والتنمية والانحياز للمستقبل كما قدموا أنفسهم؟.
تساؤلات مبعثها رغبتنا في أن يتجاوز الحوثيون هذه المفارقة التي قد تضعهم حقيقة كمشروع طائفي وبلا قضية سياسية أو مظلمة، وإلا لماذا الانحياز لما هو سلبي ورفض الانتخابات الرئاسية التوافقية المجمع عليها في شخص عبد ربه منصور هادي ،في المقابل كان التفاعل الحيوي قد بلغ مداه في انتخابات 2006؟..
الواقع أن ثمة قراءة أخرى يطرحها محللون سياسيون ربما لا نميل إليها، لكنها في المحصلة تؤدي إلى ذلك: وهي أن الحوثية بموقفها السلبي من الرئيس التوافقي يأتي على خلفية تعصب من أنه ليس (زيدي) المذهب وأنه من المحافظات الجنوبية، هذا الطرح المؤلم حقاً ينبغي للحوثية تجاوزه بتأكيد حضورها ومشاركتها في الانتخابات 21 فبراير حتى لا تقدم عن نفسها صورة غير سوية، وبالتالي ينظر إليها العالم كمشروع طائفي يتمترس في قضايا التعصب، وحينها لن تجد من يتعاطف معها كقضية في المستقبل إن لم تقع في دائرة الإدانة، وكان بمقدور الحوثية أن تفطن إلى هذه القضية وأن تنأى بنفسها من الاشتغال على الشيء ونقيضه، فهي مع الانتخابات في عام 2006 ومع علي عبد الله صالح وضد الإجماع الوطني على الرئيس التوافقي عبدربه منصور هادي..
البوصلة إذاً تتجه إلى منطقة أخرى يؤلمنا نحن أن تكون في المحصلة قد وضعت نفسها باتجاه أنها مشروع طائفي، أو أعطت مبرر تصنيفها في هذا السياق بموقفها السلبي من الثورة وذهابها إلى مؤازرة الحراك الجنوبي الانفصالي الرافض لمجريات العمل السياسي وللفعل الثوري، الذي أكد عليه المجتمع الدولي في مؤازرته للانتخابات التوافقية باستثناء طرفي الحراك والحوثية بما يمثلانه من مشروع لا ينسجم مع التحديات التي تواجه الوطن..
وهنا نقول: وإذا كانت أحزاب المشترك قد وقفت بقوة إبان الحروب الستة في صعدة مع الحوثية وانحازت لقضيتها ودافعت عنها وتبنتها في أجندة عملها السياسي وطرحت بقوة أن ثمة ظلماً وقع على الحوثية ينبغي رفعه، إذا كانت أحزاب المشترك اتخذت هذا الموقف التاريخي الذي الحق بها الأذى جراء تبنيها قضية وطنية، فإن الرد القاسي من ذات الجماعة لم يكن موفقاً على الإطلاق وهي تأخذ موقف الخصم من أحزاب المشترك وترفض الفعل الثوري وتشتغل خارج التوافق الوطني، الأمر الذي يجعلها تخسر أكثر في القادم من الأيام، حيث لن تجد هذا التعاطف ثانية معها من أحزاب المشترك، ولن تجد من يجرؤ على تبنيها قضية وطنية بعد أن كان الإجماع على أن تطرح في صلب العملية السياسية عقب انتخابات 21 فبراير مباشرة، ويبدو أن الحوثية التي ترى في المشترك اليوم هدفاً بالنسبة لها بتجاوزها له وتشكيكها في فعله الوطني، يفتح نافذة أخرى يطل منها مشروع طائفي، ربما يكون من غير السليم ومن غير الحصيف الاشتغال عليه..
الأولى والحال كذلك أن تتجاوز الحوثية هذه المعضلة وأن تتسق مع ما تطرحه عن نفسها كصاحبة مظلومية، وذلك بتغيير موقفها من الثورة وأن تدخل في العملية الانتخابية وتشارك بفاعلية فيها، وأن تعلن عن ذلك في السويعات القريبة وتؤكد انحيازها إلى العمل السياسي الرافض للعنف وحمل السلاح، وأن تفك الحصار عن الجماعة السلفية في دماج، وتتعامل معهم من رؤية وطنية تحرص على أحقيتهم في التعبير عن أنفسهم بالطريقة التي يرونها، فذلك بات أمراً يضع الجماعة الحوثية تحت المجهر ليس بالنسبة للقوى الوطنية في الداخل، وإنما على مستوى المجتمع الدولي الذي يرقب الموقف على أرض الواقع وليس من خلال ما يطلق من كلام في الهواء.
نقول ذلك لحرصنا الشديد على أن تكون الحوثية طرفاً سياسياً ماثلاً فيما بعد الانتخابات الرئاسية التوافقية وأن تكون القضية بالنسبة لها وطنية خير لها من أن ينظر لها كمشروع طائفي سواء بقصد منها أو بدون قصد، فمواقفها المتصلبة تؤدي إلى ذلك، وهو ما لا نرجوه باعتبار أن ثمة فرصة كبيرة ينبغي اهتبالها بالتخلي عن العنف والذهاب إلى المشاركة في الانتخابات وطرح القضية الحوثية في الحوار الوطني المزمع بعد الانتخابات واعتبارها قضية وطنية بامتياز تتفاعل معها جميع الأطراف.
الخيار إذاً سريع وحاسم ولا يقبل التردد أو التعامل بالموقف ونقيضه في قضية واحدة.. وهنا لابد من التأكيد أن المراجعة للمواقف ونقد الذات معرفياً وسياسياً ووطنياً أمر يستحق استحضاره بشدة فثمة مستقبل يرتاده الوطن نريد للحوثية أن تكون شريكاً فاعلاً فيه.