بدأ الانهيار اليمني الراهن مع تمرد الحوثيين وانقلابهم في 2014، لكن ما حدث لم يكن مجرد استيلاء على السلطة، بل لحظة كشفت هشاشة بنية الدولة والمجتمع معًا. سقوط صنعاء لم يُطِح بحكومة فحسب، بل أطاح بما تبقى من مركز وطني كان، رغم ضعفه، يمثل توازنًا رمزيًا بين الأطراف. ومع غياب هذا المركز، انطلقت ديناميكية جديدة أعادت تشكيل الخارطة السياسية والعسكرية، وفتحت المجال لظهور حروب بينية داخل كل معسكر، بما في ذلك المعسكر الذي يُفترض أنه يقاوم الانقلاب.
بعد الانقلاب، لم يعد المشهد صراع دولة مع تمرد، بل تمردًا مركزيًا يولّد تمردات أخرى في الأطراف. تفكك الجيش وفق ولاءات متعددة، وتوزعت المؤسسات بين سلطات أمر واقع متباعدة، فيما تمددت القوى المحلية المسلحة عبر الجغرافيا، فصار اليمن فضاءً لمشاريع متوازية أكثر مما هو مشروع وطني. يظهر هنا أن انقلاب الحوثي كان عامل تسريع لانفجار تناقضات تراكمت طويلًا، لا سببًا وحيدًا للانهيار.
المعسكر المناهض للحوثي قدّم مثالًا واضحًا للحروب البينية داخل الصف الواحد. ففي الساحل الغربي تتعايش ثلاثة مشاريع سياسية وعسكرية متنافسة رغم وحدة الشعار. وفي شبوة تحوّل الخلاف بين الشرعية والانتقالي إلى مواجهة مسلحة أعادت توزيع السيطرة. وفي تعز، التي يُفترض أنها جبهة موحدة، استنزفت التوترات الداخلية جزءًا كبيرًا من طاقة المواجهة. أما حضرموت، التي كانت مستقرة نسبيًا، فأصبحت تشهد تنازعًا متصاعدًا على الشرعية والموارد، مما يجعلها مرشحة لصراع موسع إن لم تُحتوَ التوترات.
هذه الحروب لا يمكن فهمها دون العودة إلى تاريخ طويل من الانقسامات اليمنية. فقد عرف اليمن الصراع بين أجنحة الإمامة، والانشقاقات الجمهورية بعد 1962، وحرب 1986 داخل الحزب في الجنوب، وكلها تعكس عجزًا مستمرًا عن تحويل اللحظات السياسية إلى عقد وطني دائم. اليمن عرف الثورات والانقلابات والتسويات، لكنه لم يعرف دولة متوافقًا عليها تستوعب التنوع داخل مؤسسات جامعة.
في هذا السياق، برز عامل آخر لا يقل تأثيرًا عن العوامل الداخلية، ويتمثل في استغلال القوى الإقليمية لهذه القابلية اليمنية للانقسام. مع غياب الدولة وتفكك المركز، تحولت الجغرافيا اليمنية – من المهرة وسقطرى إلى باب المندب وشبوة – إلى فضاء مفتوح لصراع النفوذ على السواحل والموانئ وخطوط الملاحة والموارد الطبيعية. القوى الإقليمية لم تتدخل فقط لدعم طرف ضد آخر، بل أعادت هندسة السيطرة على المناطق الساحلية، وبناء تشكيلات محلية تابعة، وتوجيه مسار الصراع بما يخدم أهدافها الاستراتيجية بعيدة المدى. وهكذا أصبح الانقسام الداخلي بوابة للتدخل، وأصبح التدخل مضاعفًا للانقسام، فتداخل المحلي مع الإقليمي في معادلة واحدة تُعيد تشكيل اليمن وفق مصالح تتجاوز حدوده.
على هذا الأساس، تبدو تجربة مجلس القيادة الرئاسي محاولة متأخرة لإعادة تكوين مركز سياسي جديد فوق أنقاض دولة متشظية. فالمجلس، من حيث الشكل، إطار لدمج القوى المناهضة للحوثي، لكنه، من حيث البنية، أعاد إنتاج الانقسام أكثر مما تجاوزه. كل عضو يمثل قوة مسلحة مستقلة تقريبًا، لها ارتباطاتها ومشاريعها. لم ينجح المجلس في تحويل تعدده إلى وحدة قرار، فتحوّل إلى مساحة تفاوض دائمة، لا قيادة تنفيذية تمتلك رؤية لبناء دولة بديلة.
الإخفاق الأكبر لم يكن تنظيميًا فقط، بل سياسيًا. لم يقدّم المجلس نموذج حكم أفضل في المناطق المحررة، فلم تُبنَ مؤسسات مستقرة، ولم تتحسن الخدمات، ولم تتشكل سردية وطنية جامعة. وهكذا فقد المعسكر الذي يرفع شعار “استعادة الدولة” جزءًا من رصيده، لأنه لم يقدم نموذجًا مصغّرًا لهذه الدولة في الواقع.
وراء كل ذلك تقف قابلية نفسية–اجتماعية عميقة للانقسام. تاريخ الكيانات المتجاورة رسّخ فكرة السلطة كملكية صغيرة، وجعل المواطن يميل إلى الثقة بدائرته الضيقة. وفي الأزمات تستيقظ الهويات الصغيرة، فيما تتراجع الهوية الوطنية. كما أن ثقافة الخوف من الهيمنة تجعل التحالفات هشّة، تقوم على الشك لا الثقة. ومع غياب خيال وطني قادر على رسم صورة مقنعة للدولة، يبقى الانتماء الوطني هشًا، وتُعاد إنتاج الهويات الصغيرة بوصفها ضمانة مؤقتة لا مشروعًا جامعًا.
الجغرافيا تضيف بعدًا آخر لهذه القابلية. تضاريس اليمن عززت استقلالية المناطق، وتفاوت الموارد جعل لكل منطقة “ما يكفيها” لتصور قدرتها على العيش منفصلة، فيما الموقع الاستراتيجي جعل اليمن ميدانًا مثاليًا للتنافس الإقليمي.
وفي قلب هذا المشهد يقف الشارع اليمني منهكًا، يبحث في زمن اللاحرب واللاسلم عن أبسط شروط البقاء: الرواتب، الأسعار، الأمن، الخدمات. تراجع الاهتمام بالسياسة يعكس إنهاكًا لا لامبالاة. ومعه ترتفع القابلية للتمسك بأي مشروع يَعِد بالخلاص، حتى وإن كان وهميًا.
النهاية أن اليمن ينهار من الداخل قبل الخارج، وأن الحديث عن “استعادة الدولة” يبقى بلا معنى ما لم يرتبط بإعادة تعريف الدولة ذاتها كمشروع جامع قادر على تحويل التنوع إلى قوة لا إلى لعنة.
* بران برس