يأتي هذا المقال بوصفه قراءة نقدية هادئة لما ورد في مقال الدكتور علي النعيمي @Dralnoaimi المعنون «الإمارات شريكة الاستقرار والازدهار»، ذلك المقال الذي حاول أن يُعيد تقديم الدور الإماراتي في الإقليم بوصفه نموذجًا للشراكة الأخلاقية والتنموية، متكئًا على لغةٍ بلاغية مشحونة، وعتبٍ موجّهٍ إلى المملكة العربية السعودية. غير أن هذا الطرح، على كثافة مفرداته الأخلاقية، يصطدم بواقع سياسي مغاير، وتجربة عملية تُناقض كثيرًا من استنتاجاته، ولا سيما في الساحة اليمنية.
ومن هنا، لا ينطلق هذا المقال من رغبةٍ في سجال شخصي، ولا من خطابٍ انفعالي، بل من محاولةٍ لتفكيك مفهوم «الشراكة» كما جرى توظيفه في ذلك الطرح، ومقارنته بما أنتجته الممارسة الفعلية على الأرض، وقراءة الفجوة الواسعة بين الخطاب الأخلاقي المُعلن والسلوك السياسي المُطبَّق، وما ترتب على تلك الفجوة من تداعياتٍ مست جوهر الاستقرار الإقليمي وأسس العلاقة بين الشركاء.
إن ما يُطرح اليوم من تنظير حول أخلاقيات الشراكة لا يتجاوز، في جوهره، كونه بناءً بلاغيًا منفصلًا عن الواقع. فالشراكة، حين تُختزل في اللغة والشعارات، تفقد معناها الحقيقي. وهي لا تُقاس بحدّة الخطاب ولا بكثرة الادعاء، بل بقدرتها على تحقيق الهدف المشترك، وبمدى احترامها لتوازن المصالح، وبحجم التزام أطرافها بعدم توظيف التضحيات لمصلحة طرفٍ واحد.
الشريك الذي يتقدّم الصفوف لا يُختبر بجرأة حضوره الإعلامي، بل بمدى التزامه بأخلاقيات الدور، ونُبل المقصد، وأمانة المسؤولية. وهذا، للأسف، ما لم تُظهره التجربة الإماراتية في اليمن، حيث تحوّلت الشراكة من فعلٍ جماعي ذي غاية مشتركة إلى سلوكٍ قائم على الاستئثار بالنتائج، والتفرّد بإدارة المشهد، وتفريغ مفهوم الشراكة من مضمونه الأخلاقي والسياسي.
فنُبل المقصد لا يبرّر إشعال النيران في أطراف ثوب الشريك، ولا يسمح بتقويض استقراره أو استهداف حلفائه. ومن أخلاقيات الشريك الكبير أن المملكة العربية السعودية منحت الإمارات وقتًا طويلًا للمراجعة الذاتية، وتحملت، بصبرٍ سياسي لافت، تبعات سياسات لم تكن يومًا جزءًا من رؤيتها أو أهدافها، رغم أن تلك السياسات بلغت حد استهداف حلفاء المملكة أنفسهم، دون أي اعتبار لمكانتها أو لتضحياتها في مسار التحالف.
وليس من باب المزايدة الأخلاقية الخوض في تقدير من جرى التحالف لنجدته، لكن كل السرديات الأخلاقية تسقط عمليًا حين يبلغ السلوك حد محاولة اغتيال الرئيس عبدربه منصور هادي، وهي اللحظة التي انكشف فيها، لأول مرة، سقوط الخطاب الأخلاقي أمام منطق القوة العارية؛ لحظة لم تُسقط فردًا أو منصبًا بقدر ما أسقطت الادعاء ذاته. ثم عادت الممارسة نفسها لتتجسّد في محاولة اغتيال رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، لا بوصفها تكرارًا عارضًا، بل باعتبارها علامة دالّة على تحوّل الانحراف إلى نسقٍ ثابت، يُعاد إنتاجه كلما تغيّرت الواجهات وبقي الجوهر واحدًا.
وفي الفلسفة السياسية، لا تُقاس الأخلاق بما يُقال عنها، بل بقدرتها على كبح القوة حين تتعارض مع القيم. وعندما تتحوّل القوة إلى أداةٍ لتصفية الشركاء بدل حمايتهم، يصبح الحديث عن الشراكة مجرّد استعارة لغوية بلا مضمون، ويغدو الخطاب الأخلاقي قناعًا يُخفي إرادة الهيمنة لا شراكة المصير. فالأخلاق، حين تُنتزع من سياق المسؤولية، لا تعود قيمة ناظمة للسلوك، بل تتحوّل إلى خطابٍ تبريري يُستدعى بعد الفعل لا قبله، ويُستخدم لتجميل النتائج لا لضبط الوسائل. وهنا تحديدًا تفقد الشراكة معناها الفلسفي، وتتحوّل من علاقة تقوم على التوازن والالتزام المتبادل، إلى علاقة قسرية يحكمها منطق الغلبة لا منطق القيم.
ولا يحق لمن لا يتخذ من الأخلاق منهجًا في السلوك، ولا يلتزم بأدبيات الشراكة وأمانة المسؤولية، أن يتصدّر للحديث عن فلسفة الشراكة أو أخلاقياتها. ففي مجمل السياسات الخارجية الإماراتية، تتراجع سرديات الأخلاق لصالح سرديات الهيمنة، وصناعة الفوضى، وإدارة الصراعات بالوكالة، لتتحوّل الشراكة من قيمة سياسية إلى أداة نفوذ.
وفي فضاء التواصل الاجتماعي، لم يعد الحكم حكرًا على التحليل السياسي أو الخطاب الرسمي، بل تحوّل الرأي العام إلى محكمة مفتوحة تُراجع سجلّ السياسات الإماراتية وما خلّفته من مآسٍ في ليبيا والسودان واليمن وسوريا. وحتى في مقاربتها للقضية الفلسطينية، جاءت السردية الأخلاقية عبر الاعتراف بإسرائيل وشيطنة المقاومة، باعتبار ذلك خيارًا أخلاقيًا خاصًا، يُعبّر عن فلسفة سياسية لا تحظى بإجماع عربي أو إنساني.
إن الإمارات اليوم، وقبل أي حديث عن دور أو شراكة، بحاجة إلى مراجعة جادة من نخبها الفكرية والسياسية لطبيعة سياساتها، وحدود أدوارها، ومآلات تدخلاتها. فالنجاح في الاستثمار والصناديق السيادية، مهما بلغ، يظل منقوص القيمة إن لم يُرافقه نجاح سياسي وأخلاقي، خاصة في العلاقات العربية–العربية، وفي بناء شراكات قائمة على الاحترام المتبادل لا على اختلال موازين القوة.
إن نخب الإمارات مدعوة اليوم إلى مصارحة شجاعة مع الحقيقة، لا إلى إعادة إنتاج الخطاب ذاته بصياغاتٍ أكثر لمعانًا. فالأخلاق لا تُستعار من القواميس، ولا تُلقَى من على المنصات، بل تُختبر في المواقف الصعبة، وتُقاس بميزان الأفعال لا بجمال الخطاب. ومن دون هذه المراجعة الصادقة، سيظل الحديث عن أخلاقيات الشراكة مجرّد تنظيرٍ معزول، يتآكل مع الزمن، بينما يتّسع الفارق بين ما يُقال باسم القيم، وما يُمارَس على أرض الواقع.