لهجات عراقية في مهبّ الاندثار: صرخة لإنقاذ تراث لغوي يتلاشى

2025-06-30 23:38:21 أخبار اليوم - متابعات

   

يواجه العراق تهديدًا حقيقيًا بحق تنوعه اللغوي، مع اقتراب مئات اللهجات المحلية من حافة الاندثار، رغم كونها ركيزة أساسية في الهوية الثقافية والاجتماعية والتاريخية للبلاد.

وفي ظل هذا التهديد المتصاعد، أطلق المركز الإستراتيجي لحقوق الإنسان، في الثامن من يونيو/حزيران الجاري، دعوة عاجلة لحماية نحو 500 لهجة محلية مهددة بالزوال، مشددًا على أن هذه اللهجات تشكّل موروثًا شعبيًا ثريًا يعكس التنوع الحضاري العميق للمجتمع العراقي.

ويشير خبراء التراث إلى أن خطر الاندثار يطال لهجات أصيلة، منها:

- المندائية: لهجة متأثرة بالآرامية، يتحدث بها أبناء الطائفة الصابئية في ميسان وذي قار وبغداد، وهي في طريقها إلى الزوال بسبب الهجرة وتراجع التوارث.

- السريانية الحديثة: لا تزال حية في بعض مناطق نينوى ودهوك، لكنها مهددة بسبب الحروب والنزوح الجماعي.

- الشبكية: تتأثر بالكردية والتركمانية، لكنها تفقد خصوصيتها نتيجة ضغط اللهجات السائدة بعد النزوح.

- الفيلية: لهجة كردية تعرضت للضعف جراء التهجير القسري للكرد الفيلية.

- الزنجبارية: نادرة جدًا وتكاد تختفي في جنوب العراق.

- اللهجات البدوية الأصلية: مثل شمر والدليم وعنزة، تتراجع أمام لهجات المدن بفعل التحضّر.

ويقدّر الخبير في الهيئة العامة للآثار والتراث، جنيد عامر، أن بين 6 إلى 8 لهجات تواجه خطر الزوال التام، في حين تضعف مئات أخرى تدريجيًا.

التعليم والإعلام.. جبهتان للحفاظ

يرى عامر أن إنقاذ هذه اللهجات لا يتم إلا بإدماجها في المناهج التعليمية بشكل غير إلزامي، وتقديمها ضمن الدراسات الثقافية، لتعزيز الفخر بالتعدد دون فرض لغوي. كما يشدّد على أهمية الأساليب التفاعلية، كالمسرح المدرسي، والقصص المصوّرة، والمحتوى البصري باللهجات المحلية.

وأكد على ضرورة تدريب الكوادر التعليمية لعرض هذه اللهجات باحترام، بعيدًا عن السخرية أو التمييز.

الحاجة إلى إرادة سياسية

وفي السياق ذاته، شدّد عامر على الدور الحاسم للحكومة، داعيًا إلى:

- اعتراف رسمي باللهجات باعتبارها جزءًا من التراث اللامادي.

- سن تشريعات تحمي المتحدثين من التمييز.

- إنشاء مراكز متخصصة لتوثيق وتسجيل هذه اللهجات علميًا.

- تخصيص موازنات مالية لدعم أنشطة التوثيق والحماية.

- تعزيز حضور اللهجات في الإعلام الرسمي لرفع الوعي العام.

لكن الواقع يشير إلى غياب دراسة حكومية شاملة، وفقًا لعامر، الذي أكد أن أغلب البيانات المتوفرة مصدرها جهود فردية أو منظمات ثقافية.

العولمة الرقمية وتحديات اللهجات

من جهته، حذّر الباحث في التراث العراقي قاسم بلشان التميمي من التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي على أصالة اللهجات العراقية، مشيرًا إلى انتشار اللهجات الهجينة التي تهدد نقاء التراث اللغوي.

واعتبر بلشان أن اللهجات العراقية ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي مرآة حقيقية لروح المجتمع وتاريخه الممتد لآلاف السنين، داعيًا إلى تنظيم مهرجانات وورش عمل لتعزيز الوعي بهذه الكنوز اللغوية.

مبادرات بحثية قبل فوات الأوان

الباحث في الأدب والتراث الشعبي، عادل حسوني العرداوي، دعا بدوره إلى تأسيس مراكز بحثية متخصصة تقوم بمسح ميداني للهجات المهددة، مؤكدًا أن الأرضية المجتمعية الداعمة لمثل هذه المشاريع ما تزال ضعيفة، بسبب قلة الوعي بأهمية اللهجات، سواء في المدن أو الريف.

إنقاذ ما تبقى

تبدو أزمة اللهجات العراقية المهددة بالاندثار جزءًا من معركة أكبر لحماية الهوية الثقافية الوطنية في ظل التحديات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة. ومع غياب سياسات رسمية شاملة، تبقى المبادرات الفردية والمؤسسية المتناثرة مجرد محاولات متناثرة تحتاج إلى رؤية وطنية متكاملة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تضيع الذاكرة اللغوية للشعب العراقي في صمت.

المصدر الجزيرة نت

              

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
بين الجوع والوعي.. كيف تُعاد صياغة المجتمع في مناطق سيطرة الحوثيين؟

في أحياء صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، لا يقتصر المشهد على تداعيات الحرب العسكرية، بل يتشكل بصمت واقع أكثر عمقاً وتعقيداً يعيد رسم ملامح المجتمع من الداخل، وفق شهادات أكاديمية مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد