يأس وحرمان ومحاولات انتحار: الحرب تلاحق الطلاب اليمنيين إلى غربتهم
2022-07-31 08:52:59 2022-07-31

  

الحديث عن معاناة الطلاب اليمنيين في الخارج ونقل حكاياتهم المأساوية وسوء إدارة وزارة التعليم العالي وفشل معالي الوزير تجاوز الإعلام والصحافة اليمنية وأصبح حديث واهتمام الصحافة والإعلام الخارجي

منصة درج التي يرأسها الصحافي ورئيس تحرير صحيفة الحياة الأسبق الاستاذ حازم أمين نشر تقريراً يحكي بعضاً من روايات مأساة التعليم العالي وطلاب اليمن في الخارج وكيف يتعامل وزير التعليم العالي مع حكاياتهم ومأساتهم التي لم تنته أو تجد لها بارقة أمل..

   

لم تقتصر معاناة الطلاب اليمنيين المستفيدين من منح حكومية، على تأخير المستحقات المالية لأشهر، بل أن القنصليات والبعثات الدبلوماسية اليمنية في الدول التي يتواجدون فيها، تفاقم من معاناتهم بدلاً من إيجاد الحلول.

في الخامس عشر من آذار/ مارس الماضي حاولت طالبة يمنية الانتحار بعد أن اضطرت لبيع كل أجهزتها إلكترونية لسداد إيجار الشقة التي تسكنها في العاصمة المصرية القاهرة، بعد تأخر مستحقاتها المالية لأكثر من عام.

“مر عام ومستحقاتنا لم نتسلمها، دائمًا ما نحصل على وعود من الحكومة والوزارة، بصرف المستحقات المتأخرة، لكنهم لم يفوا بوعودهم، بِعتُ كل أجهزتي التي جئت بها من اليمن بأقل من سعرها، الموبايل والكمبيوتر وحتى خاتم الذهب الذي أهدتني إياه أمي عند تفوقي في المدرسة، كل هذا لكي لا أجد نفسي مرميةً في الشارع بسبب تأخر دفع إيجار الشقة” تقول الطالبة، التي طلبت عدم ذكر اسمها، وتضيف:”بت لا أملك شيئاً، لم يكن أمامي سوى الانتحار بعد ان مررت بحالة نفسية شديدة، أثرت على تحصيلي العلمي في الجامعة، ولولا أن رفيقتي في الشقة لحقتني في اللحظة الأخيرة لما كنت على قيد الحياة الآن”.

تلك ليست القصة المأساوية الوحيدة للمتفوقين اليمنيين، ففي أواخر عام 2017 وبدلاً من كتابة رسالته العلمية التي سافر لأجل إتمامها، كانت رسالة الانتحار هي آخر ما خطّته يد الشاب اليمني هشام العامري، أحد طلاب اليمن الذين يدرسون في ألمانيا، بعد أن قرر إنهاء حياته باستنشاق غاز سام، إثر طرده من جامعةHTW berlin جراء تأخر دفع رسومه الدراسية لأشهر، فقد وُجد ميتًا في شقته وبجانبه رسالته، التي اعتذر فيها لأفراد أسرته على اتخاذه قرار الانتحار جرّاء الظروف المادية التي يمرّ بها، والتي أعاقتهُ عن مواصلة دراسته.

 

وعود يدحضها الواقع

ينتظر الطلاب اليمنيون في الخارج، الذين أرسلوا ضمن بعثات تغطي مصاريفها الدولة، أن تصرف الحكومة مستحقات الربع الثالث من العام الماضي 2021، مع العلم أننا في فترة استحقاق الربع الثاني من العام الحالي 2022، أي أنهم لم يتسلموا مستحقاتهم لأكثر من 13 شهرًا لأسباب لا يعرفونها.

 يقول الدكتور أحمد الناصر – أحد الأكاديميين الملتحقين بالدراسات العليا في ماليزيا لـ”درج”: “منذ ست سنوات يُعاني الطلاب اليمنيون من تأخر المستحقات المالية لأسباب غير واضحة، دائمًا تتعذر وزارة التعليم العالي بعدم وجود ميزانية للدولة بحجة الظروف التي تمر بها البلاد، لكننا في الوقت ذاته نشاهد مسؤولي الحكومة وأبناءهم تصلهم رواتبهم والاعتمادات المالية الخاصة بهم أولاً بأول، ولم تتأخر حتى يوم واحد”.

في أيلول/سبتمبر 2021 وقّعت وزارة التعليم العالي اتفاقية مع البرنامج السعودي لإعمار اليمن، بعد أن تكفل الأخير بدفع مستحقات عام كامل للطلاب اليمنيين ابتداءً من الربع الثالث من العام 2020، بعد أن انتهت الاتفاقية بدفع الربع الثاني من عام 2021، لم يتسلم الطلاب أي مستحقات في ظل تغاضي وإهمال متعمد من وزارة التعليم العالي، كما يصفها الطلاب أنفسهم.

وبحسب إحصائيات وزارة التعليم العالي لعام 2021، بلغ عدد الطلاب اليمنيين الذين يدرسون بمنح حكومية في الخارج، 6200 طالب/ـة موزعين على 38 دولة، وهذا العدد يكلف الخزينة الحكومية حوالي 45 مليون دولار سنويًا، وبحسب وزارة المالية فأن المبلغ الذي يحصل عليه طالب البكالوريوس هو 1800 دولار كل ثلاثة أشهر، مقابل 2100 دولار لطالب الماجستير أو الدكتوراه.

وتنص المادة 36 من قانون البعثات والمنح الدراسية لعام 2003 على ان “الموفد في منحة دراسية على نفقة الحكومة يُدفع له نفقة الإيفاد المقررة، كما يُدفع راتب للموظف من وحدته الإدارية، بالإضافة إلى بدل التخرج وبدل غلاء المعيشة“، كما تنص المادة 41 من اللائحة التنفيذية للقانون ذاته على صرف “ بدل طباعة رسائل الماجستير والدكتوراه، بالإضافة إلى بدل البحث الميداني وتذاكر السفر أثناء العمل على الأبحاث“.

 

فجوة صرف وعجز رسمي

من جهته يقول مازن الجفري وكيل وزارة التعليم العالي لـ”درج”، إن فجوة تأخر صرف المستحقات المالية هي بسبب الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد مضيفًا “لا شك أن الوضع الاستثنائي الذي تعيشه بلادنا منذ انقلاب جماعة الحوثي وسيطرتها على العاصمة صنعاء قد أثر كثيرًا على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، ومع ذلك فإن الحكومة بشكل عام، والوزارة على وجه الخصوص، لم تأل جهدًا في الوفاء بالتزاماتها تجاه أبنائها الطلاب، وتحويل مستحقاتهم المالية في مواعيدها” موضحًا أن تأخر صرف المستحقات يكون غالبًا بسبب إجراءات التحويلات البنكية إلى بعض الدول.

 عمر الغزي – عضو إتحاد الطلاب اليمنيين في ألمانيا، يقول إن وزارة التعليم العالي تقوم بإجراءات تعسفية بحق الطلاب الذين يتكلمون أو يطالبون بمستحقاتهم، وصلت في بعض الحالات إلى إسقاط أسمائهم عنوة من كشوفات المستحقات المالية وإلغاء منحهم: “قبل فترة قمت بتسجيل فيديو نقدت فيه الوزارة، تفاجأت اليوم الثاني باتصال هاتفي من الملحق الثقافي في السفارة اليمنية، يقول لي إن المنحة الخاصة بي قد تم إسقاطها بتوجيه من الوزير خالد الوصابي، وأنه يتوجب عليّ حذف الفيديو بالإضافة إلى كتابة اعتذار خطي مُذل، ولكن لم يكن أمامي سوى الرضوخ لهذا لكي لا أفقد منحتي ودراستي”.

 

وفي بيان أصدره اتحاد الطلاب اليمنيين في ألمانيا، ذكر أنه وبسبب تأخير تسليم المخصصات المالية للطلاب، اضطر بعضهم إلى تقديم اللجوء للحكومة الألمانية حتى يتسنى لهم الحصول على منحةBAFÖG الحكومية، الأمر الذي أدى بدوره إلى اهتزاز ثقة الحكومة الألمانية بالوثائق الحكومية اليمنية، وتشديد إجراءات الدخول للطلبة اليمنيين وكذلك تجديد إقاماتهم، وهذا ما نفاه الوكيل الجفري في حديثه لـ”درج” قائلاً: “نحن مهتمون بأبنائنا الطلاب، فهم صناع مستقبل اليمن ومجده، وتأهيلهم العلمي والأكاديمي وحل مشاكلهم هو سبب تواجدنا، فنحن موجودون لخدمتهم وحل مشاكلهم، ولكن وكما أوضحت لك، ظروف البلد فرضت علينا الكثير من الإجراءات الصعبة”.

 

أبواب موصدة وآذان صماء

منذ إندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في شباط/ فبراير من العام الجاري، يضطر الطالب اليمني باسم عبد ربه إلى ترك بعض محاضراته الجامعية بحثًا عن عمل ولو بشكل غير قانوني، يستطيع من خلاله توفير مصاريف دراسته وإقامته في مدينة موسكو بعد أن تمت إزاحة روسيا من شبكة “سويفت” المالية العالمية بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، فلم يعد باستطاعته استلام التحويلات التي كانت تبعثها له أسرته من اليمن.

منذ 3 سنوات يعمل باسم كمدرس خصوصي لتعليم اللغة الإنجليزية والفرنسية لبعض الطلاب الروس، الأمر الذي أثر بشكل سلبي على تحصيله الجامعي، فبدلاً من التفرغ للمذاكرة والبحث العلمي أصبح يعمل في أوقات فراغه لتوفير مصاريفه الشخصية، حتى يتسنى له الإيفاء بسداد القروض التي يضطر إلى اقتراضها بسبب تأخر وصول المستحقات المالية: “في عام 2015 حصلت على الترتيب الأول في مرحلة الثانوية بمحافظة مأرب ، بموجب ذلك حصلت على منحة حكومية من وزارة التعليم العالي، لدراسة الذكاء الإصطناعي وأنظمة التحكم في جامعة موسكو التقنية، لم تمر سوى أشهر قليلة منذ وصولي إلى موسكو، حتى بدأت المستحقات الدراسية لجميع طلاب اليمن بالتأخر والإنقطاع، الأمر الذي أثر على حياة ودراسة جميع الطلاب”.

 

“حاليًا في ظل انقطاع المستحقات ‏يضطر معظم الطلاب اليمنيين في روسيا إلى التغيب عن المحاضرات والبحوث العلمية والورش العملية والمؤتمرات ويذهبون للبحث عن فرص عمل بدوام جزئي حتى ولو كان هذا العمل بشكل غير قانوني(بسبب عدم وجود إجازات عمل للطلاب) من أجل توفير لقمة العيش، وهذا بدورة أثر سلبيا على نفسية الطلاب ومستواهم الأكاديمي وتحصيلهم العلمي”.

لم تقتصر معاناة الطلاب اليمنيين المستفيدين من منح حكومية، على تأخير المستحقات المالية لأشهر، بل أن القنصليات والبعثات الدبلوماسية اليمنية في الدول التي يتواجدون فيها، تفاقم من معاناتهم بدلاً من إيجاد الحلول، فمنذ نهاية 2019 ترفض السفارة اليمنية في روسيا فتح أبوابها أمام الطلاب، يأتي ذلك بعد أن نفذوا وقفة احتجاجية انتهت بهم في مراكز الاحتجاز الروسية، عندما استدعي السفير أحمد الوحيشي إلى الشرطة الروسية للقبض على الطلبة المحتجين، منذ ذلك الحين يمنع السفير الوحيشي السماح للطلاب من الدخول للسفارة، حاولنا التواصل بالسفارة اليمنية في روسيا لإعطائهم حق الرد، لكن لم نتلق أي ردٍ على مراسلاتنا حتى اللحظة.

ما يحدث مع الطلاب اليمنيين في السفارة اليمنية في روسيا يحدث أيضًا في أغلب السفارات اليمنية، كما يكشف الغزي لـ”درج” مشيرًا إلى أنهم يجدون التصرفات ذاتها من قبل السفارة اليمنية في ألمانيا، وآخرون في مصر أكدوا أن تعامل طاقم السفارة اليمنية في مصر لا يختلف كثيرًا عن تعامل بقية السفارات اليمنية تجاه الطلاب الذين ضاقت بهم سفارات بلادهم، ويتكرر الأمر عينه مع أكثر من 6000 طالب يمني في جميع دول الإغتراب.

يرى الدكتور عبدالله عباس – مؤسس رابطة موفدي الجامعات اليمنية في الخارج، أن الحكومة ووزارة التعليم العالي لا تبحث بجدية لإيجاد حلول جذرية لمشكلة الفجوة بين تأخر تسليم المستحقات المالية، مشيرًا إلى أن تأخر المستحقات ليست الإشكالية الوحيدة، “بالرغم من أن تأخير المستحقات المالية هي المشكلة الأساسية، إلا أن هناك العديد من الإشكاليات التي لا يتنبه لها الجميع، بدءًا من عدم صرف مستحقات تذاكر الطيران، مرورًا بإيقاف البدلات المخصصة لطباعة الرسائل العلمية وشراء الكتب والمراجع منذ 2016، وانتهاءً بعدم وجود تأمين صحي للطلاب في الوقت الذي يشهد فيه العالم جائحة كورونا وانتشار أمراض أخرى تفتك بالبشر”، مطالبًا بإيجاد حلول شاملة لهذه المشكلات، بالإضافة إلى مطالبته برفع سقف المستحقات المالية في خضم الارتفاع العالمي للأسعار وغلاء المعيشة.

 

قابضون على الأمل

حاولنا نقل هذه المطالب إلى وزير التعليم العالي خالد الوصابي والحصول على رد منه، حيث تسلمت “درج” ردًا مكتوبًا من الوزارة جاء فيه ” أن الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها بلادنا قد أثرت سلبا على كثير من المعاملات الإدارية والمالية في بلادنا، وكان أحد هذه الآثار هو توقف صرف بدلات السفر للطلاب الخريجين منذ العام 2014، وليس ذلك قاصرا على مبتعثي الوزارة، بل أن الجامعات الحكومية اليمنية هي أيضا لم تعد تصرف تکالیف رحلات السفر للطلاب المبتعثين، وقد وجه معالي الوزير باعتماد تذاكر للطلاب المبتعثين سواء من التعليم العالي او مبتعثي الجامعات والجهات الحكومية الأخرى وضمها في كشوفات الاستحقاق، وبالفعل تم صرف هذه المبالغ في استحقاقات الربع الأول والثاني 2021، والوزارة ملتزمة بصرفها لحين عودة العمل بالآلية السابقة للصرف”.

وجاء في الرد أيضًا ” كما أشرنا سابقًا، فأن ظروف البلد فرضت علينا الكثير من الإجراءات الصعبة، خصوصا في الجانب المالي، ومن هذه الإجراءات إيقاف صرف بدلات الكتب المستحقة والتي تقدر بـ 250$ سنويا للطالب، ولكننا حاليا في تواصل مستمر مع وزارة المالية، ومع الجهات ذات العلاقة في الدولة لحل هذه الإشكالية”.

وقد تضمن الرد أيضًا وعودًا برفع السقف المالي المخصص للطلاب، “تضع الوزارة موضوع زيادة السقوف المالية للطلاب في دول الاعتماد نصب عينيها، ولكننا لا نتوقع أن يتم ذلك في القريب، فذلك يتطلب بعض الوقت، لإجراء معاملات مالية وإدارية خارج صلاحيات الوزارة”.

 إلا أن الطلاب الذين تحدثوا إلى “درج” قالوا إن هذه الوعود دائمًا ما ترددها الوزارة والحكومة، لكنهم لم يجدوا ما هو ملموس في الواقع، معبّرين عن استيائهم من سياسة الإهمال والتجاهل التي تتبعها الحكومات المتعاقبة تجاه الطلاب اليمنيين في الخارج.

  

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
كيف تحوّلت مؤسسات صنعاء إلى “فقَّاسة صراع” الأجنحة داخل جماعة الحوثي؟ (تحقيق حصري)

حوّل خلاف موالين لجناحين (متشددين) متعارضين داخل جماعة الحوثي المسلحة “جلسة مقيّل” خاصة- بالعاصمة اليمنية صنعاء خلال عيد الأضحى المبارك- إلى توتر كاد يوصل إلى “اقتتال” في “مجلس” مليء بالأسلحة والقنابل ا مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عم مشاهدة المزيد