مشروع الحوثيين في إحياء الإمامة وتغيير الهوية قراءة سياسية في 5 وثائق حوثية (حلقة2)

2024-06-27 11:58:45 أخبار اليوم / مركز المخا للدراسات الاستراتيجية

    

إنَّها دولة خارج مفهوم الدولة، وأقلِّية ترفع نفسها فوق المجتمع، وتُبقي نفسها خارجه، ولا تتعامل معه وفق مفهوم المواطنة، إنَّما بمفهوم التبعية والنصرة والتضحية والموت . والأهمُّ مِن ذلك، هو أنَّ ميليشيا الحوثي تنظر إلى نفسها لا كحركة وميليشيات بل كأمة، أو ممثِّلين عن الأمَّة، وعلى هذا الأساس ترى نفسها فوق الدولة، وأكبر مِن أن تحتويها الدولة، لذا فهي تتحاشى الاندماج في مؤسَّسات الدولة، وتُبقي أجهزتها الخاصَّة مستقلَّة ومهيمنة على أجهزة الدولة. ولا يزال الغموض يكتنف بنية الميليشيات الداخلية، وتسلسل هرمها القيادي، وتشعُّب أجهزتها. وما يتسرَّب بين الحين والآخر مِن معلومات ضئيلة حول بنيتها الداخلية، وهيكلها التنظيمي لا يكشف سوى عن جزء يسير مِن بُنية وشكل النظام الغامض لهذه الميليشيات التي تديرها خبرات إيرانية ولبنانية متمرِّسة، عبر ما يُسمَّى (مجلس الجهاد الحوثي) ، والذي يتلَّقى توجيهاته مِن نظام (الولي الفقيه) في طهران.

إنَّ دولة الإمامة الزيدية التي بدأت هادوية، مع مؤسِّسها الأوَّل «الهادي» يحيى بن الحسين، وانتهت جارودية صرفة مع زعيم ميليشيا الحوثي، عبدالملك الحوثي، عادت مِن جديد لتكرِّس نمط الحكم السلالي المستبد، ببعده الديني المقدَّس، وصبغته العائلية الموغلة في الطائفية المقيتة، لتتشكَّل على إثر ذلك، وبشكل تدريجي، دولة مذهبية ثيوقراطية، لا مكان فيها لحقوق المواطنة المتساوية، ولا للتعدُّدية السياسية والحزبية، ولا للتداول السلمي للسلطة، «فنظرية الدولة لدى الحوثيين تمزج بين الزيدية التقليدية ونمط الحكم العائلي. فميليشيا الحوثي -مِن حيث المبدأ- هي مؤسَّسة عائلية، وتُعدُّ العائلات التي ترتبط معها بعلاقة نسب مهمَّة لها في تعيين مشرفي الميليشيات، الذين يظهرون كنظامٍ موازٍ لمؤسَّسات الدولة الرسمية» . وإلى جانب المشرفين الحوثيين الذين يديرون مؤسَّسات الدولة بصفة غير رسمية وصلاحيات لا محدودة أنشأ الحوثيُّون مؤسَّسات بديلة موازية لمؤسَّسات الدولة، لتهميش دورها، وسحب اختصاصاتها الدستورية، وتركيزها بيد عناصر الميليشيات؛ ومِن ذلك على سبيل المثال، ما يُسمَّى «المنظومة العدلية» التي حلَّت محلَّ وزارة العدل، و»الهيئة العامة للزكاة» التي حلَّت محلَّ الإدارة العامة للواجبات الزكوية، و»الهيئة العامة للأوقاف» التي حلَّت محلَّ وزارة الأوقاف والإرشاد. كما أنشؤوا «المجلس الأعلى لإدارة وتنسيق الشئون الإنسانية والتعاون الدولي» لإدارة المنظَّمات غير الحكومية والمساعدات الإنسانية عوضًا عن وزارة التخطيط والتعاون الدولي. وبهذا الشكل يعمد الحوثيُّون إلى افراغ مؤسَّسات الدولة مِن وظائفها الدستورية، وإحلال مؤسَّسات الميليشيات مكانها، في مخطَّط مدروس لتفكيك الدولة، وإعادة تركيبها وفق نظرتهم الخاصَّة ومفهومهم الخاص لشكل الدولة وطبيعة المهام المنوطة بها. فالدولة التي يسعون إليها لا تمتلك خصائص ومقوِّمات الدولة المتعارف عليها، كما أنَّها ليست دولة الشعب التي روَّجوا لها قبل انقلابهم عليها، بل هي دولة لميليشيات المسخَّرة لخدمة أهدافهم المتمثِّلة في إحياء دولة الإمامة بطابعها المذهبي (الجارودي)، والطائفي (السلالي)، وهذا بالتحديد هو مفهومهم المنغلق للدولة التي يجهدون لتأسيسها.

إنَّ ميليشيا الحوثي لا تبحث عن مشروعية سياسية مِن خارج منظومتها الفكرية، ولا مِن داخل الدولة ونظامها السياسي الذي انقلبت عليه بما يحمله مِن مرجعية سياسية ودستورية، قائمة على التعدُّدية السياسية والتداول السلمي للسلطة عبر عملية ديمقراطية انتخابية، فهذا نظام ولَّى زمانه مِن وجهة نظرها، والشرعية الجديدة التي تروم تأسيسها والبناء عليها هي شرعية القوَّة وسلطة الأمر الواقع، المستمدَّة مِن فكرة الخروج (الثورة) في المذهب الزيدي كشرط لتحصيل السلطة (الإمامة)، وهو ما قامت به الميليشيات حرفيًّا، فاستحقَّت -بناءً على قواعد المذهب- شرعية الحكم.

وعطفًا عليه، فالحركة منحت نفسها حقَّ إعادة تشكيل النظام السياسي اليمني ليتطابق مع صورته الذهنية في مخيِّلتها، صورة دولة دينية ثيوقراطية، عائلية سلالية، وفق نظرية الإمامة، التي تُمثِّل بحقٍّ مركزية المذهب الزيدي الجارودي، الذي يفقد مكانته وأهمِّيته بدونها.

إنَّه المشروع السياسي الذي يحاول الحوثيُّون التعمية عليه باسم (المشروع القرآني) و(المسيرة القرآنية) المزعومة التي يقودونها بوصفهم (أعلام الهدى) و(قرناء القرآن)، وهي خلاصة (الهويَّة الإيمانية) التي يتستَّرون وراءها ويُخفُون بها حقيقة مشروعهم الطائفي المدمِّر الذي لا يعترف للآخرين بحقٍّ إلَّا أن يكونوا أتباعًا وخُدَّامًا لمشروعهم السلالي، لا شركاء فيه؛ ناهيك أن يكونوا منافسين له.

والآن، وبعد أن فرغنا مِن مناقشة جوهر أيديولوجيا ميليشيا الحوثي، ننتقل لمناقشة وثائق ميليشيات الحوثيين الخمس، لتحليل مضامينها وتفكيك أبعادها ومراميها.

أوَّلًا: الوثيقة الفكرية والثقافية:

نظرة عامَّة:

في 13 فبراير 2012م، أطلق الحوثيون وحلفاؤهم مِن الزيدية ما أسموه بـ»الوثيقة الفكرية والثقافية» ، والتي تضمَّنت مجمل عقيدتهم الدينية والسياسية. وجاءت الوثيقة لتضع حدًّا للخلافات بين الحوثيين وفريق مِن الزيدية التقليدية الذين كانوا قد أصدروا -في وقت سابق- بيانًا استنكروا فيه أفكار حسين الحوثي، محذِّرين أتباع المذهب الزيدي مِن ضلالاته .

وبإلقاء نظرة عامَّة على الوثيقة، يمكننا الخروج ببعض الملاحظات الأوَّلية.

أوَّلها، أنَّ الوثيقة أطلقت صفة (المجاهدين) على تيَّار الحوثي، وفي المقدِّمة مِنهم عبدالملك الحوثي، وهو ما يمكن عدُّه بمثابة اعتذار رسمي للميليشيات ومؤسِّسها (حسين الحوثي)، عمَّا بدر بحقِّه من علماء الزيدية التقليدية، وتأكيدهم -في بيان أصدروه مِن قبل- أنَّ «أقواله وأفعاله لا تمتُّ إلى أهل البيت، ولا إلى المذهب الزيدي بصلة، وأنَّه لا يجوز الإصغاء إلى تلك البدع والضلالات، ولا التأييد لها، ولا الرضا بها» .

ثانيها، أنَّ الوثيقة أعادت ميليشيا الحوثي مجدَّدًا إلى حضن الزيدية الهادوية، باعتراف العلماء أنفسهم الذين أخرجوهم عام ٢٠٠٤م وما بعدها مِن الزيدية .

ثالثها، أنَّ علماء الزيدية التقليدية، مِن منافسي الحوثي، «وجدوا أنفسهم أمام حقيقة لم يعُد بإمكانهم إنكارها، فعبدالملك الحوثي وإن لم يصل إلى مستواهم علمًا إلَّا أنَّه أصبح قائدًا لميليشيات تسيطر على مناطق واسعة مِن الأرض. لقد أعطى لهم الأمل بإمكانية عودة الإمامة، وإن بمسمَّى (أنصار الله)، أو حتى الدولة المدنية إن اضطروا لتسميتها كذلك. لهذا لم يجدوا بُدًّا مِن حلِّ خلافاتهم السابقة، وخصوصًا ما ورد في ملازم حسين وفتوى العلماء ضدَّها» .

وبتوقيع العلَّامة محمَّد محمَّد المنصور والعلَّامة حمود عبَّاس المؤيَّد يكون عبدالملك الحوثي قد نجح في جمع غالبية الزيدية تحت قيادته، وأصبح مِن حقِّه عليهم المبايعة والسمع والطاعة للإمام الشرعي . إنَّ «المعنى العميق لتلك الوثيقة هو تطييف الزيدية، وتنصيب أمير طائفة يحتكر تمثيلها، هو عبدالملك الحوثي» .

 على أنَّ (الوثيقة الفكرية والثقافية) هدفت في نهاية المطاف -مِن وجهة نظر الباحث- إلى تحقيق هدفين أساسيِّين حملتهما وسط الأفكار المبثوثة فيها، هما:

(1) تدشين الانقلاب الحوثي على النظام الجمهوري،

(2) تحديد شكل النظام السياسي (الحوثي) الجديد.

الوثيقة الفكرية وتدشين الانقلاب الحوثي:

جاءت الوثيقة في ذروة النشاط السياسي لثورة 11 فبراير الشعبية، وعقب خروج الرئيس السابق، علي عبدالله صالح، مِن السلطة، وقُبيل انتخاب عبدربِّه منصور هادي رئيسًا توافقيًّا بأسبوع واحد فقط. حينها كان «صالح» يبحث عن حلفاء لتقويض مشروع ثورة فبراير، والانتقام مِن خصومه السياسيِّين، فيما كانت اليمن على موعد مع رئيس جنوبي منتخب مِن خارج المركز الزيدي في الشمال، وهو ما لم يحدث منذ ثورة 26 سبتمبر 1962م، ما عزَّز مخاوف الزيديين مِن خروجهم مِن دائرة السلطة وصنع القرار نهائيًّا، وإن كانت تلك السلطة (الجمهورية) تحكم مِن خارج نظريتهم في الإمامة والولاية؛ وهو سبب آخر مُلحٌّ جعل مِن الحوثيين وحلفائهم أكثر تحفُّزًا واندفاعًا لتصحيح ما يرونه وضعًا مختلًّا، لا يتطابق وعقيدتهم السياسية في الحكم.

ومِن هنا يمكننا القول إنَّ (الوثيقة الفكرية والثقافية) كانت بمثابة تدشين التيار الإمامي الزيدي لمشروع استعادة الإمامة، وحكم «آل البيت» -في نظرهم. فهي مِن جهة، أصَّلت لدعوى الحقِّ المقدَّس مِن منظور عقائدي مذهبي، وعمَّدتها، ومِن جانب آخر منحت ميليشيا الحوثي المسلَّحة، مِن خلال التسليم بقيادتها كأمر واقع، ما يُشبه التفويض للبدء في عملية انتزاع الحقِّ الإلهي مِن مغتصبيه، وإعادته لأهله.

لقد نجحت ميليشيا الحوثي في جعل تنظيمهم المسلَّح ما يشبه الذراع العسكري لتحالف مذهبي طائفي أوسع، رعته (الوثيقة الفكرية والثقافية)، وبات الحوثيون مكوِّنه الأساسي وطرفه الأقوى، في حين أنَّ أطرافه الأخرى تيَّار الزيدية التقليدية (العلمائية)، وتيَّار الهاشمية السياسية. وقد ضاعف هذا التحالف مِن قوَّة ميليشيا الحوثي، ودفع بها إلى صدارة مشروع الزيدية السياسية لاستعادة الإمامة وحكم «آل البيت»، بحيث فرضوا أنفسهم في نهاية المطاف كممثِّلين حصريِّين له، أو هكذا أرادوا وخطَّطوا له منذ البداية، مستخدمين الأطراف الزيدية المتحالفة معهم لخدمة مشروعهم السياسي الذي بلغوه في أقلِّ مِن ثلاث سنوات على توقيعهم تلك الوثيقة.

وفي ظلِّ أوضاع سياسية حرجة، أطلَّت (الوثيقة الفكرية والثقافية) لميليشيا الحوثي لتُعلِن عدم مشروعية النظام الجمهوري القائم، لمخالفته نظرية الإمامة كأصل مِن أصول الدين عندهم؛ ما يعني بالنتيجة خروجه عن الدين، وضرورة إسقاطه. ومِن جانب آخر، كان خروج الوثيقة -في ذلك التوقيت- بهدف قطع الطريق على الثورة الشبابية والقوى الوطنية المساندة لها في إعادة بناء جمهورية جديدة، والحيلولة دون استكمال مشروعهم السياسي بمعزل عن الفكر الزيدي، ومِن ثمَّ تأكيد عدم أحقِّيتهم فيما يطمحون إليه، وافتقارهم -بحسب الوثيقة- للأساس الشرعي الذي يمنح الطائفة وحدها المشروعية السياسية.

وللأسف الشديد، لم تفطن السلطات القائمة -آنذاك، ولا المعارضة، إلى خطورة تلك الوثيقة ومراميها وأبعادها السياسية، واستخفَّت بها، ولم تعطها حقَّها مِن الاهتمام؛ وهو ما عكس فشل منظومة الحكم حينها في التعاطي مع الواقع ومحاولة استيعابه. وإخفاق النخبة الحاكمة -في ذلك الحين- في تقدير خطورة تلك الوثيقة لا يعود إلى خلافات وتناقضات أطراف النظام وحسب، بل وإلى افتقار تلك النخب إلى الخيال السياسي والرؤية والمشروع، وعدم إدراكها لتطلُّع منظومة التيَّار الزيدي الإمامي نحو السلطة، ومخطَّطاتها في هذا السياق. وقد برهنت الوقائع عدم امتلاك تلك النخب للمشروع الوطني نتيجة عجز وعقم قياداتها التي شاخت وهرمت وتخشَّبت في مناصبها القيادية؛ في حين كان الحوثيُّون -كما بدا جليًّا- هم مَن يمتلك الرؤية والمشروع، بالإضافة إلى كونهم قيادات شابَّة متوثِّبة، أخذت حظَّها مِن التدريب، واستفرغت كلَّ الوسائل المتاحة لتحقيق مشروعها، مستفيدة مِن تقاطع مصالح كثير مِن الأطراف المحلِّية والإقليمية والدولية مع مصالح الميليشيات ومشروعها السياسي.

الوثيقة وترسيم معالم النظام السياسي الحوثي:

مِن الخطأ الاعتقاد أنَّ (الوثيقة الفكرية والثقافية) للحوثيِّين إنَّما جاءت لتفصِّل فقط في المسائل العقدية العالقة بين الميليشيات بصبغتها الجارودية والأطراف الزيدية الهادوية الأخرى، وإن كان ذلك صحيحًا في المجمل، بيد أنَّه يتَّضح مِن خلال الفحص المتأنِّي، وتحليل مضامين الوثيقة، أنَّ الهدف الثاني الرئيس للوثيقة (بعد هدف التهيئة للانقلاب وإسقاط النظام) يتجاوز قضيَّة حلِّ الخلافات والإشكالات بين أطراف المنظومة الزيدية إلى تحديد وتأطير شكل النظام السياسي الجديد المزمع بناؤه. وهذا النظام الجديد وفقًا للوثيقة يأخذ شكله ومضمونه في النَّمط التالي:

أ. أنَّه ديني (إمامي) لا مدني:

أكَّدت (الوثيقة الفكرية والثقافية) على مسألة الإمامة كقضيَّة جوهرية ليست مِن أصول الدين وحسب، بل مِن أصول الحكم أيضًا، وأهمُّها على الإطلاق، فحدَّدت أنَّ «الإمام بعد رسول الله هو أخوه ووصيُّه، علي بن أبي طالب، ثمَّ الحسن ثمَّ الحسين، ثمَّ الأئمَّة مِن أولادهما.. ومَن نهج نهجهم مِن الأئمَّة الهادين» . وهذا النصُّ بمدلوله الصريح الواضح يُعيد تفعيل نظرية الإمامة الزيدية، ويدفع بها مجدَّدًا إلى الواجهة، ويقصر المشروعية السياسية في الحكم عليها، ويركِّز السلطة بيد تيَّار سلالي بعينه، ليؤسِّس مِن خلاله نظام حكم ديني ثيوقراطي، أكثر قداسة، لا يستجيب لأيِّ شكل مِن أشكال الحكم المدني، ولا يعترف به.

وتفصح الوثيقة عن السبب المحفِّز للتمسُّك بالإمامة، فتذكر أنَّ «نهج الهداية والنجاة والأمان مِن الضلال هو التمسُّك بالثقلين، كتاب الله وعترة رسول الله، وهداة الأمَّة وقرناء الكتاب إلى يوم التناد، فهم حجج الله في أرضه» . وبالتالي، فلاة نجاة للأمَّة مِن الضلال إلَّا بحكم الأئمَّة الذين يُعدُّون فوق مستوى البشر، كونهم قرناء القرآن، وحجج الله في أرضه. وتلك النصوص إلى جانب كونها تنسف شرعيَّة النظام الجمهوري القائم، وتعدُّه مغتصبًا للحكم، فهي مِن جهة أخرى تخالف نظرية الحكم عند الاثنا عشرية، والتي قصرت الإمامة على اثني عشر إمامًا فقط، ما يؤكِّد أنَّ ميليشيا الحوثي جارودية، رغم تقاربها مع الاثنا عشرية، وأنَّها تفترق عنهم في نظرية الحكم، إذ تتمسَّك بنظرية الإمامة الهادوية الزيدية التي فتحت الباب على مصراعيه لطالبي الإمامة في كلِّ عصر، وتحاشت نظرية الإمامة الاثنا عشرية التي أوصدت الباب على اثني عشر إمامًا، ثمَّ قصرت الشرعية السياسية لاحقًا على «الولي الفقيه»، باعتباره نائبًا عن الإمام الغائب (صاحب الشرعية الوحيدة في الحكم).

علاوة على ذلك، فالوثيقة حينما حصرت الإمامة في عليٍّ وذرِّيته مِن البطنين أسقطت بذلك ما جاء في بيان علماء الزيدية عام 1990م، مِن القول بأنَّ «الأمَّة هي المفوَّض إليها أمرها تضعه حيث شاءت باختيارها» . كما أنَّهم عندما يثبتون أحقِّية أئمَّتهم في الحكم إنَّما يثبتون بالنتيجة أحقِّيتهم فيه باعتبارهم امتدادًا لهم، وورثتهم الشرعيِّين؛ فقيادة الأمَّة حقٌّ حصريٌّ لهم، وهي أحد أهمِّ ركائزهم الثلاثة في الحكم (القيادة- الأمَّة- المنهج)، وفق نظريتهم السياسية التي يروِّجون لها.

ب. أنَّه لا يعترف بحقِّ الأمَّة في الاختيار:

بعد أن رسمت (الوثيقة الفكرية والثقافية) شكل النظام السياسي، وحدَّدته في الإمامة، وحصرت الإمامة وقصرتها على الإمام عليٍّ وذرِّيته مِن البطنين، باعتبار ذلك أصلًا مِن أصول الدين في المذهب الهادوي الزيدي يتعيَّن الإيمان به وجوبًا، عادت مرَّة أخرى لتؤكِّد أنَّ اختيار تلك السلالة حكَّامًا للأمَّة إنَّما جاء بتدخُّل إلهي مباشر، عبر نظرية الاصطفاء التي تجد سندها في القرآن الكريم مِن قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ اصطَفَى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إِبرَاهِيمَ وآلَ عِمرَانَ عَلَى العَالَمِينَ)) ، وعلى الرغم مِن أنَّه لم يُذكر في الآية «آل محمَّد» أو «آل البيت» إلَّا أنَّهم اقحموا ذلك عنوة في معنى الآية، لغاية لم يردها النصُّ الشرعي في التفضيل والتمييز العنصري.

تقول الوثيقة: «ونعتقد أنَّ الله سبحانه اصطفى أهل بيت رسوله -صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، فجعلهم هداة للأمَّة، وورثة للكتاب مِن بعد رسول الله إلى أن تقوم الساعة، وأنَّه يُهيِّئ في كلِّ عصر مِن يكون منارًا لعباده، وقادرًا على القيام بأمر الأمَّة والنهوض بها في كلِّ مجالاتها» . والنصُّ يقرِّر عقيدة الاصطفاء والاختيار والتفضيل لـ»آل البيت»، ويجعلهم هداة للأمَّة، وورثة للكتاب (القرآن) إلى قيام الساعة، والأقدر على النهوض بالأمَّة؛ وهذا الاصطفاء والاجتباء وسمات التميُّز والتفوُّق التي يُضفيها النصُّ على هذه السلالة إنَّما هو منحة ربَّانية استحقُّوها لا لشيء وإنَّما لكونهم -بزعمهم- مِن سلالة النبيِّ وأهل بيته؛ وذلك مؤهَّلهم الوحيد لاستحقاق السلطة والحكم. وبعبارة أخرى، فقد تمَّ اختيارهم مباشرة مِن الله ليكونوا القادة إلى أن تقوم الساعة، ولم يعد ثمَّة مجال لغيرهم أن يختار قائدًا وطريقة للحكم تخرج عنهم، لا بانتخابات ديمقراطية، ولا بتعدُّدية سياسية، ولا بتداول سلمي للسلطة. ومِن ثمَّ يتوجَّب على اليمنيين الإذعان والتسليم للأمر السماوي لأصحاب الحقِّ الإلهي المصطفين مِن الله. فالإمامة (الولاية) «لمن حكم الله بها، في كتابه وسنَّة رسوله، رضي الناس بذلك أم لم يرضوا، الأمر إلى لله وحده، ولا دخل للشورى» كما قال بدر الدين الحوثي .

ج. أنَّ مرجعيَّته العليا المذهب الجارودي الزيدي:

تنوَّعت نصوص الوثيقة وتعدَّدت في جانب التأكيد المتكرِّر على أهمِّية حضور مرجعية مَن يُسمُّونهم حجج الله، وأعلام الهدى، مِن آل محمَّد، في تفاصيل الحياة العامَّة بمختلف تنوُّعاتها، وكلُّ ما يتعلَّق بالشأن العام؛ أمَّا ما يتعلَّق بسنَّة النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- تقول الوثيقة: «موقفنا مِن السنَّة هو موقف الإمام الهادي -عليه السلام، الذي ذكره في مجموعه في كتاب السنَّة، وأنَّها مرتبطة بالهداة مِن آل محمَّد كأمناء عليها في اعتماد الصحيح مِن غيره» . وما يتَّصل بأصول الفقه تقول الوثيقة: «أمَّا أصول الفقه، فما كان مِنه مخالفًا للقرآن الكريم، أو بدلًا عن آل محمَّد فهو مرفوض ومنتقد مِن الجميع، وما كان مِنه موافقًا للقرآن (....) في إطار آل محمَّد فهو مقبول معتمد، لا اعتراض عليه ولا إشكال» .

وبخصوص الاجتهاد والتشريع تؤكِّد الوثيقة على أنَّه «ما كان مِنه يؤدِّي إلى التفرُّق في الدين، والاختلاف في معرفة الله، وغيره مِن أصول الشريعة أو إلى مخالفة نهج الآل الأكرمين، أو مخالفة مِن أمر الله بطاعتهم وجعلهم ولاة للأمَّة، فهو اجتهاد مرفوض لا نقرُّه ولا نرضاه، بل هو مفسدة في الدين» . وأكَّدت الوثيقة على أنَّ «ما كان مِنه استفراغًا للوسع والطاقة في البحث عن أحكام الدين وشريعة ربِّ العالمين (......)، وعلى طريق ونهج أهل البيت الأكرمين (....)، ولا مخالفة لمـَن أمر الله بطاعتهم وجعلهم ولاة للأمَّة، محكومًا بالضوابط التي وضعها ومشى عليها أئمَّة الآل -عليهم السلام، فهو مقبول ومطلوب ومحتاج إليه في معرفة الدين، وخصوصًا فيما يستجدُّ مِن المسائل» .

وبالجملة، تؤكِّد نصوص الوثيقة -بكلِّ وضوح- على أنَّ مرجعيَّة الناس في الدين والشريعة هم أئمَّة مَن يُسمُّونهم «آل البيت»، وبالأخصِّ مِنهم دون شكٍّ أتباع المذهب الزيدي الهادوي، ومَن يمثِّل امتدادًا لهم. وهذا يعني أن يتحوَّل المذهب الجارودي الزيدي إلى مذهب رسمي ومرجعيَّة عليا للمجتمع، ينبغي على السلطة الأخذ به وإنفاذه، كما هو الحال مع مرجعية المذهب الاثنا عشري كمذهب رسمي لحكومة إيران، حسب الدستور الإيراني. وبذلك تكون ميليشيا الحوثي قد حدَّدت الإطار القانوني والتشريعي للنظام السياسي الذي تلتزم به في الحكم، ما يجعل المذاهب السنِّيَّة الأخرى لليمنيين مستثناة ومستبعدة تمامًا، على صعيد الدولة والشأن العام وما يتعلَّق بحياة المواطنين ومعاملاتهم وشئون حياتهم، إذ أنَّ كلَّ اجتهاد أو تشريع أو سنَّة نبوية أو أصل مِن أصول الفقه يخالف نهج «آل البيت»، في صيغتهم الجارودية الزيدية، مرفوض وغير مقبول، بل يُعدُّ مفسدة في الدين.

وهذا يُفسِّر ضيق ميليشيا الحوثي بمخالفيهم مِن التيَّارات والجماعات الأخرى، كالسلفيين والإصلاحيين والتبليغيين وغيرهم، واستهداف مساجدهم ومعاهدهم ومراكزهم التعليمية بالتدمير والإغلاق، وتشريد طلَّابهم ومدرِّسيهم، ومنعهم مِن إقامة حلقات العلم أو بناء أيِّ معاهد أو مراكز تعليمية جديدة، ومَنعهم مِن الخطابة، ومصادرة مكتباتهم وإحراقها، وغلق قنواتهم ومقرَّاتهم وصحفهم وكلِّ وسائلهم الإعلامية، وفرض سياسة الصوت الواحد والرأي الواحد والمذهب الواحد.

هذه التركيبة السياسية بصيغتها المذهبية المنغلقة والمتطرِّفة لا تسمح ولا تقبل بأيِّ مشاركة سياسية، ولا تساعد على التعايش والقبول بالآخر، واحترام عقيدته وخصوصيَّته، وحقِّه في الاختيار، بل تؤسِّس لدولة ثيوقراطية ديكتاتورية متسلِّطة، وطبقة حاكمة مستبدَّة تحتكر كلَّ شيء، بما في ذلك تفسير النصِّ الديني. وفي الواقع هذا هو شكل النظام السياسي لميليشيا الحوثي الذي بشَّرت به وثيقتهم، وتلك هي مرجعيَّتهم القانونية والدستورية العليا، كما أقرَّتها وثيقتهم بوضوح لا لبس فيه. وهذا ما يعمل عليه الحوثيُّون، مِن قبل اغتصابهم للسلطة بقوَّة السلاح؛ لكن وتيرة عملهم لذلك تسارعت وتضاعفت عقب انقلابهم، وتكريسهم جماعتهم سلطة حاكمة بأمرها.

د. أنَّه حصر المعارضة في «آل البيت» ومنعها عن غيرهم:

أغفلت (الوثيقة الفكرية والثقافية) -عن قصد- التطرُّق لحقوق المحكومين في دولة الإمامة، فهي لا ترى سوى حقَّ الأئمَّة في الحكم ووجوب الطاعة والاتِّباع لهم، ولا ترى أيَّ حقوق معتبرة للمحكومين. وعندما أشارت إلى قضيَّتي الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم تكن تقصد فتح نوافذ التغيير والإصلاح والمعارضة في دولة الإمامة، بل كانت تؤسِّس لما يمكن اعتباره معارضة تحت السيطرة، محكومة بالمذهب الهادوي الزيدي، وتعمل ضمن مرجعية «أعلام الهدى»!

وفي مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنصُّ الوثيقة على: «أنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الظالمين، والوقوف في وجه المستكبرين، هو مِن أعظم الواجبات الدينية المفروضة على الناس أجمعين، وأنَّ الموالاة لأولياء الله والمعاداة لأعداء الله -حسب ما شرعه الله، وعلى رأسهم أئمَّة الكفر المتمثلِّين في زماننا هذا في أمريكا وإسرائيل ومَن أعانهم ووالاهم ووقف في صفِّهم في عداوتهم للإسلام والمسلمين، واجب ديني فرضه الله على العباد» .

فالنصُّ يشير هنا إلى واجب الموالاة لأولياء الله (وهم هنا الحوثيُّون بالطبع)، والمعاداة لأعداء الله (وهم هنا المناوئين للحوثيين)، ومجاهدة الظالمين والوقوف في وجه المستكبرين (وهم هنا معارضي إمامة وولاية آل البيت)، وهو ما تترجمه أفعال الميليشيات وخطاباتها وبياناتها ونعوتها للمخالفين لها بأوصاف «الظلم» و»الاستكبار» و»العداء لله».

 

إنَّ مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -كما ورد في الوثيقة- مختزل -واقعيًّا وفعليًّا- على المخالفين لمشروع ميليشيا الحوثي السلالي الطائفي. وبمعنى آخر فإنَّ مسار معارضة ميليشيا الحوثي، شعبية كانت أو سياسة، وفق نظرة الميليشيات وسلوكها، هي مَن ينبغي أن يوجَّه لها الإنكار والجهاد والبراء والعداء، باعتبارها معارضة للاصطفاء والاجتباء الإلهي، ولوصيَّة الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- وعهده. لهذا نال أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- مِن التهم والطعن والتكفير مِن حسين الحوثي الشيء الكثير، في خطاباته وملازمه، لكونهم لم يسلِّموا بإمامة علي وولايته، وخانوا وصيَّة الرسول لهم -حسب زعمه.

وبالتالي يصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -الوارد في الوثيقة- عمليًّا أداة بيد ميليشيا الحوثي لقمع كلِّ مَن ينقد نظام الإمامة، ويكشف عوار نظرية الحقِّ الإلهي في السلطة ودعوى الاصطفاء الإلهي، ويطالب الأئمَّة بالإصلاح الذي ينزع مِنهم قداستهم ويفرض عليهم إعطاء الأمَّة حقَّ الشورى والانتخاب والاختيار.

وفي مسألة الجهاد تنصُّ الوثيقة على: «أنَّ الجهاد في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله، واجب على الجميع. وقد أوجبه كتاب الله -عزَّ وجلَّ، وسنَّة رسول الله -صلَّى الله عليه وآله وسلَّم، وقام به أئمَّة أهل البيت -عليهم السلام، ولا ينكره إلَّا جاهل مخالف لأهل البيت» . والجهاد في وعي أتباع المذهب الهادوي الزيدي لا ينصرف -كما يتوهَّم البعض- إلى جهاد أعداء الإسلام مِن أهل الكفر، وردِّ عدوانهم، بل يُقصد به أمرين اثنين. أوَّلهما الخروج المسلَّح لطلب الإمامة (السلطة)، فنظرية الإمامة عند «الهادي» تقوم على ركنين أساسيِّين: حصر الإمامة في البطنين، والخروج المسلَّح في طلبها. وهذا ما فعله الحوثيُّون طيلة ستِّ حروب متوالية، منذ عام 2004م، وصولًا إلى الانقلاب على السلطة عام 2014م؛ ولهذا يُنعتون أتباعهم بـ»المجاهدين»، لا لأنَّهم قاتلوا أمريكا وإسرائيل ونشروا الإسلام في الأرض، بل لأنَّهم قاتلوا معهم ضدَّ مَن يخالفهم، ومكَّنوا لهم حتَّى وصلوا إلى السلطة بالسلاح. الأمر الثاني هو أنَّ الجهاد في مفهومهم لا يكون إلَّا مع الأئمَّة مِن «آل البيت»، كما أفتى «الهادي» نفسه بذلك، إذ حرَّم الجهاد مع غيرهم، 

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
كيف تحوّلت مؤسسات صنعاء إلى “فقَّاسة صراع” الأجنحة داخل جماعة الحوثي؟ (تحقيق حصري)

حوّل خلاف موالين لجناحين (متشددين) متعارضين داخل جماعة الحوثي المسلحة “جلسة مقيّل” خاصة- بالعاصمة اليمنية صنعاء خلال عيد الأضحى المبارك- إلى توتر كاد يوصل إلى “اقتتال” في “مجلس” مليء بالأسلحة والقنابل ا مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
الدكتور محمد سالم الغامدي لـ (أخبار اليوم) الحاجة لتعديل تقومينا الهجري تأتي من ضرورة ضمان دقة توقيت الشرعية السماوية

قال الكاتب الصحفي السعودي الدكتور محمد سالم الغامدي، إن التعديل للتوافق مع حركة الأبراج والفصول لضمان أن يكون العالم الإسلامي متناسيا تماما مع الظواهر الفلكية المحددة. وأكد الغامدي في حوار خاص أجرته (أخبار اليوم) إن هذا مشاهدة المزيد