مشروع الحوثيين في إحياء الإمامة وتغيير الهوية قراءة سياسية في 5 وثائق حوثية (حلقة 3)

2024-06-29 10:25:18 أخبار اليوم / مركز المخا للدراسات الاستراتيجية

   

 بل ساهم وحشد وموَّل المؤتمر شخصيات حزبية وسياسية، وفي مقدِّمتهم قيادات مؤتمرية، حشدت وحضرت بتوجيهات مِن الرئيس السابق، علي عبدالله صالح، الذي حثَّ معظم مشايخ المؤتمر على المشاركة. وفسَّر البعض قيام «صالح» بذلك الدور تجاه تلك الفعالية للحوثيين بأنَّه يأتي في إطار خطَّة تسليمه حزب «المؤتمر الشعبي العام» لميليشيا الحوثي. وكانت الميليشيات وجَّهت الدعوة لأكثر مِن (200) شيخ قبلي بارز، وأكثر مِن (150) ضابطًا مِن قيادات الصفِّ الثالث والرابع في الجيش والأمن، وعدد مِن حملة الرتب الكبيرة ممَّن فقدوا مناصبهم بالتقاعد أو البقاء دون عمل .

ولكي نفهم دوافع إشهار ذلك المؤتمر مِن قبل ميليشيا الحوثي، ينبغي ربطه بما سبق ذكره آنفًا عند مناقشة (الوثيقة الفكرية والثقافية)، حيث أنَّها حملت في مضامينها وأهدافها الخفيَّة توجُّهًا انقلابيًّا لإسقاط النظام الجمهوري، مِن خلال تأصيلها العقدي للإمامة كنظام شرعي وحيد للحكم، ما يعني بالنتيجة بطلان الحكم الجمهوري وتسويغ إسقاطه.

لقد سارع الحوثيُّون لاتِّخاذ خطوات عملية على طريق التهيئة والإعداد لإسقاط الدولة عبر التحشيد القبلي والإمساك بزمام القبيلة وتطويعها، فما بين إعلان (الوثيقة الفكرية والثقافية) في 13 فبراير 2012م، وإشهار (مؤتمر التلاحم الشعبي القبلي» في 28 ديسمبر 2012م، حوالي عام واحد فقط. وكانت الخطوة التالية على طريق التهيئة والإعداد للانقلاب عقد مؤتمر قبليٍّ آخر للموالين لهم فقط، في 31 أكتوبر 2014م، تحت شعار «مؤتمر عقلاء وحكماء اليمن»، وترأَّسه أحد الشيوخ القبليين الموالين للميليشيات، وهو ضيف الله رسَّام، وقد عُدَّ ترؤُسه للمؤتمر بمثابة تنصيب له كشيخ لمشايخ اليمن .

هذه الخطوات تعكس سرعة تحضيرات ميليشيا الحوثي لانقلابهم، مستخدمين بكفاءة الذراع القبلية، في ظلِّ غياب كامل لمنظومة الحكم الجمهوري.

وفيما أرست (الوثيقة الفكرية والثقافية) الأساس النظري للانقلاب مثَّل (مؤتمر التلاحم الشعبي القبلي، و(مؤتمر عقلاء اليمن) أهم الأسس التنفيذية على أرض الواقع. فقد مثَّل مؤتمر «التلاحم» اختراقًا حوثيًّا كبيرًا للقبيلة، ولعب دوره المنوط به في خلق بيئة قبلية مطاوعة ومتحكَّم بها مِن قِبلِهم، ما سهَّل عليهم إصدار المراسيم والتشريعات القبلية، وقسر القبائل عليها، فقد جعل الحوثيُّون مِن مؤتمر «التلاحم» أشبه ما يكون بمؤسَّسة تشريعية قبلية لتمرير رغباتهم تحت لافتة الأعراف القبلية التي سخَّروها لأجنداتهم ومطامعهم السياسية. ونجح الحوثيُّون عبر «وثيقة الشرف القبلية» و»مؤتمر التلاحم القبلي» و»مؤتمر حكماء اليمن» مِن إخضاع القبائل لقيادة الميليشيات الأيديولوجية، وسحب البساط مِن تحت أقدام شيوخ القبائل الذين لطالما سيطروا على المشهد السياسي الجمهوري اليمني منذ ثورة 1962م.

في الوقت نفسه، وبالإضافة إلى دوره في انجاح انقلاب الحوثيين، دفع الرئيس السابق «صالح» بمكوِّنات حزبه القبلية العريضة لمساندتهم نكاية بخصومه، فتذلَّلت لهم العقبات أمام تطويع القبيلة لإرادتهم.

أهداف وثيقة الشرف القبلية:

في فبراير2019م، دشَّن مهدي المشاط، رئيس ما يُسمَّى «المجلس السياسي الأعلى» في سلطة ميليشيا الحوثي، غير المعترف بها دوليًّا، الإجراءات التنفيذية لـ»وثيقة الشرف القبلية». وجاء تفعيل الوثيقة عقب انتفاضة قبائل حجور في حجَّة ضدَّ ميليشيا الحوثي . ويذهب زعيم ميليشيا الحوثي، عبدالملك الحوثي، إلى أنَّ وثيقة الشرف تهدف لتحصين الجبهة الداخلية، وإعطاء القبيلة اليمنية دورها في مواجهة التحدِّيات وفي المقدِّمة مِنها العدوان على اليمن . وتذهب الوثيقة نفسها إلى التأكيد بأنَّ غايتها العمل على تفعيل الدور الإيجابي للقبيلة في مجال الدفاع والأمن، وتنظيم شئونها لتهيئتها للمشاركة الفاعلة في الرأي وصنع القرار، للحفاظ على ثوابت المجتمع، وتحسين أداء المنظومة الاجتماعية في مواجهة التحدِّيات والمؤامرات التي تستهدف الوطن والأمَّة . والواقع أنَّ تلك الأهداف المعلنة، وبخاصَّة ما يتَّصل مِنها بجانب تطوير القبيلة وتنظيم شئونها وإشراكها في القرار لم تفض إلى إشراكها في القرار بقدر ما نزعت عنها القرار وألحقتها قسرًا بقرار ميليشيا الحوثي.

ومِن خلال التحليل الإجمالي لمضامين بنود «وثيقة الشرف القبلية» يتبيَّن أنَّها جزء مِن توجُّه عام يستهدف القبيلة باعتبارها نواة المجتمع اليمني الصلبة، بقصد تفكيكها وإضعافها. ويمكن أن نستشرف هدفين أساسيِّين للوثيقة، تنطوي تحتهما أهداف فرعيَّة أخرى متنوِّعة. وهما:

الهدف الأوَّل: تطويع القبيلة واستلاب قرارها، واستخدامها كوقود حرب لترسيخ دعائم حكم ميليشيا الحوثي ودولتهم، وتحويلها إلى مؤسَّسة اجتماعية حوثية بعد إكسابها أيديولوجيا الميليشيات.

الهدف الثاني: إضعاف القبيلة وتحجيمها على المدى المنظور، وصولًا لإنهاء دورها السياسي على المدى البعيد، واستنزافها بشريًّا في محرقة الحرب الدائرة، وعدم إعطائها فرصة التقاط أنفاسها أو تصحيح وضعها واستعادة قرارها. وهذا ما يفسِّر -إلى حدٍّ ما- إصرار ميليشيا الحوثي على إبقاء الحرب مشتعلة، ورفضها الهدنة، وتوحُّشها تجاه أبناء القبائل، وإصرارها على الزجِّ بهم في محارق الموت باسم الغرم القبلي؛ حيث يقول رئيس ما أطلق عليه مسمَّى «مجلس التلاحم القبلي»، ضيف الله رسَّام، إنَّهم سيجنِّدون أبناء القبائل «غصبًا» باسم الغرم القبلي، وأنَّه «سيتمُّ انتزاع أبناء القبائل التي لم تنفِّذ غرمها القبلي في ساحات الحرب المشتعلة، وأخذهم إلى الجبهات بالقوَّة، ومَن لم يقاتل أو يرفض سيتمُّ استخدامهم دروعًا بشرية حتَّى يتمُّ هلاكهم» . وهذا ما يمنح الميليشيات المزيد مِن المقاتلين المجنَّدين لأجل تحقيق أهدافها مهما بلغت خسارتها، ففي عام 2017م وحده سقط نحو (50) ألف قتيل وجريح مِن أتباع الميليشيات؛ فيما سقط (35) ألف قتيل مِن عناصرها في المعارك التي شهدتها محافظة مأرب فقط ، واعترف أحد مشرفي الحوثيِّين بمحافظة ذمار بأنَّ خسائرهم مِن المقاتلين في تلك المحافظة وحدها فاق 9 آلاف عنصر .

وفي حين تسعى الميليشيات لتحقيق الهدف الأول على المدى القريب، تسعى لتحقيق الهدف الثاني على المدى البعيد.

وفي السياق نفسه، تجهد ميليشيا الحوثي لإعادة تشكيل زعامات قبلية جديدة، وصوغ بنية القبيلة الداخلية طبقًا لأيديولوجيا ميليشيا الحوثي كمعيار للولاءات، ليحلَّ الولاء العقدي للميليشيات محلَّ الولاء القبلي. كلُّ ذلك يأتي في سياق ترسيخ مشروع دولة الإمامة الحوثي، والذي يرى في قوَّة القبيلة وسلاحها وأعرافها تهديدًا ماثلًا وتحدِّيًا يستوجب التعامل المبكِّر معه.

وتفصيل ذلك فيما يلي:

1. وثيقة الشرف وتطويع القبيلة اليمنية:

لعبت القبيلة اليمنية أدوارًا تاريخية مهمَّة في التمكين لدولة الإمامة الزيدية في اليمن، بدءً مِن دولة يحيى بن الحسين الرسي آواخر القرن الثالث الهجري، إلى دولة يحيى حميد الدين في القرن الرابع عشر الهجري. ويعي الحوثيُّون أهميَّة الدور المحوري للقبيلة في نجاح أو فشل مشروع السلطة في اليمن، كما يدركون جيِّدًا أنَّ مشروعهم السلالي لا يُمكنه التحليق بجناح الهاشمية الزيدية بمفرده، إذ لا بدَّ مِن الجناح القبلي الآخر كي يستطيع التحليق. هذا الجناح قدَّم -ولا يزال- خدمات جليلة لميليشيا الحوثي منذ تأسيسها وحتَّى اليوم، ولعب دورًا مهمًّا في التمكين للمشروع الحوثي الذي عاد متسلِّطًا عليه.

وقد حرص الحوثيُّون على الإمساك بناصية القبيلة وتطويعها لخدمة مشروعهم، فعمدوا أوَّلًا إلى تأسيس ما عُرِف بـ»مؤتمر التلاحم الشعبي القبلي» لتأطير العمل في أوساط القبائل، وإدارته والتحكُّم به، ومِن ثمَّ تمرير قراراتهم وفرضها عبر غطاء قبلي يتَّخذ صورة مواثيق شرف قبلية ملزمة. وفي هذا السياق جاءت «وثيقة الشرف القبلي» التي ظاهرها مقاومة العدوان وباطنها التحكُّم بالقبيلة وتطويعها قسرًا وتسخيرها للمشروع الحوثي. وعند تحليل بعض بنود الوثيقة نكتشف كيف أنَّ ميليشيا الحوثي عمدت لتكبيل القبيلة بتلك النصوص، وألزمتها بمهام ليست مِن اختصاصها، وحمَّلتها فوق أعبائها أعباء إضافية، وساقتها راغمة إلى ساحة معركة ليست معركتها، لتدفع مِن جيوبها ثمن قيام دولة لا ناقة لها فيها ولا جمل.

ومِن تلك النصوص، البند الخامس، والذي ينصُّ على أنَّ: «كلَّ قبيلة مسئولة عن حفظ أمن واستقرار ساحتها، وحدود الوطن كلِّه كساحة عامَّة لكلِّ قبائل اليمن» ، إذ يفرض الحوثيُّون على القبيلة عدا عن حماية مناطقها حماية كلِّ التراب اليمني، ما يعني ضرورة انخراطها في كلِّ جبهات قتال الحوثيِّين لتدافع بزعمهم عن الوطن، ما يحقِّق تمكين دولة الإمامة الطائفية. فليس للقبيلة «ساحات خائفة، ولا مشاكل دفاعية وأمنية، وإنَّما يريد الحوثيُّون أن يحوِّلوها إلى شرطي لحراسة مشروعهم، وساحة معركة ضدَّ خصومهم، باسم الجهاد ومقاومة العدوان» .

كما ينصُّ البند السادس على أن: «يلتزم الجميع بإحياء مبدأ الغرم القبلي والشعبي، بالمال والرجال، وكلِّ ما تحتاج إليه قوَّات الدفاع، لردع الغزاة والمعتدين، واستئصال مناشئ الشرِّ والخطر الذي يُهدِّد الوطن والأمَّة» ، وكأنَّ القبيلة فرقة مِن فرق الجيش، التي لا خيار أمامها إلَّا تنفيذ التوجيهات العسكرية الصارمة بلا اعتراض، بل وأن تتحمَّل غرم هذه المسئوليات والأدوار دون مقابل.

 إنَّ ميليشيا الحوثي تتعامل هنا مع القبيلة باعتبارها مخزنًا احتياطيًّا لها، يغرفون مِنه ما يحتاجونه مِن المال والرجال، دون أيِّ مسائلة؛ وحتَّى دون أخذ رأي القبيلة أو التشاور معها في مدى قدرتها أو عدم قدرتها على العطاء والمشاركة، فلا رأي للقبيلة في دولة الحوثي ولا دور لها إلَّا أن تنفِّذ آوامره، ولا حقَّ لها في الاعتراض، وعليها يقع غرم المشاركة في بناء دولة لا تشركها في الحكم، ولا تمنحها الحقوق وتقتسم معها الثروات، بقدر ما تستبدُّ به عليها وتمتصُّ خيراتها ومقدَّراتها.

ونصَّ البند التاسع على أنَّ الوثيقة تعدُّ بعد التوقيع «ميثاق شرف في السلم والحرب، وسارية في كلِّ ظرف وزمان، تجسيدًا للمبادئ والقيم والثوابت القبيلة» . فالقبيلة بتوقيعها على هذه الوثيقة تكون قد التزمت بوضع نفسها تحت تصرُّف ميليشيا الحوثي، في أيِّ وقت، وتحت أيِّ ظرف كان، ولن يكون بمقدورها التملُّص مِن تلك الالتزامات التي صارت سيفًا مسلطاً على رقبتها في السلم والحرب. هكذا يستغلُّ الحوثيُّون حالة الحرب والسلم معًا لإحكام قبضتهم على القبيلة، ويفرضون عليها قيودهم وسطوتهم بصورة لم يُسبق لها مثيل، مستغلِّين حربهم مع الحكومة الشرعية و»التحالف العربي».

وقد استغلت ميليشيا الحوثي تشابك الصراعات القبلية والسياسية، وتهافت بعض شيوخ القبائل على المال السياسي، وضعف ولائهم الوطني، وميولها للتمرُّد وتحدِّي الدولة، ليضعوا القبيلة تحت تصرُّف الحوثي طمعًا في منحه عليهم، مبرهنين على قابليتهم للرضوخ والإذعان طالما أنَّه يستجيب لمطامعهم الشخصية.

2. إضعاف القبيلة وإنهاء دورها السياسي:

ذكرنا أنَّ الهدف الثاني ضمن خطَّة ميليشيا الحوثي، ومشروعها طويل الأمد في احتواء القبيلة، هو إضعاف دورها وتحجيمه -بعد استنزافها- وصولًا إلى إنهاء دورها السياسي على الساحة اليمنية، والاستعاضة عنها بكيانات قبلية رخوة موالية لها ومِن صنعها.

لقد مثَّلت القبيلة كابوسًا مؤرِّقًا للمشروع الإمامي، خاصَّة تلك القبيلة التي تمتلك نوعًا مِن التنوير والمعرفة، مهما قلَّ أو كثر، لهذا تستخدم الإمامة معها كلَّ وسائل المكر والخديعة والتشويه، وصولًا إلى تدميرها واجتثاث قوِّتها حتَّى لا يعلو صوت فوق صوت الإمامة .

ومِن خلال النظر إلى بنود «وثيقة الشرف القبلي» نفسها، وتقصِّي بعض الإجراءات الميدانية المتَّبعة مِن قبل ميليشيا الحوثي في هذا الإطار، فإنَّ الميليشيات تسعى إلى أمرين: مواجهة رجال القبيلة المناوئين وإزاحتهم، واستيعاب واحتواء القبيلة ذاتها؛ وكلا الأمرين يصبَّان في خدمة الهدف النهائي المتمثِّل في إحداث تصدُّعات قبلية تؤدِّي تاليًا إلى تشظِّي بنيتها الداخلية، وتفكُّكها، وصولًا إلى التحكُّم بها، وإعادة تشكيلها وفق رؤية الميليشيات.

دور وثيقة الشرف القبلي في إزاحة مناوئي الميليشيات:

استهدفت الوثيقة، وبشكل مكثَّف، رجال القبائل وقادتها، ممَّن يرفضون تسلُّط الحوثيِّين وحربهم وانقلابهم، فعمدت إلى دمغهم بالخيانة والعمالة أوَّلًا، ثمَّ سارعت لوضع الإجراءات العملية الكفيلة بتحييدهم وعزلهم وإقصائهم، فذكرت في البند الرابع أنَّ قبائل اليمن قد أجمعت على «أنَّ الخونة والعملاء مدرَّعين بالعيب، وملبَّسين بالجرم والعار، حتَّى وإن تمَّت أيُّ تسوية سياسية، وتلحق بهم العقوبات المتعارف عليها في الوسط القبلي» . وفي البند الثالث أكَّدت الوثيقة على ضرورة تطبيق العقوبات على معارضي ميليشيا الحوثي، فقالت: «تطالب القبائل اليمنية السلطات الرسمية والقضائية بتطبيق القانون، وإنزال العقوبات الرادعة ضدَّ المشاركين في العدوان على اليمن، والداعمين والمحرِّضين والمؤيِّدين له... وكذا سنِّ أو تحديث قانون ينصُّ بوضوح على تجريم الخونة والعملاء [المعارضين] وتجريدهم مِن الحقوق المالية والوظيفية» . وفي البند الخامس قالت الوثيقة: «وعلى القبيلة أو الجهة التي ينتمي إليها العائب [المعارض] اتِّخاذ كلِّ الإجراءات اللَّازمة ضدَّه مع الجهات الرسمية أو الشعبية» .

هذه النصوص مجتمعة تهدف في نهاية المطاف إلى إحداث تصدُّع في جدار القبيلة، وإيجاد صراع بين المؤيِّدين لها والمعارضين لها، وإطلاق أيدي المؤيِّدين في دماء وحقوق وأموال المعارضين. وهي وإن كانت تسعى لشرعنة جرائم ميليشيات الحوثيين بحقِّ المعارضين لهم، بطريقة تجعلهم بعيدين عن المساءلة عن تلك الجرائم مستقبلًا، إلَّا أنَّها -في الوقت نفسه- تعمل على إفراغ القبيلة مِن شخصيَّاتها المؤثِّرة، وعزلهم قبليًّا بعد تجريمهم، ومِن ثمَّ إقصائهم وإحلال الاتِّباع والموالين مكانهم، وبذلك تنتقل القبيلة مِن ملكيَّة أصحابها إلى ملكيَّة ميليشيا الحوثي عبر الموالين لها، وتغدو مجرَّد أداة بيدها توجُّهها حيث تشاء، وتسخِّرها في خدمة مشروع دولتها الطائفية السلالية.

دور وثيقة الشرف القبلي في إعادة تشكيل القبيلة:

في هذا الجانب تنصُّ الوثيقة بوضوح إلى عزم الحوثيِّين على احتواء القبيلة بشكل كامل، والتحكُّم بها مِن داخلها، وبسط سلطانهم عليها عبر التدخُّل المباشر في شئونها، وإيجاد الذرائع التي تمكِّنهم مِن ذلك. فقد نصَّ البند الثامن على أنَّ مِن الضروري «ترتيب وتنظيم شئون القبيلة، لتكون قادرة على أمن ساحتها، وحلِّ مشكلاتها، ومتابعة أمورها، والقيام بدورها في كلِّ المجالات الدفاعية والأمنية، وكذا ضرورة تمثيل القبائل في التكوينات التشريعية والتنفيذية لتشارك مِن خلالها في الرأي وصنع القرار» .

فالنصُّ يُفصح بذرائع تطرحها ميليشيا الحوثي للتدخُّل في شئون القبيلة، والحوافز التي سينالها المتعاونون معها؛ وتتمثَّل تلك الذرائع للتدخُّل في دواعي إدارية «ترتيب وتنظيم شئون القبيلة»، ودواعي أمنية حفظ «أمن ساحتها»، ودواعي اجتماعية «حلِّ مشكلاتها»، ودواعي خدماتية «متابعة أمورها»، في حين أنَّ الدافع الأساس للتدخُّل هو أن تقوم القبيلة «بدورها في المجالات الدفاعية والأمنية»، أي تحويل القبيلة إلى ذراع ضاربة بيد دولة الحوثي، لتغدو في نهاية المطاف أحد أجهزتها العسكرية والأمنية، وتلك هي المهمَّة الأساس التي يدَّخرها الحوثي للقبيلة، فلا تنمية ولا تعليم ولا رفاه اقتصادي تستحقُّه القبيلة بنظر الحوثي، فهي ليست أكثر مِن معسكر عليه القيام بمهام دفاعية وأمنية لخدمة دولته. أمَّا المكافآت والحوافز التي ستمنحها هذه الدولة للموالين نظير تعاونهم معها في تطويع القبيلة لها فهي مناصب شكلية في مؤسَّسات الدولة، لا ليشاركوها القرار كما بشَّرت الوثيقة بذلك ولكن ليمرِّروا القرارات إلى قبائلهم لتبقى يد الحوثي هي العليا.

إنَّ «وثيقة الشرف القبلي» تضع يد ميليشيا الحوثي على القبيلة، وتفرض وصايتها عليها، لتغدوا جزءًا مِن ملكيَّتها الخاصَّة لخدمة دولتها؛ ويغدوا زعيم القبيلة الموالي للميليشيات مجرَّد موظَّف عند الميليشيات ، فيما الأتباع مجرَّد أحجار على رقعة الشطرنج.

لقد اتَّبعت الميليشيات خطوات عملية لإعادة تشكيل القبيلة، بما فيها هرمها القيادي الذي تسعى بكلِّ الوسائل لإعادة صنعه والاستحواذ عليه، وأهم هذه الخطوات التي اتبعتها لتحقيق ذلك ما يلي:

1. الانقلاب على القبيلة والتنكيل بزعاماتها:

بمجرَّد أن نجحت مليشيات جماعة الحوثي في الانقلاب على السلطة، واستقرَّ لها الأمر بمساعدة القبيلة، استدارت نحوها وانقلبت عليها، فتخلَّصت مِن أغلب قياداتها التي كان لها الفضل في فتح الطريق لها نحو السلطة. فالميليشيات تعتبر شيوخ القبائل الذين ساندوها وقدَّموا تضحيات كبيرة في سبيل مشروعها خطرًا عليها على المدى البعيد. وقد رصد موقع «الثورة نت» مقتل (12) شيخًا قبليًّا، على يد مليشيا ميليشيا الحوثي، خلال الفترة مِن مارس 2020م وحتَّى فبراير 2021م؛ مِنهم أربعة اقتحمت منازلهم، وقامت بقتلهم أمام أطفالهم ونسائهم. هذا فضلًا عن تفجير منازل البعض مِنهم، ونهبها. فيما قتلت (3) مشائخ أثناء قيادتهم مساعي صلح بين بعض القبائل، و(3) آخرين قتلتهم غدرًا، فيما أعدمت اثنين آخرين ميدانيًّا بطرق بشعة .

كما رصد الموقع نفسه ما تعرَّض له شيوخ القبائل على يد مليشيا جماعة الحوثي، خلال عام 2019م؛ حيث قامت بتصفية واختطاف ومداهمة وتدمير منازل (22) مِن مشايخ القبائل، مِنها (12) جريمة تصفية، و(5) عمليَّات اختطاف، و(3) حالات تفجير منازل، ومداهمة منزلين، وغالبية هؤلاء الضحايا كانوا مِن أشدِّ المساندين لانقلاب الميليشيات ، وحربها ضدَّ اليمنيين .

2. صناعة قيادات قبلية بديلة:

وهو ما فعلته ميليشيا الحوثي مع قبائل طوق صنعاء، وغيرهم مِن زعامات القبائل الأخرى، الذين ساندوها في صعودها نحو السلطة. وبشأن زعماء قبائل طوق صنعاء «عادت المليشيا الحوثية للتنكيل بهم وإذلالهم، مِن خلال الزجِّ بهم في السجون، وإحلال زعامات قبلية مكان أخرى جرى تأهيلها لتدين بالولاء للسلالة» . وكانت ميليشيا الحوثي قد دعت القبائل، خلال اجتماعات موسَّعة جرت في مناطق متفرِّقة مِن مناطق القبائل المحيطة بالعاصمة صنعاء، عام 2017م، إلى الانقلاب على المشايخ الذين لم يُعلنوا استعدادهم للقتال مع ميليشيا الحوثي، وانتخاب بدائل عنهم . وحاليًّا تسيطر ميليشيا الحوثي على قيادات عدد مِن القبائل، مثل قبائل: سفيان، وحاشد، وبكيل، والأهنوم، وخولان، وريمة، حيث شكَّل الحوثيون قيادات جديدة للكثير مِن هذه القبائل، وفرضوها على القبيلة، ومِن ثمَّ أصبحوا هم المتحكِّمون بالمشهد القبلي .

3. تفكيك القبيلة:

تفكيك القبيلة، وإنهاكها وإضعافها، والتحريش بين أبنائها، وتغذية الصراعات بينهم، وخلق بؤر التوتُّر والاقتتال بين القبائل، وإشاعة الفوضى في الوسط القبلي، أحد الأساليب التي انتهجتها الميليشيات منذ أن تمكَّنت مِن بسط نفوذها والسيطرة على أجزاء واسعة مِن البلاد؛ وذلك لضمان إضعاف القبيلة، وتغييب دورها، وتحييدها عن مواجهة الميليشيات، وتسخيرها لخدمة مشروعها الانقلابي . وقد بنت ميليشيا الحوثي بشكل واضح وجودها في المناطق القبلية على أرضية النزاعات والخلافات بين القوى القبلية، عاملة على تفكيكها، وإعادة هيكلتها وتنصيب مراكز قوى موالية.

4. استخدام القوَّة المفرطة:

استخدمت ميليشيا الحوثي القوَّة المفرطة لإرهاب القبائل الشهيرة، كقبائل حاشد وبكيل وخولان وهمدان وأرحب، وتفرَّدوا بقتالها الواحدة تلو الأخرى، وهذا سهَّل لهم هزيمة القبائل، وإهانة بعض رموزها، وتفجير منازلهم . كما أنَّ الحروب التي شنَّتها ميليشيا الحوثي ضدَّ القبائل أحدثت انقسامات كبيرة داخل تركيبتها القبلية، وأخضعتها للميليشيات، وسحبت البساط مِن تحت أيدي زعاماتها إلى أيدي الزعامات الموالية لميليشيا الحوثي.

5. تعميم فكر الميليشيات:

قامت ميليشيا الحوثي بتحويل المجالس القبلية إلى ما يشبه مراكز دينيَّة لنشر أفكارها، فلا تجد في هذه الأماكن سِوى الزوامل والشعارات الحوثية، ومحاضرات عبدالملك الحوثي، وملازم حسين الحوثي، وبذلك دمَّرت الميليشيات الأعراف القبلية، وحوَّلت القبائل إلى مجاميع عنف مسلَّحة، واستخدمت كلَّ الوسائل لعسكرتها، وترسيخ سلطة الميليشيات الدينية في عقول أبناء القبائل . وكما طيَّفت ميليشيا الحوثي مؤسَّسات الدولة والمناهج التعليمية عملت ايضاً على تطييف القبيلة، وذلك عن طريق تعيين مشرفين مِن عناصرها السلالية المؤدلجة، وربطهم بتنظيم الميليشيات الأيديولوجي، سواء في مؤسَّسات الدولة أو في سلَّم الميليشيات نفسه. وأيضًا عن طريق إخضاع القبيلة لدورات طائفية مكثَّفة وممنهجة .

6. مصادرة الأراضي:

صادر الحوثيون مساحات كبيرة مِن الأراضي داخل العاصمة (صنعاء)، وفي محيطها، تحت مبرِّر أنَّها أملاك للدولة أو أوقاف أو أملاك عسكرية، ووسَّعوا طموحاتهم إلى المناطق المحيطة بالعاصمة صنعاء، وبدأوا بمصادرة أراضي منطقة الجاهلية في مديرية همدان، ثمَّ توجُّهوا نحو مديرية بني مطر غربي صنعاء، حيث استولوا على مساحات شاسعة مِن الأراضي التي تعود ملكيَّتها للقبائل، بحجَّة أنَّها أراضي أوقاف أو أراضٍ عامَّة للدولة، كما صادروا مساحات شاسعة مِن الأراضي في منطقة دار سلم، المدخل الجنوبي للعاصمة صنعاء، بحجَّة أنَّها مِن أملاك الأئمَّة الذين حكموا شمال البلاد قبل الإطاحة بهم في ثورة 26 سبتمبر .

وتحرص ميليشيا الحوثي على إحداث تغيير ديمغرافي داخل العاصمة صنعاء، وعلى أطرافها، لهذا تقوم بانتزاع الأراضي مِن القبائل وبقيَّة السكَّان لزرع مستوطنات بشرية موالية لها، ومؤدلجة بأفكارها، لتغيير المعادلة السكَّانية لصالحهم، وتشكيل طوق سكَّاني لحماية العاصمة، والتصدِّي لأيِّ تحرُّكات قبلية محتملة قد تهدِّد سلطتهم.لقد كانت تلك بعض خطوات ميليشيا الحوثي الميدانية في احتواء القبيلة اليمنية، وتفكيكها، وإضعافها، وإلحاقها بهم، تمهيدًا لإلغاء دورها السياسي على المدى البعيد، بعد استنزافها لصالحهم، والاستعاضة عنها بكيانات قبلية مطاوعة لها. وهي خطوات مدروسة مكمِّلة لما في «وثيقة الشرف القبلي»، و»مؤتمر التلاحم القبلي»، و»مؤتمر حكماء اليمن». وتلك الواجهات القبلية التي صنعها الحوثيون باحترافية ومهارة، وخبرة سياسية عالية، استلهمت موروث وتجربة حكم الأئمَّة في كيفية التعامل مع القبائل وتطويعها. وقد شرعنت تلك المسمَّيات والواجهات القبلية لميليشيا الحوثي انتهاكاتها بحقِّ القبائل، واستطاعت بواسطتها إحكام قبضتها عليها، وكبَّلت بها القبيلة اليمنية، وسخَّرتها لخدمة المشروع الطائفي السلالي.

 ثالثًا: الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة:

في 17 مارس 2019م، أقرَّ ما يُسمَّى «المجلس السياسي الأعلى» ، لسلطة ميليشيا الحوثي غير المعترف بها دوليًّا، ما أطلقوا عليه «الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديث» . وفي 20 أبريل -مِن العام نفسه- جرى اعتماد العمل رسميًّا بالوثيقة وآليَّتها التنفيذية ، والتي تُعنى «بتحديد الأدوار وتوحيد المفاهيم، وتوضيح القواعد الفنيَّة، لتنفيذ الرؤية، وضمان تنسيق الأدوار وتكامل الأداء على كافَّة مستويات تنفيذ الرؤية بكفاءة وفاعلية» . وقبل البدء بتحليل مضامين الرؤية مِن الأهميَّة التعريف بمفهوم عملية بناء الدولة أوَّلًا.

مفهوم عملية بناء الدولة:

یعدُّ مفهوم عملية بناء الدولة تقليديًّا وحديثًا في آن واحد، فالمفهوم التقليدي الذي ساد في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتَّى نهاية الحرب الباردة، والذي تزامن مع موجة استقلال الدول مِن نير الاستعمار، قُصِد به إقامة مؤسَّسات مستقرَّة، تستهدف تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتحرُّر مِن التبعية والاستعمار الخارجي، وتحقيق الأمن وصياغة دساتير وهياكل سياسية تقود عملية التنمية. إلَّا أنَّ مفهوم عملية بناء الدولة الذي شاع استخدامه بعد الحرب الباردة ركَّز على إعادة بناء الدولة الفاشلة، والتي أصبحت مصدرًا لتهديد الأمن والسلم والاستقرار في العالم؛ كما ركَّز على قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان والمشاركة، والإصلاح السياسي والاقتصادي. وبناءً على ذلك تباينت التعريفات حول عملية بناء الدولة، نظرًا لتداخل مرتكزاتها مِن جهة، واختلاف السياق الزماني والمكاني الذي برزت فيه العمليَّة مِن جهة أخرى.

ويمكن التركيز على أهمِّ التعريفات النظرية التي تصبُّ اهتمامها في غائيَّات بناء الدولة بما يخدم الدراسة. فيُعرِّفها «فرانسيس فوكوياما» (فيلسوف واقت

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
كيف تحوّلت مؤسسات صنعاء إلى “فقَّاسة صراع” الأجنحة داخل جماعة الحوثي؟ (تحقيق حصري)

حوّل خلاف موالين لجناحين (متشددين) متعارضين داخل جماعة الحوثي المسلحة “جلسة مقيّل” خاصة- بالعاصمة اليمنية صنعاء خلال عيد الأضحى المبارك- إلى توتر كاد يوصل إلى “اقتتال” في “مجلس” مليء بالأسلحة والقنابل ا مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
الدكتور محمد سالم الغامدي لـ (أخبار اليوم) الحاجة لتعديل تقومينا الهجري تأتي من ضرورة ضمان دقة توقيت الشرعية السماوية

قال الكاتب الصحفي السعودي الدكتور محمد سالم الغامدي، إن التعديل للتوافق مع حركة الأبراج والفصول لضمان أن يكون العالم الإسلامي متناسيا تماما مع الظواهر الفلكية المحددة. وأكد الغامدي في حوار خاص أجرته (أخبار اليوم) إن هذا مشاهدة المزيد