مشروع الحوثيين في إحياء الإمامة وتغيير الهوية قراءة سياسية في 5 وثائق حوثية (حلقة 4)

2024-06-30 11:04:58 أخبار اليوم / مركز المخا للدراسات الاستراتيجية

     

لقد تفرَّغ الحوثيون بداية لترتيب أوراقهم، وحلِّ خلافاتهم داخل المنظومة الزيدية، ثمَّ انتقلوا بعدها إلى احتواء الجانب القبلي فحقَّقوا فيه نجاحات كبيرة، وهم الآن بصدد العمل بشكل موسَّع على احتواء وتأطير الجماهير اليمنية وقواها السياسية والمدنية. وكلُّ ذلك يجري بشكل مدروس، وعبر آلية الرؤى والوثائق الفكرية والقبلية والسياسية التي يصدرونها لتواكب مراحل تطوُّرهم، وتقودهم نحو التمكين.

2. تبدو الرؤية وكأنَّها محاولة مِن ميليشيا الحوثي لتبرهن على امتلاكها مشروعًا إستراتيجيًّا شاملًا للحكم، لدحض ما يقال عنها مِن أنَّها مجرَّد مليشيا مسلَّحة انقلابية، لا تفقه في إدارة الدولة. وهي مِن جانب آخر محاولة لتسويق نفسها خارجيًّا بثوب مختلف، مِن خلال مخاطبة المجتمع الدولي، والغرب خصوصًا، باللُّغة التي يفهمها، لغة المدنية والديمقراطية والشراكة السياسية والحرِّية وحقوق الإنسان، للحصول على تزكيته واعترافه لاحقًا.

3. مِن المرجَّح أن تكون الرؤية بمثابة رافعة سياسية لتمكين المشروع الحوثي، واستقطاب مؤيِّدين جدد له، وتعزيز تحالف الميليشيات مع القوى المؤيِّدة لها تحت لافتة الشراكة التي لن تكون بالضرورة شراكة حقيقيَّة في السلطة بقدر ما ستكون شراكة في تحمُّل كلفتها وأعبائها المتمثِّلة في مواجهة الشرعية و»التحالف العربي»، سياسيًّا وعسكريًّا.

4. مِن المتوقَّع أن تغدو الرؤية الإطار والمرجعية السياسية للقوى المساندة للحوثي، ونافذتها لولوج العمل السياسي المحكوم بأطر وقواعد هذه الرؤية. بعبارة أخرى، فإنَّ الحوثيين حرصوا مِن خلال رؤيتهم هذه على إيجاد متنفَّس للمكوِّنات الاجتماعية والسياسية التي تشعر بالإقصاء والإحباط مِن ضغط الواقع الحوثي عليهم، ليمارسوا القدر المسموح به مِن السياسة، ويشعروا مِن ثمَّ أنَّهم جزء مِن المنظومة السياسية للدولة الحوثية.

5. تحاشت الرؤية الاصطدام بالشارع اليمني الذي يُبدي ممانعة شديدة تجاه محاولات الحوثيين الممنهجة تجريف نظامه الجمهوري، فحرصت على إقرار النظام الجمهوري ودستوره ومخرجات الحوار الوطني ضمن مرجعيات هذه الرؤية، في محاولة لتطمين اليمنيين بأنَّ نظامهم الجمهوري باقٍ ولا قلق عليه، وأنَّ الميليشيات لا تفكِّر بإزاحته بل ستبني عليه وستعتبره أساس نظامها القائم.

6. تتذرَّع الرؤية بوجود كثير مِن التحدِّيات والعوائق السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها، التي تقف حائلًا دون قيام الدولة بواجباتها تجاه مواطنيها، في محاولة للتنصُّل مِن الفشل المحيط بالوضع الراهن وإلصاقه بالنظام السابق وتداعيات ثورة 11 فبراير2011م، في الوقت الذي تُسوِّق الرؤية للآمال العراض بانتشال اليمن مِن وضعه الكارثي، والدفع به إلى مصاف الدول المتقدِّمة، بطريقة تستسهل الأمر وتستخفُّ بعقول اليمنيين وتبيع لهم الوهم.

7. دعت الوثيقة لإطلاق رؤى جديدة حول الهوية، ومدوَّنة سلوك وظيفي، وقد أُطلِقت الوثيقة الثانية بالفعل، ما يعني استمرار تناسل الرؤى والوثائق مِن قبل ميليشيا الحوثي على الوجه الذي تحدَّثنا عنه في الفقرة (1)، وهي الطريقة المعتادة مِن قبلهم في احتواء المجتمع اليمني، ومحاولة صوغ أفكاره وتشكيل وعيه السياسي وهويَّته الوطنية وفقًا لأيديولوجيا ميليشيا الحوثي التي تطرَّقنا إليها بداية هذا البحث.

8. تحمُّل الرؤية مضامين تتناقض مع ممارسات الميليشيات على الواقع، ابتداء مِن الحديث عن الحرِّيات وعن المواطنة المتساوية، مرورًا بالتداول السلمي للسلطة؛ في الوقت الذي تفرض الميليشيات سيطرتها بالحديد والنار، وتعتبر زعيمها عبدالملك الحوثي قائد الثورة، بموقع الرجل الأوَّل في الدولة، مِن دون أن تقدِّم الرؤية المعلنة ، أي توصيف دستوري أو تقنين لموقعه ذاك.

ثانيًا: قراءة في أهم قضايا الرؤية:

لا يسعنا هنا مناقشة كلَّ محتوى الرؤية، وجميع القضايا المتضمِّنة فيها، فهذا لن يكون مُجديًا، لكنَّنا سنقتصر على مناقشة أبرز القضايا التي نرى ضرورة تناولها، ومحاولة فهمها، وإدراك أبعادها، لهذا سنكتفي بمناقشة ثلاثة محاور أساسية تضمَّنتها الرؤية وهي:

(1) الإسلام والهوية،

(2) النظام الجمهوري،

(3) التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة.

1. الاسلام والهوية الإيمانية «الحوثية»:

تنهض الرؤية على سبعة مبادئ أساسيَّة، أوَّلها الإسلام وتعاليم الشريعة الإسلامية، وهو ما يعني بداهة أنَّ الإسلام دين الدولة وفقًا للرؤية، وأحد أهمِّ المبادئ الناظمة لها، وأحد منطلقاتها الأساسيَّة لبناء الدولة اليمنية الحديثة، وهو ما يتطابق والدستور اليمني النافذ، الذي ينصُّ في المادة الثانية مِنه على أنَّ الإسلام دين الدولة، وفي المادة الثالثة على أنَّ الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات؛ كما يتوافق كذلك مع وثيقة مؤتمر الحوار الوطني ، التي تعدُّ المرجع الثاني ضمن مرجعيات الرؤية، فهي تنصُّ في محور بناء الدولة (ص93) على أنَّ الإسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية مصدر التشريع.

لكنَّ المفاجأة هي أنَّ ما ورد في الرؤية والدستور ووثيقة مؤتمر الحوار الوطني لا يتطابق مع رؤية الحوثيين أنفسهم التي قدَّموها لمؤتمر الحوار الوطني، عام 2013م، ففي رؤيتهم حول الهويَّة ، ذهب الحوثيين إلى أنَّ «الدولة هي شخص معنوي، والشخص المعنوي ليس له دين، ومِن ثمَّ فإنَّ الدين للشعب». أي أنَّهم ليسوا مع أن يكون للدولة دين أساسًا -بما في ذلك الإسلام بالطبع، فالدين للشعب لا للدولة. وبالتالي فقد ناقضوا رؤيتهم تلك التي دافعوا عنها في مؤتمر الحوار الوطني وبرَّروا لها ووجدوها الأكثر تطابقًا مع الواقع، ثمَّ عادوا هنا ليؤكِّدوا على أنَّ الاسلام هو أحد أهمِّ مبادئ ومنطلقات رؤيتهم لبناء الدولة الحديثة!

في الواقع، كان الحوثيُّون -في مؤتمر الحوار الوطني- يغازلون المجتمع الدولي، ويريدون تسويق أنفسهم على أنَّهم أقرب إلى اللِّبرالية الغربية التي تضع الدين جانبًا ولا تقحمه في شئون الدولة؛ كانوا بحاجة لتحسين صورتهم خارجيًّا وكسب ثقة المجتمع الدولي وطمأنته بأنَّهم ليسوا تيَّارًا دينيًّا متشدِّدًا، ولن يصطدموا معه في القضايا الدينية الأكثر حساسيَّة بالنسبة لجمهور المسلمين، وأنَّهم مستعدُّون للتفاهم والتقارب معه، وفقًا للمصالح المشتركة. لكن مع صعودهم للدولة، بات الحوثيون مضطرِّين لمدارة الداخل الذي لا يمكن إقناعه مِن خارج منظومة الدين وثقافته.

والملحظ الثاني المهم في هذا الشأن هي ما طبيعة الإسلام الذي تقصده رؤية الحوثيين كمرجعيَّة أساسية لبناء الدولة وتشريعاتها؟ وهنا تجيب علينا الرؤية ذاتها بجلاء، وتضع النقاط على الحروف، وتحدِّد بوضوح أيَّ إسلام تريد، وأيَّ هوية تريد تعميمها، فتنصُّ في المبدأ الثاني، مِن مبادئ الوثيقة (ص20)، على أنَّ «الهوية الإيمانية بقيمها الأخلاقية والإنسانية للشعب اليمني الأساس الذي يقوم عليه بناء الدولة اليمنية الحديثة». هذا النصُّ في الواقع ينسف كلَّ المبادئ الستَّة الأخرى، بل وكلَّ نصوص الوثيقة اللَّاحقة، ويجعل مِنها غير ذات قيمة، ولا معنى ولا جدوى، فالهويَّة التي تريد الرؤية تعميمها وترسيخها كأساس لبناء الدولة، ونهوض الشعب، ليست هي الهويَّة اليمنية المعروفة والراسخة بجذورها التاريخية العريقة، وأبعادها العربية والإسلامية الأصيلة، بل هي هويَّة ميليشيا الحوثي أنفسهم بأيديولوجيَّتها المذهبية الجارودية المتطرِّفة التي ترتكز على نظرية الإمامة والاصطفاء والحقِّ الإلهي لمـَّا يُسمَّى «آل البيت» الذين ليسوا سوى الحوثيِّين كما يدَّعون.

لقد توصَّلنا لهذه النتيجة في مناقشتنا السابقة للأيديولوجيا الحوثية وركائزها الأساسية، وأيضًا عند مناقشتنا للوثيقة الفكرية والثقافية توصَّلنا إلى نتيجة أكثر أهميَّة وهي أنَّ الوثيقة قعَّدت وأصَّلت للجارودية (الزيدية) المغالية كمرجعيَّة عُليا لميليشيا الحوثي، وقلنا أنَّهم أرادوا مِن خلال وثيقتهم تلك أن يجعلوا مِن المذهب الجارودي أساسًا لعقيدة ودين الدولة، كما الاثنا عشرية في إيران، والتي ينصُّ دستورها على أنَّها المذهب الرسمي للدولة وأساس تشريعاته. ومِن هنا يتَّضح لنا أنَّ الهويَّة الإيمانية التي عناها الحوثيون، ليست سوى تلك الأيديولوجيا التي تؤسِّس لهم حقًّا في احتكار السلطة والثروة بصفتهم «آل البيت» وأعلام الهدى وقرناء القرآن، أمَّا الإسلام الذي عنوه في المبدأ الأوَّل مِن مبادئ رؤيتهم لبناء الدولة فهو بالطبع ليس إسلام الأمَّة، ولا إسلام غالبية اليمنيين المتعارف عليه، بل هو إسلام الطائفة والسلالة، إسلام «العترة» كما يصفونهم؛ كما أنَّه ليس إسلام الزيدية بما لها وما عليها، بل هو إسلام الجارودية المتطرِّفة بكلِّ ما فيها مِن انحرافات وتشوُّهات وغلو.

ودعونا نسوق بعض الأمثلة مِن واقع ممارسات الحوثيين وسياساتهم المتَّبعة للتدليل على أنَّهم إنَّما يكرِّسون هويَّتهم الخاصَّة وعقيدتهم الخاصَّة، وأنَّهم لا يقيمون وزنًا لسواها مهما استشهدوا في وثائقهم بالدستور أو الإسلام أو الجمهورية أو غير ذلك.

المثال الأوَّل هو توجيه عضو المجلس السياسي الأعلى، رئيس ما يُسمَّى المنظومة العدلية العليا، محمَّد علي الحوثي، بضرورة تضمين وعكس الأسس والمبادئ والقواعد التي تضمَّنها عهد الإمام علي لمـَالِكِ الأشتر ، في الممارسات والتعليمات واللوائح والقوانين المقترحة. جاء ذلك في توجيه الحوثي لكلٍّ مِن أمين العاصمة، ومحافظي المحافظات، ورؤساء اللجان التنسيقية للمنظومة العدلية العليا، بناء على ما قال إنَّها «موجِّهات قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي إلى مَن يتحملون المسئولية مِن الأعوان الأساسيين والوزراء وغيرهم» . وهي وثيقة طائفية بحتة تعكس ثقافة المروِّجين لها، وهويَّتهم الخاصَّة التي يجهدون لتشكيلها بمعزل عن هويَّة المجتمع، ويراد إدخالها ضمن اللوائح والنصوص القانونية لتغدوا ضمن المرجعية الدستورية العليا لدولة الحوثيين. فما قيمة حديثهم إذًا عن الدستور ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني والنظام الجمهوري كمرجعيَّات للرؤية الوطنية لبناء الدولة أو لغيرها مِن الوثائق الأخرى؟!

المثال الثاني يُفصح عن مدى تجذُّر البعد العنصري (السلالي) والطائفي (المذهبي) في عقيدة الحوثيين، ويُعدُّ مظهرًا فجًّا مِن مظاهر «هويَّتهم الإيمانية» المشوَّهة، وهو قانون الخمس الذي أقرَّه الحوثيُّون رسميًّا في قانون الزكاة باسم «اللائحة التنفيذية لقانون الزكاة وتعديلاته» . وفيه يوجب الحوثيون الخمس (20%) لبني هاشم، مِن المعادن وكلِّ ما يُستخرج مِن الأرض، وجميع عروض التجارة. وهكذا يميِّزون أنفسهم عن سائر اليمنيين، ويصنعون لأنفسهم هويَّتهم الخاصَّة باسم الدين! تلك هي الهويَّة الإيمانية التي يعملون على تكريسها، ويحيطونها بسياج مِن القداسة، باعتبارها اختيارًا ربانيًّا واصطفاء لهم مِن دون الناس. وذلك هو معنى الإسلام عندهم، والذي وضعوه على قائمة المبادئ السبعة لهذه الرؤية.

المثال الثالث، الذي يعكس -هو الآخر- شكل الهويَّة التي يريدون، هو قَسَمُ الولاء لعبدالملك الحوثي الذي يتمُّ فرضه وتعميمه بطريقة أو بأخرى على الكلِّيَّات العسكرية والأمنية، والمؤسَّسات التعليمية والحكومية، ونشره بين طلَّاب المدارس، وصيغته هو: «اللُّهم إنَّا نتولَّاك، ونتولَّى رسولك، ونتولَّى الإمام علي، ونتولَّى مَن أمرتنا بتولِّيه سيِّدي ومولاي عبدالملك بدر الدين الحوثي، اللهم إنَّا نبرأ مِن عدوك وعدو نبيِّك وعدو الإمام علي، وعدو مَن أمرتنا بتولِّيه سيِّدي ومولاي عبدالملك الحوثي» . بل إنَّ الميليشيات أقدمت على اقتياد رئيس حكومتها الانقلابية، عبدالعزيز بن حبتور، إلى معقلها الرئيس في صعدة، للقاء زعيمها عبدالملك الحوثي، لتأدية يمين الولاء أمامه . والأمثلة كثيرة على توجُّه الحوثيِّين نحو صوغ هويَّة خاصَّة بهم، تحت مسمَّى «الهوية الإيمانية»، لخداع أتباعهم وتضليل الشعب اليمني المتديِّن بطبعه، والذي يسهل استمالته والتلاعب به عبر الخطاب الديني المفعم بالعاطفة، وهو خطاب يمرِّرون مِن خلاله مشروع الولاية والاصطفاء والحقِّ الإلهي، كجزء مِن عقيدتهم الدينية بصبغتها المذهبية الجارودية، التي يختزلونها تحت لافتة «الهوية الإيمانية»، والتي ينوون إصدار رؤية خاصَّة بها مستقبلًا.

الهوية والثقافة.. مزيد مِن الخداع:

في محور البناء الاجتماعي الذي يتحدَّث عن مجتمع حديث ومتماسك يعتزُّ بهويَّته، وتحت عنوان فرعي يحمل اسم «الهويَّة والثقافة» ذكرت الرؤية سبعة أهداف إستراتيجية، أهمُّها:

(1) الحفاظ على وحدة الهوية التاريخية الحضارية العربية والإسلامية للشعب اليمني، وما تمثِّله اليمن عبر مراحل التاريخ.

(2) ترسيخ الهوية الوطنية الواحدة الشاملة والجامعة لكافَّة مكوِّنات المجتمع كأساسٍ لبناء الدولة اليمنية الحديثة.

(3) تطوير مناهج اللغة العربية وإستراتيجيَّاتها في المرحلة الأساسيَّة مِن التعليم، كونها تمثِّل رمزًا لهويَّة الأمَّة وتراثها.

وتُوحي تلك الأهداف للوهلة الأولى بأنَّ المقصود بالهويَّة هنا هي الهويَّة الوطنية للشعب اليمني بأبعادها التاريخية والعربية والإسلامية، لكنَّ المؤشِّرات الخاصَّة بالأهداف -بحسب الرؤية نفسها- تأخذ منحًا مختلفًا، فتشير صوب إقرار المناهج المعدَّلة التي تمَّ تضمينها محتوى عن الهويَّة، وإقرار رؤية وطنية للهويَّة. والسؤال المطروح: ماهي الهويَّة التي تمَّ تضمينها في المناهج المعدَّلة؟!

الجواب ببساطة، هي هويَّة ميليشيا الحوثي التي كشفنا عنها آنفًا، الهوية الطائفية التي تكرِّس تاريخ وفكر السلالة، وتفوِّقها العرقي والديني، واصطفاء الله لها، قرناء القرآن، وأعلام الهدى، وورثة الكتاب. وهم يبشِّرون بإطلاق رؤية جديدة خاصَّة بالهوية ضمن مشروعهم في غسل العقول، وإعادة صوغ الوعي الوطني وتشكيله وفق هويَّتهم الخاصَّة «الهوية الإيمانية».

وعليه، فإنَّ تلك الأهداف (1) و(2) و(3) التي تكشف زيفها الممارسات العملية على الواقع، إنَّما صيغت على نحو مخاتل للتدليس على الشعب وتضليله، وطمأنته على هويَّته الوطنية المغدور بها، التي يجري ذبحها مِن الوريد إلى الوريد في المناهج التعليمية المعدَّلة، فالتعديل الذي حصل بالفعل للمناهج لم يعمل على إحياء هويَّة الشعب وحضارته بقدر ما عمل على طمسها، وإحلال هويَّة الحوثيين وأيديولوجيتهم الفكرية مكانها. ونلحظ في قضية المناهج أنَّ الرؤية لم تتحدَّث عن تطوير وتغيير مناهج التعليم في محور التعليم، وإنَّما أشارت للموضوع في باب الهوية ما يعني أنَّ الأمر لا علاقة له بالتعليم وإحداث تطوُّر ونهضة تعليمية بقدر ما يروم تغيير هويَّة الشعب، وإعادة تشكيل وعيه دينيًّا وثقافيًّا وسياسيًّا، وفق أيديولوجيا الحوثي وهويَّته التي يروم تكريسها هويَّة وحيدة للشعب اليمني.

3. نظام جمهوري بلا ملامح:

النظام الجمهوري والالتزام بالدستور هو المبدأ الثالث مِن مبادئ الرؤية الوطنية لبناء الدولة الحديثة؛ لكنَّ أيَّ نظام جمهوري وأيَّ دستور؟ لم تحدِّد الوثيقة شكل النظام الجمهوري المطلوب بناؤه، وتركته بلا ملامح عدا ملمح الهويَّة الإيمانية التي ناقشناها آنفًا، وذكرنا أنَّها تنسف كلَّ المبادئ والمرجعيَّات والأهداف التي تضمَّنتها الوثيقة، وتحيلها تلقائيًّا إلى وثيقة طائفية تعبِّر عن ميليشيا الحوثي، لا عن الشعب اليمني. وفيما يتَّصل بشكل الدولة (النظام الجمهوري) يتعيَّن أن نعود مجدَّدًا إلى رؤية ميليشيات الحوثيين أنفسهم حول بناء الدولة، وإلى وثيقة مؤتمر الحوار الوطني التي جعلتها الرؤية الوطنية أحد مرجعيَّاتها؛ إذ تؤكِّد «رؤية الحوثيين لشكل الدولة» على أن تكون: دولة مدنيَّة اتِّحادية مستقلَّة ذات سيادة (بنظام الأقاليم) باسم جمهورية اليمن الاتِّحادية، نظام الحكم فيها برلماني. فيما تذهب وثيقة الحوار الوطني إلى دولة اتِّحادية مدنية ديمقراطية، نظام الحكم فيها رئاسي. أمَّا الرؤية الوطنية للحوثيين لبناء الدولة التي بين أيدينا فهي تكتفي بالإشارة إلى النظام الجمهوري كأحد مبادئ الوثيقة السبعة، ولا تزيد، ولا تحدِّد شكل هذا النظام (الجمهوري)، أهو رئاسي أم برلماني، أم مختلط، أم نظام جمهوري جديد بصيغة دستورية جديدة.ورغم أنَّ الحوثيين اتَّفقوا مع وثيقة الحوار الوطني على دولة مدنيَّة اتِّحادية، ما يعني اعترافهم بنظام الأقاليم، إلَّا أنَّهم عادوا وانقلبوا عليها بذريعة أنَّ ذلك يمهِّد لتقسيم اليمن. لكنَّهم في هذه الرؤية يعودون لصيغة النظام الجمهوري مجدَّدًا، في حين لا يحدِّدون ملامحه، ولا يضعون التوصيف الدستوري له، لجهة هل هو برلماني أو رئاسي، وهل يرأسه رئيس منتخب أم مُعيَّن، أم مجلس رئاسي أم مجلس سياسي. ولم تعالج الرؤية وضع النظام القائم اليوم، وأين يقف مِن النظام الجمهوري الذي تصرِّح به، والذي ربَّما جاء ذكره ضمن سياسة استرضاء الشعب وتطمينه وحسب، وعدم إثارة مخاوفه مِن سقوط جمهوريَّته.

ويبدو النظام الراهن لسلطة ميليشيا الحوثي في حالة مِن التخبُّط والتيه والتناقض الشديد مع الدستور ووثيقة مؤتمر الحوار الوطني اللَّتين يعترف بهما كمرجعيَّات قانونية له، فيما ميليشيا الحوثي لا تقيم لهما وزنًا ولا للدستور، فهي تضع عبدالملك الحوثي قائدًا للثورة، يتبوَّأ منصبًا أعلى مِن منصب رئيس الجمهورية، بلا توصيف دستوري له، ويُعيِّن الرئيس بقرار مِنه، متخطيًّا بذلك حتَّى نظام «الولي الفقيه» في إيران، الذي يُنتخب فيه رئيس الجمهورية مِن الشعب، ويُنتخب المرشد الأعلى (الولي الفقيه) فيه مِن مجلس الخبراء، فيما يقدِّم مجلس تشخيص مصلحة النظام النصح للمرشد الأعلى، بينما نظام ميليشيا الحوثي -الجمهوري الإمامي إن جاز التعبير- لا وجود فيه لمؤسَّسات دستورية يُرجع إليها، سوى ما يُسمَّى قائد الثورة الذي يختزل الدولة في شخصه بكلِّ مؤسَّساتها.

نظام جمهوري لا ينتخب رئيسه يحكمه مرشد أعلى غير منتخب:

لأنَّ قضية شكل الدولة ونظامها السياسي (الجمهوري) هي قضيَّة حسَّاسة في ظلِّ وضع سياسي مختل يديره الحوثيون، لذا لم تقترب مِنها الرؤية، ولم تضع لها الأسس الدستورية والأطر القانونية الناظمة لها، وعوضًا عن ذلك انتقلت إلى معالجة قضيَّتي أسس بناء الدولة والحكم الرشيد ضمن محور منظومة إدارة الحكم، الذي حدَّدت غايته بـ «منظومة حكم تقوم على أسس حديثة وديمقراطية، تعتمد مبدأ التداول السلمي للسلطة، وبناء مؤسَّسات حكم فاعلة، تعمل مِن أجل المواطن» .

في أسس بناء الدولة، كان الهدف الثاني الذي أكَّدت عليه الرؤية هو: إعادة بناء مؤسَّسات السلطة العليا الثلاث لأداء دورها في بناء الدولة، ودعمته بمقترح دستور جديد، وإنشاء محكمة دستورية. وتضمَّن الهدف الثالث تعزيز ممارسة مبادئ الحكم، وترسيخ قيم الديمقراطية والتعدُّدية السياسية والتداول السلمي للسلطة عن طريق الانتخابات الحرَّة والنزيهة، ودعمته بمقترح «تطوير أنظمة الانتخابات العامة المركزية والمحلِّية بصورة تحقِّق ديمقراطية وشفافية وعدالة الانتخابات لتحقيق التداول السلمي للسلطة وضمان الاستقرار السياسي» . وكانت المؤشِّرات الخاصَّة بالهدف الثالث -بحسب الرؤية- على النحو التالي :

• عدد الدورات الانتخابية العامَّة،

• عدد المؤتمرات الحزبية،

• عدد حكومات الظلِّ،

• عدد الحكومات المشكَّلة بناء على الشراكة.

وجميع هذه المؤشِّرات تحمل دلالات واضحة بأنَّ ما يجري الحديث عنه هو الانتخابات البرلمانية فقط، ولا نجد أيَّ مؤشِّرات صريحة أو خفيَّة ضمن أهداف الرؤية وغاياتها عن احتمالية إجراء انتخابات رئاسية في النظام السياسي الجديد الذي ينوي الحوثيون إعادة بنائه.

وهكذا نجد أنَّ أقصى ما يسعى إليه الحوثيون في مشروع بناء الدولة هو انتخابات برلمانية (على الرغم مِن أنَّ الرؤية لم تذكر ذلك صراحة)، وأنَّ تداول السلطة المسموح به يدور حول تداول رئاسة الحكومات المشكَّلة بناء على الشراكة (وليس على نتائج الانتخابات)، بمعنى آخر، فإنَّ الانتخابات -في حال سُمح بها- ستكون في إطار التنافس على رئاسة الحكومة فقط، أمَّا رئاسة الجمهورية فهي خطٌّ أحمر، ولا مجال للتنافس حولها مطلقًا، فالرؤية لم تُلمح لأيِّ انتخابات رئاسية، ولم تقدِّم أيَّ مقاربة بشأنها، ما يعني أنَّ الوضع الراهن سيبقى على ما هو عليه مِن احتكار تعيين منصب رئيس الجمهورية بيد مَن يسمُّونه قائد الثورة، يخصِّصه لقادة جماعته فقط.

وبالتالي، فمسألة بناء الدولة -وفقًا للرؤية- تغدو مسألة شكلية، لا تستهدف تشييد دولة يمنية لكلِّ اليمنيين، بقدر ما تجهد لبناء دولة جديدة بمواصفات حوثية بحتة، لا علاقة لها بمواصفات الدولة الحديثة. إضافة إلى ذلك، فإنَّ موقع قائد الثورة -الذي يتبوَّأه حاليًّا عبدالملك الحوثي- لم تأت الرؤية الوطنية على ذكره، ولم تُلمح إلى كيفيّة التعاطي معه، أو تكييفه دستوريًّا، لأنَّه مِن جهة بات أمرًا واقعًا، ومِن جهة أخرى فإنَّ عدم التعرُّض له يحمل دلالة صريحة بأنَّ موقعه ذاك فوق التأطير القانوني، ولا يخضع للدستور، ولا للرؤية الوطنية المعنيَّة بتطوير نظام الحكم.وعليه فإنَّ قضية بقائه مِن عدمها هي مسألة لا يقرِّرها الشعب، ولا مؤسَّساته، وإنَّما هي قضية تختصُّ بها ميليشيا الحوثي نفسها، كون موقع قائد الثورة يظلُّ حقًّا حصريًّا لها وحدها، وهي طبقًا لنظرية الولاية والاصطفاء غير محتاجة لتفويض شعبي كي تحكم، كونها مفوَّضة بالحقِّ الإلهي الذي اصطفاها مِن دون الناس، واختارها لهم دون الحاجة إلى أيِّ نوع مِن الشورى أو الديمقراطية الانتخابية، فالإمامة (الولاية) «لمن حكم الله بها في كتابه وسنة رسوله، رضي الناس بذلك أم لم يرضوا، الأمر إلى لله وحده، ولا دخل للشورى» كما أكَّده بدر الدين الحوثي، في كلامه الذي سقناه مِن قبل.

التحايل لأخذ تفويض شعبي:

ثمَّة ما يمكن ملاحظته في موضوع التفويض الشعبي هذا، إذ على الرغم مِن كون الميليشيات ترى نفسها مفوَّضة دينيًّا بالحكم، كما أشرنا آنفًا، إلَّا أنَّها تجهد مع ذلك لإضفاء طابع التفويض الشعبي على وجودها في السلطة سعيًّا وراء المشروعية، وقد وجدت ضالَّتها أخيرًا في أحداث الحرب الأخيرة على غزَّة، والتي انطلقت بعد عملية «طوفان الأقصى» في السابع مِن أكتوبر2023م، حيث سارعت الميليشيات إلى استغلال الحدث وتوظيفه سياسيًّا، فعمدت إلى حشد الشارع اليمني في مسيرات وتظاهرات حاشدة تحت لافتة مؤازرة القضية الفلسطينية وحركات المقاومة في غزَّة، ثمَّ أطلقت باسم الجماهير والحشود الشعبيَّة بيانات وشعارات تنادي بتفويض الشارع اليمني لمن تعتبره الميليشيات «قائد الثورة» باتِّخاذ ما يراه مناسبًا للتعامل مع الحدث.انتهزت الميليشيات أحداث غزَّة، وحشدت بغرض تعزيز موقفها الداخلي والحصول على ما تسمِّيه تفويضًا شعبيًّا تفتقر إليه بفعل انقلابها على السلطة، كي تستخدمه تاليًا وتحاجج به في تعزيز موقفها وموقف قائدها الذي يفتقر هو أيضًا لأيِّ مشروعية سياسية أو تفويض شعبي يخوِّله شغور موقعه. واحتالت لنفسها، وزوَّرت تفويضًا شعبيًّا انتزعته انتزاعًا مِن أفواه الجماهير اليمنية التي ما خرجت أصلًا لتفويض الحوثيين، أو قائدهم، وإنَّما لمؤازرة الشعب الفلسطيني ضدَّ العدوان الصهيوني. وبصرف النظر عن صحَّة ذلك التفويض المختلق وجدواه وقوتَّه وشرعيَّته مِن عدمها، إلَّا أنَّه سيمثِّل تاليًا مستندًا سياسيًّا للحوثيين، يزايدوا به لتأكيد شرعيَّتهم المنقوصة التي يحاولون بنائها شعبيًّا مِن خلال حشد الشارع وراءهم وسوقه لمؤازرتهم، وإظهاره كما لو أنَّه يقدِّم دعمه السياسي لهم، ويمنحهم المشروعية، ويخوِّلهم التصرُّف باسمه.إنَّ حرص ميليشيا الحوثي على إخراج الشارع في مختلف القضايا، الداخلية والخارجية، التي يناورون بها، يعكس اهتمامهم وسعيهم الحثيث لكسب التأييد الشعبي كطريق وحيد موصل لشرعيَّة الحكم وتبييض الانقلاب.

إشكالية الشرعية وبناء الدولة:

كان لافتًا تجاهل رؤية بناء الدولة لوضعية النظام السياسي القائم عقب الانقلاب، وكأنَّه وضع طبيعي مكتمل الشرعية، ينقصه بعض التحسينات الشكلية وحسب، وأنَّ وظيفتها القيام بتلك المهمَّة للدفع به قُدمًا، ومنحه عوامل الثبات والديمومة. والواقع أنَّ هذا النظام يُعاني مِن اختلالات دستورية وقانونية وسياسية عميقة لا توفِّر له فرصة البقاء والاستمرار، فقضية شرعية الحكم هي مشكلة بحدِّ ذاتها، فميليشيا الحوثي وصلت إلى الحكم عبر انقلاب عسكري، ولم تستطع حتَّى اللحظة تخريج صيغة سياسية وقانونية لشرعنة حكمها وفق المرجعيَّات القانونية التي تُعلن تمسُّكها بها.

فالدستور اليمني النافذ لا يقول بمجلس رئاسي، ولا بمجلس سياسي، بل برئيس جمهورية منتخب مِن الشعب مباشرة، ولا يُقرُّ أيَّ منصب رسمي أرفع مِنه تحت أيِّ مسمَّى كان. ووثيقة مؤتمر الحوار 

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
كيف تحوّلت مؤسسات صنعاء إلى “فقَّاسة صراع” الأجنحة داخل جماعة الحوثي؟ (تحقيق حصري)

حوّل خلاف موالين لجناحين (متشددين) متعارضين داخل جماعة الحوثي المسلحة “جلسة مقيّل” خاصة- بالعاصمة اليمنية صنعاء خلال عيد الأضحى المبارك- إلى توتر كاد يوصل إلى “اقتتال” في “مجلس” مليء بالأسلحة والقنابل ا مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
الدكتور محمد سالم الغامدي لـ (أخبار اليوم) الحاجة لتعديل تقومينا الهجري تأتي من ضرورة ضمان دقة توقيت الشرعية السماوية

قال الكاتب الصحفي السعودي الدكتور محمد سالم الغامدي، إن التعديل للتوافق مع حركة الأبراج والفصول لضمان أن يكون العالم الإسلامي متناسيا تماما مع الظواهر الفلكية المحددة. وأكد الغامدي في حوار خاص أجرته (أخبار اليوم) إن هذا مشاهدة المزيد