مشروع الحوثيين في إحياء الإمامة وتغيير الهوية قراءة سياسية في 5 وثائق حوثية (حلقة 5)

2024-07-01 09:55:02 أخبار اليوم / مركز المخا للدراسات الاستراتيجية

   

في هذا السياق، جاءت الصواريخ والطائرات المسيَّرة الحوثية التي زعمت إطلاقها صوب إسرائيل لردِّ عدوانها على غزَّة. وسواء صحَّت رواية الحوثيين تلك أو لم تصح، وبصرف النظر عن مصداقيَّتها مِن عدمها، فالحوثيون يسعون في نهاية المطاف ليكون ثمن فِعلتهم تلك وموقفهم المناهض للعدوان الإسرائيلي تعزيز شرعيتهم الشعبية في الداخل اليمني. كما أنَّ التصريحات الأمريكية المتماهية مع مزاعمهم أعطتهم زخمًا وقدرًا مِن المصداقية، ورفعت مِن أسهمهم شعبيًّا. وهنا نستبين حجم التخادم بين الطرفين، فالاعتراف الأمريكي (والإسرائيلي كذلك) بهجمات الحوثيين وتهويلها، إضافة إلى التهاون الدولي إزاء مشاغبتهم في البحر الأحمر وباب المندب (خطف وضرب سفن)، وإظهار العجز والحاجة إلى تحالف دولي لمواجهة تهديدات الحوثيين، يزيد مِن رصيدهم شعبيًّا، ويفتح أمامهم بوابة العبور نحو المشروعية الشعبية التي يفتقدونها، ويهيِّئ لهم الوضع السياسي الداخلي لتعزيز مشروعية دولتهم التي تفرض نفسها داخليًّا، وتراكم التأييد الشعبي المتنامي، لتنتزع تاليًا الاعتراف بها خارجيًّا. كما أنَّ التساوق الأمريكي مع معركة ميليشيا الحوثي المفتعلة خارج حدودهم، وتناغمهم المبهر مع تلك البطولات المصطنعة، والتدليل المثير للدهشة لميليشيا الحوثي، يُعدُّ بمثابة رسالة مباشرة للمملكة العربي السعودية بأنَّ عليها أن تتهيَّأ للتعامل مع الحوثيين كدولة في طريقها لاستكمال شرعيتها، وأنَّ الحوثيين سيمثِّلون مستقبل اليمن القادم ودولته، كتعبير عن الإرادة الدولية.

ومهما تكن الدوافع الدول الغربية وراء تعاملها الناعم مع الحوثيين، وتدليلها لهم، وبصرف النظر عن الأجندة الإيرانية الكامنة وراء تغوُّل الحوثيين في المياه اليمنية، فقد مثَّلت معركة الحوثيين باسم غزَّة -كما بدا في الظاهر- فرصة ذهبية بالنسبة لهم لاكتساب الشرعية الشعبية، وتسويق زعيم الميليشيات كبطل وطني قومي في ظلِّ تواطؤ وتخاذل القادة العرب في أهم معركة عربية مصيرية.

3. التعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة:

أكَّدت الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة على قضية التعددية والتداول السلمي للسلطة في ثلاثة مواضع مِن الوثيقة: في المبادئ العامة (ص20)، وفي أسس بناء الدولة (ص34)، وفي الحقوق والحرِّيات والإعلام (ص36). فيما أكَّدت وثيقة مؤتمر الحوار الوطني، في موجِّهاتها الدستورية، على هذه القضية، في الفقرة الخامسة (ص87)، على أنَّ «النظام السياسي نظام ديمقراطي، يقوم على التعددية السياسية والحزبية، بهدف التداول السلمي للسلطة، والأحزاب السياسية عماد العمل السياسي الديمقراطي». لكن مع كلِّ هذه النصوص المحفِّزة على الديمقراطية والتعدُّدية السياسية والتداول السلمي للسلطة، هل تستطيع ميليشيا الحوثي مِن الناحية القانونية ممارسة العملية الديمقراطية الانتخابية بوضعها الحالي؟ وهل بمقدورها تداول السلطة سلميًّا مع شركائها المفترضين؟ بالنسبة للعملية السياسية والحزبية فالميليشيات لا يمكنها مِن الناحية القانونية والدستورية مزاولة العمل السياسي، إذ لا ينطبق عليها مفهوم العمل الحزبي، فالأحزاب السياسية طبقًا لوثيقة الحوار الوطني عماد العمل السياسي الديمقراطي، فلا ديمقراطية ولا تعدُّدية ولا تداول للسلطة بدون أحزاب. وميليشيا الحوثي ميليشيا دينية مليشاوية، ولا يجوز قيام حزب سياسي على أساس ديني أو عرقي أو طائفي أو مذهبي، أو أن يكون له تشكيل عسكري أو شبه عسكري ، طبقا لوثيقة الحوار الوطني التي تعدُّ أحد مرجعيَّات الرؤية الوطنية للحوثيين.

وعلى هذا الأساس، فالمرجعيَّات القانونية لرؤية بناء الدولة ذاتها تحظر على ميليشيا الحوثي مزاولة العمل السياسي على قاعدة التعددية الحزبية كونها ليست حزبًا، وبالتالي فهي ليست مؤهَّلة مِن الناحية القانونية لمنافسة الأحزاب انتخابيًّا إلَّا إذا تحوَّلت إلى حزب سياسي، وهي ترفض حتَّى الآن ذلك، وترى نفسها أكبر مِن حزب، متناسية أنَّ النظام السياسي بمرجعيَّاته الدستورية التي تدَّعي تمسُّكها به يحظر على أيِّ جماعة دينية المشاركة في العملية السياسية، ناهيك عن قيادة الدولة.

بيد أنَّ ترتيبات المرحلة السياسية الراهنة، بما فيها المفاوضات مع السعودية، والتوصُّل لهدنة يُتوقَّع أن تستحيل سلامًا دائمًا، بالإضافة إلى جهود الأطراف الدولية في تدعيم سلطاتها وصولًا إلى المشروعية السياسية التي تكافح لبلوغها، كلُّ ذلك قد يُلجِئُها إلى عدد مِن الخيارات التي مِن بينها إعلان حزب كواجهة سياسية، لتبقى الميليشيات محتفظة بغطائها الديني. وفي حال حدوثه فمن غير المستبعد نزول الحوثيِّين أيَّ انتخابات قد تجري على المدى البعيد. وتجد الميليشيات نفسها مضطرَّة لمسايرة الضغوط الدولية، أملًا في الحصول على اعتراف المجتمع الدولي الذي يشترط عادة فسح المجال أمام الديمقراطية والحرِّيات العامَّة وحقوق المرأة، وإن في الحدود الدنيا.

كما أنَّ رؤية بناء الدولة تُلمح إلى إمكانية حدوث انتخابات برلمانية، ما سيخدم الحوثيين لجهة إعادة تشكيل مجلس نوَّاب أكثر ولاء، والتصاقًا بهم، ويُضفي على سلطتهم قدرًا مِن المشروعية الغائبة. وإذا كنَّا نبدي بعض التفاؤل بإمكانية إجراء انتخابات برلمانية، وإن صورية، تحت سلطة ميليشيا الحوثي، فإنَّ إمكانية تداول السلطة معهم يبدو صعب المنال، إن لم يكن مستحيلًا، وتجربة الحوثيين مع حزب «المؤتمر الشعبي العام» كشريك لهم في السلطة خير شاهد، فهم يرفضون تداول رئاسة المجلس السياسي الأعلى مع المؤتمر منذ شكَّلوه معًا لإدارة الدولة عام 2016م، على الرغم مِن أنَّ الاتِّفاق ينصُّ على رئاسة المجلس بالتناوب بين الشريكين كلَّ ستَّة أشهر، لكنهم منذ ثماني سنوات يحتكرون رئاسته، ولا يسمحون للمؤتمر بأخذ دوره وحقه الطبيعي في التداول.

كم أنَّ تصفيتهم لشريكهم في السلطة، علي عبدالله صالح، في 4 ديسمبر 2017م، والذي سلَّم لهم مؤسَّسات الدولة، يقدِّم مثالًا حيًّا على استحالة قبول الحوثيين للشراكة وتداول السلطة مع الأطراف السياسية اليمنية الأخرى، وهذا يعود كما أكَّدنا عليه لطبيعة أيديولوجيا الميليشيات المرتكزة على نظرية الحقِّ الإلهي في الحكم، والاصطفاء الربَّاني للسلالة، التي لا تقبل القسمة مع أحد.

على أنَّ الرؤية تناولت أيضًا قضايا أخرى، مِن قبيل الحقوق والحرِّيات والقضايا الاقتصادية، آثرنا عدم التعرُّض لها خشية الإطالة، واكتفينا بمناقشة الشقِّ السياسي مِن الرؤية كونه محور اهتمامنا، ولأنَّها كذلك لا تختلف عن سابقتها مِن القضايا التي فرغنا مِنها، لجهة كونها قضايا استهلاكية يدحضها الواقع ويكشف زيفها وعدم جدِّيتها، ولا طائل مِن إعادة التعرُّض لها وتكرار مناقشتها.

رابعًا: مدوَّنة السلوك الوظيفي:

ماذا تعني «مدوَّنة السلوك»؟:

ظهرت مدوَّنات السلوك في النصف الثاني مِن القرن العشرين، بهدف تحديد القيم والمعايير والمبادئ التي تتَّصل بأخلاقيَّات العمل وسلوك الموظَّف، وتحديد ما هو مرغوب وما هو غير مرغوب مِن السلوك، في إطار ممارسة العمل وبيئته، وإرشاد الموظَّفين إلى الضوابط السلوكية والأخلاقية التي يجب الالتزام بها في التعامل مع المواطنين، أو زملائهم مِن الرؤساء والمرؤوسين، وكذا التعامل مع مستلزمات الوظيفة ومتعلَّقاتها، مع ضرورة أن تكون القيم والمعايير والمبادئ والضوابط التي تستند إليها مستمدَّة مِن الثقافة والقيم العامة المشتركة في المجتمع، وإلَّا كان دورها سلبيًّا .

وتُعدُّ «مدوَّنة السلوك الوظيفي» وثيقة متعارفًا عليها في معظم الدول، لتعبِّر عن حقوق وواجبات الموظَّف في المؤسَّسات الحكومية، وتحدِّد طبيعة العلاقة بين الموظَّف ورؤسائه ومرؤوسيه ومؤسَّسته، كما تؤكِّد على أهميَّة حياديَّة الوظيفة العامَّة، والنأي بها عن التجاذبات والمماحكات السياسية والحزبية، والابتعاد بها عن العِرقيَّة والمذهبيَّة والعنصريَّة، كما تؤكِّد المدوَّنة على قيم الأخلاق والنزاهة والحدِّ مِن الفساد أثناء ممارسة الوظيفة .

وتُبرِز المدوَّنة أهمية الالتزام بمعايير الجدارة والكفاءة العلمية والعملية في التعيين للوظيفة العامَّة، كما تركِّز على تحديد التزامات المؤسَّسة تجاه الموظَّف، والتي تشمل الراتب المناسب والمكافآت والترقيات، وتوفير التأمين الصحِّي له ولأسرته، وضمان راتب تقاعديٍّ مُجز عند إحالة الموظَّف للمعاش صونًا لكرامته وإنسانيَّته .

الرؤى الحوثية مكمِّلة لبعضها في مشروع واحد:

كانت الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة، الصادرة في مارس 2019م، قد أوصت في موضوع الحكم الرشيد الذي جاء ضمن محور منظومة إدارة الحكم، بضرورة عمل «مدوَّنة سلوك»، بذريعة «تطوير وتعميم برنامج متكامل حول الممارسات السلوكية لمبادئ الحكم الرشيد لموظَّفي الدولة، يشمل: دليلًا لممارسة الحكم الرشيد لكلِّ مستوى مِن المستويات الوظيفية، ومدونة سلوك، وبرنامج تدريبي للمدراء والموظَّفين، ونظام تقييم سنوي لمستوى ممارساتهم للحكم الرشيد» . وبالفعل صدر في 6 نوفمبر 2022م، قرار رئيس المجلس السياسي الأعلى ، التابع لميليشيا الحوثي، باعتماد وثيقة «المدوَّنة العامَّة للسلوك الوظيفي» .

واللَّافت أنَّ الرؤى الحوثية تتناسل مِن بعضها البعض، ويُكمل بعضها الآخر، وتصبُّ جميعها في مسار واحد إلى غاية واحدة هي إعادة تشكيل الهويَّة والتمكين للمشروع الحوثي. كما يلاحظ أنَّ ميليشيا الحوثي تتعاطى مع الشعب كجزر منفصلة عن بعضها البعض، بحيث تستهدف كلَّ قطاع بما يناسبه؛ فوثيقة الشرف القبلية استهدفت القبائل، والرؤية الوطنية لبناء الدولة استهدفت القطاع السياسي والاقتصادي والإعلامي والاجتماعي، في حين استهدفت مدوَّنة السلوك الوظيفي قطاع الموظَّفين، أمَّا ورقة التعليم -وهي الوثيقة الخامسة في ورقتنا هذه- فقد وُجِّهت لقطاع المعلِّمين والطلَّاب، في حين تكفَّلت بقطاع الجيش اللجنة الثورية التابعة لميليشيا الحوثي، والتوجيه المعنوي الملحق بها. ولن يتوقف الأمر عند هذا الحدِّ، إذ بحسب مهدي المشَّاط، رئيس المجلس السياسي الأعلى، التابع لميليشيا الحوثي: «فإنَّ هذه المدوَّنة واحدة مِن الخطوات التي ستتوالى، والبرامج التي ستُعلن وتدشَّن تباعًا في سياق تنفيذ خطط العام 1444هـ.. مؤكِّدًا أنَّ الأهمَّ مِن إنجاز المدوَّنة هو تطبيقها مِن قبل الجميع» .

فالرؤية الوطنية التي أوصت بمدوَّنة سلوك وظيفي، وهو ما حصل، أوصت كذلك بإنجاز رؤية خاصَّة لما أسموه «الهويَّة الإيمانية». ومِن المرجَّح أن تكون هي الخطوة التالية ضمن الخطوات التي القادمة والبرامج التي سيُعلن عنها تباعًا حسب «المشَّاط». ومِن غير المستبعد أن تكون ميليشيا الحوثي قد قطعت شوطًا كبيرًا فيها، فهي تسابق الزمن في الدفع بمشروعها. ومِن المتوقَّع كذلك أن تكون وثيقة الهويَّة أشدَّ قسوة على اليمنيين بطابعها الطائفي السلالي المستفز، وأن تكون موجَّهة -هذه المرَّة- لكلِّ قطاعات الشعب وشرائحه، بلا استثناء، وملزمة لهم؛ وستعمل الميليشيات على تعميمها عبر كلِّ الوسائل المحتكرة بأيديها، إذ كلَّما أحرزت تقدُّمًا عسكريًّا أو مكسبًا سياسيًّا بادرت لإظهار بعض ملامح مشروعها السياسي، الذي يتشكَّل تباعًا وفق نظرية الإمامة «الولاية»، بحمولتها الطائفية والسلالية.

نظرة أوَّلية في محتوى وتوجُّه المدوَّنة:

تُفصح المدوَّنة عن نظرة الحوثيين الخاصَّة إلى قطاع العمل الحكومي باعتباره المجال الحيوي للميليشيات، وساحة نشاطها وحقل تجاربها ومخزونها الإستراتيجي لتغذية التنظيم بالكادر البشري. وتحرص الميليشيات على احتوائه والسيطرة عليه وتحويله إلى ما يشبه قطاعًا تنظيميًّا خاصًّا بالحركة. وفي هذا السياق تعمل ميليشيا الحوثي على أدلجة الوظيفة العامَّة، وسلخ قطاع مهم مِن الشعب مِن ولائه الوطني، وسوقه قسرًا في مصبِّ ولاء طائفي سلالي لاستكمال حلقات حوثنة الدولة واحتوائها، وتسخيرها في تمكين المشروع الحوثي.

وقد خلت المدوَّنة مِن ذكر أيِّ حقوق قانونية للكادر الوظيفي، فيما حشدت الواجبات المفروضة عليه في مسعى لعسكرة الوظيفة العامَّة بقوانين صارمة، لا علاقة لها بالقوانين النافذة، بما في ذلك الدستور نفسه الذي تزعم المدوَّنة أنَّه أحد مرجعيَّاتها. تلك الإجراءات الصارمة تعمَّدت التضييق على موظَّفي الدولة ممَّن يرفضون الإذعان والسير وراء الحوثيين والتسليم بأفكارهم ومشروعهم، ضمن توجُّه مقصود لتطفيشهم ودفعهم للتخلِّي عن وظائفهم، ومِن ثمَّ إحلال منتسبي الميليشيات مكانهم، لتغدو الدولة بكلِّ أجهزتها جزءًا مِن المنظومة الحوثية، وأحد تعبيرات دولتها الجديدة.

ولا تتضمَّن المدوَّنة أيَّ جوانب تأهيل وتطوير لأداء الموظَّف وإكسابه مهارات عمليَّة. أمَّا في جانب الحقوق الوظيفية، وهي النقطة الأهم التي كان ينبغي تأكيدها في المدوَّنة بوضوح، فلم تقترب مِنها على الإطلاق، وأوَّلها حقُّ الموظف في الاختيار، أي حقُّه الطبيعي في أن يقبل أو يرفض التوقيع على المدوَّنة، وحقَّه القانوني الأصيل في الراتب والحافز، وبقيَّة الحقوق الأخرى مِن الترقيات والمكافآت والبدلات والتأمين الصحِّي والتقاعدي وغيرها. فالمدوَّنة كانت حزمة واجبات مفروضة على الموظَّف لا باعتباره موظَّف دوله تُرعى حقوقه ومصالحه، ولكن باعتباره أجيرًا لدى ميليشيات يعمل في خدمتها بلا مقابل، وكلُّ ما يتحصَّل عليه آخر الشهر هو «توضيح الإجراءات والتعليمات المشتملة على حقوق الموظَّف مِن حيث التدرُّج في السلَّم الوظيفي، والرواتب، والمكافآت، ونظم الترفيعات، والترقيات، وسائر الحقوق المالية الأخرى كالتقاعد، والتأمين الصحي» . هذا النصُّ المخاتل يتنصَّل مِن كلِّ الحقوق التي جاء على ذكرها، فهو يقول توضيح فقط، ولا يقول بالحقِّ والإلزام والواجب المستحق. فالموظَّف ملزم ومسئول عن العمل طوال الشهر والسنة، في مقابل التزام الوحدة التي يعمل بها، بأن تقوم كلُّ شهرٍ، وكلُّ سنة، بـتوضيح الإجراءات والتعليمات المشتملة على حقوقه وكفى. فمدوَّنة السلوك تنظر إلى الوظيفة الحكومية باعتبارها «مسألة تعبُّدية»، أي جزءًا مِن العبادات، شأنها شأن الصلاة والصيام، ينال صاحبها الثواب والأجر مِن الله في الآخرة، ما يعني عدم اشتراطها حصول الموظف على راتبه وحوافزه الوظيفية. وبواسطة العباءة الدينية الشوهاء تريد المدوَّنة إنتاج المواطن «الموظَّف» التابع، المؤمن بخرافة الولاية والاصطفاء، ما يسهم بالتالي في اصطناع مشروعية شعبية شكلية يلهث وراءها الحوثيون، ويعملون على ترسيخها عبر التلقين المستمر وغسل الأدمغة.

مدوَّنة السلوك الوظيفي تُلغي الحقوق في رؤية بناء الدولة:

طريقة الحوثيين المعتادة، تدبيج المرجعيَّات الدستورية لوثائقهم ثمَّ الضرب بها عرض الحائط، وتسطير الوعود البرَّاقة في وثيقة ما ثمَّ إلغاءها بجرَّة قلم في وثيقة أخرى، دون أن يطرف لهم رمش. فالرؤية الوطنية كانت قد أكَّدت على الدستور ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني والقوانين والتشريعات الأساسية، ورؤى وتصوُّرات الأحزاب، كمرجعيات شاملة ومنطلقات أساسية لها، ثمَّ نسفت ذلك كلَّه بما يُسمَّى «الهويَّة الإيمانية». وفي حين أقرُّ ميليشيا الحوثي في الرؤية الوطنية مجموعة مِن البنود والتوجيهات المتعلِّقة بالحقوق، لم يلبثوا أن شطبوها بشكل تلقائي في مدوَّنة السلوك الوظيفي التي كانت قد أكَّدت مِن جانبها على أنَّ الرؤية الوطنية نفسها ضمن مرجعيَّاتها، مِن ذلك على سبيل المثال الحقوق التالية الواردة في الرؤية الوطنية والتي تجاهلتها المدوَّنة:

1. في جانب الحقوق والحرِّيات والإعلام :

-تعزيز قيم المواطنة وثقافة الولاء الوطني، ومبادئ حقوق الإنسان وقيم العدالة وسيادة القانون والمساواة وعدم التمييز.

2. في الهويَّة والثقافة :

- ترسيخ الهويَّة الوطنية الواحدة الشاملة والجامعة لكافَّة مكوِّنات المجتمع، كأساس لبناء الدولة اليمنية الحديثة.

3. في المنظومة الرقابية :

-تعزيز الرقابة المجتمعية على أداء مؤسَّسات الدولة والخدمات عبر آليَّات منظَّمة وواضحة.

4. في العدالة الاجتماعية :

-إصلاح هيكل الأجور واعتماد مفهوم الدخل بدلًا مِن الأجر أو الراتب، أي الأخذ في الاعتبار البدلات والمكافآت والحوافز، وليس الراتب الأساسي.

5. في الخدمة المدنية :

-تطوير نظام الأجور والمرتَّبات بما يتلاءم والمتغيِّرات الاقتصادية.

-وضع وإقرار رؤية شاملة لمواجهة مشكلة تعثُّر صرف المرتَّبات في ظلِّ العدوان.

6.في الحكم الرشيد :

-تطوير وتعميم برنامج متكامل حول الممارسات السلوكية لمبادئ الحكم الرشيد لموظَّفي الدولة.

-تعزيز الرقابة المجتمعية على أداء مؤسَّسات الدولة والخدمات عبر آليَّات منظَّمة وواضحة.

-تمكين المجتمع المدني مِن الرقابة والتقييم لممارسة أجهزة الدولة والحكومة لمبادئ الحكم الرشيد.

-تحسين درجة النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد.

وهكذا سلبت المدوَّنة مِن الموظَّفين حقوق المواطنة والعدالة وسيادة القانون والمساواة وعدم التمييز، كما أكَّدتها الرؤية الوطنية، وأرهقتهم بمزيد مِن الأعباء دون أدنى اعتبار لتلك الرؤية والدستور؛ ونسفت كلَّ ما أقرَّته الرؤية الوطنية بشأن الممارسات السلوكية لمبادئ الحكم الرشيد لموظَّفي الدولة، وحظرت عليهم ممارسة دورهم في مكافحة الفساد والرقابة وتقييم أداء أجهزة الدولة، معتبرة أنَّ فضح أو تسريب أيَّ وثيقة عن الفساد يُعدُّ إخلالًا بالوظيفة يتمُّ محاسبة فاعله، كما حرمتهم مِن الراتب وجميع حقوقهم المستحقَّة وفق الدستور وقانون الخدمة المدنية، وجعلت مِنهم قطيعًا يساق بلا اختيار، ويعمل بلا مقابل، وينفِّذ بلا اعتراض.

الأهداف «المركزية» في مدوَّنة السلوك الوظيفي:

طبقًا لرئيس المجلس السياسي الأعلى، التابع لميليشيا الحوثي، مهدي المشَّاط، فإنَّ المدوَّنة لأجل الارتقاء والأداء المتميِّز لرجل الدولة، وتصحيح مفهوم الوظيفة العامَّة باعتبارها مسئولية لخدمة الناس في المقام الأوَّل، وينظر إليها نظرة مقدَّسة، أخلاقية ودينية وقيمية وإنسانية . تلك هي الأهداف المعلنة مِن قبل واضعي المدوَّنة، التي لا تتَّسق ومضمونها كسائر الوثائق الحوثية الأخرى التي تنصُّ على قضايا وتعمل بخلافها. ومِن خلال تحليل محتوى المدوَّنة تحليلًا فاحصًا يمكن الخروج بجملة مِن الأهداف المركزية التي تأتي ضمن منظومة الأهداف الإستراتيجية لكلِّ الوثائق والرؤى الحوثية المكمِّلة لبعضها، بدءًا مِن الوثيقة الفكرية إلى وثيقة الشرف القبلية إلى الرؤية الوطنية لبناء الدولة، وصولًا إلى مدوَّنة السلوك الوظيفي، وليس آخرها ورقة التعليم، التالية، ثمَّ رؤية «الهويَّة الإيمانية» المتوقَّع صدورها في أيِّ لحظة في سياق البرامج والخطط الحوثية التي بشَّر بها «المشَّاط».

وأهم أهداف المدوَّنة -مِن وجهة نظر الباحث- تتلخَّص في أربعة أمور مركزية أساسية، هي:

(1) تكريس الهويَّة الإيمانية (الحوثية) كبديل عن الهويَّة الوطنية.

(2) إلغاء المرجعيَّات الجمهورية، وإحلال مرجعيَّات طائفية مكانها.

(3) تجريف بنية الدولة اليمنية، وبناء دولة الطائفة على أنقاضها.

(4) إلغاء التعدُّد المذهبي والفكري والسياسي لصالح واحدية التوجُّه فكريًّا ومذهبيًّا وسياسيًّا.

وسوف نناقش كلَّ هدف على حدة، مِن خلال نصوص المدوَّنة ومقارنتها بنصوص وثائق أخرى أكَّدت المدوَّنة نفسها أنَّها تمثِّل مرجعيَّتها القانونية.

1. تكريس الهويَّة الإيمانية (الحوثية) كبديل للهويَّة الوطنية:

مع ظهور الحوثيين على الساحة اليمنية وهناك هويَّتان تتصارعان، هويَّة ميليشيا الحوثي التي تطلق عليها مسمَّى «الهويَّة الإيمانية»، ولا تخلو مِنها الوثائق والرؤى الحوثية، والهوية اليمنية الوطنية التي تعبِّر عن قيم ومبادئ وثقافة وحضارة وعقيدة معظم اليمنيين. فماذا يعني الحوثيون بما يسمُّونه «الهويَّة الإيمانية»؟

«الهويَّة الإيمانية» هي الشغل الشاغل للحوثيِّين، ومحور اهتمامهم ومدار تفكيرهم، وهي مشروعهم ووسيلتهم وغايتهم في آن واحد. إنَّها كلمة السر في مشروع الحوثيين، ونجاحهم فيه يعتمد بشكل أساس على نجاحهم فيها. وهي تختزل المشروع الحوثي بكلِّ أبعاده السياسية والدينية. وعندما ستستوطن «الهويَّة الايمانية» الحوثية وتستقر، سيثبت معها المشروع الحوثي ويستقر، ويجد أسباب حياته وبقائه، وفي حال لم تجد لها مكانًا في عقول وقلوب اليمنيين لن يجد مشروعهم مكانًا على أرض اليمن.

و»الهوية الإيمانية» هي معتقدات الحوثيين المذهبية والفكرية والسياسية، التي تشرعن لهم مزاعم الحقِّ الإلهي في الحكم، باسم «الولاية»، وتمنحهم تفوُّقًا عرقيًّا باسم «آل البيت»، وتفضِّلهم على الناس وتميِّزهم بدعوى «الاصطفاء». إنَّها تعبير ديني كثيف، مثقل بأحمال مذهبية وسلالية وطائفية، يراد ترسيخها كعقيدة يحاكمون الناس إليها، ويحكمون عليهم مِن خلالها. وقد حرصت مدوَّنة السلوك الوظيفي على الإشارة إليها في أكثر مِن موضع مِن الوثيقة لتعزيز الفكرة وتمريرها ضمن مدوَّنة وظيفية مِن المفترض ألَّا شأن لها بمثل هذه المفاهيم الطائفية.

وقد جاءت الإشارة الأولى للهوية في مقدِّمة المدوَّنة، التي كتبت باسم مهدي المشَّاط، مؤكِّدًا فيها أنَّ إطلاق العمل بمدوَّنة السلوك الوظيفي يأتي «اعتزازًا بهويَّتنا الإيمانية» . ثمَّ جاء ذكرها في تعريف المدوَّنة بأنَّها «مجموعة مِن المبادئ، والقيم، والقواعد السلوكية، والأخلاقية، والمهنيَّة، المنبثقة مِن هويِّتنا الإيمانية» . ثمَّ تكرَّرت في الأهداف: « تعزيز، وتقوية روح الولاء لله عزَّ وجلَّ، ولرسوله، مِن خلال بناء الهويَّة الإيمانية لموظَّفي الدولة» . ومرَّة أخرى يُعاد ذكرها في الإطار المرجعي للمدوَّنة، وهي السادس في ترتيب المرجعيَّات: «الهوية الإيمانية، والآداب والأخلاق الإسلامية» . وأخيرًا جاءت في التزامات وحدات الخدمة العامَّة تجاه المجتمع: «العمل مع بقيَّة الجهات على تفعيل البرامج والأنشطة التي تحافظ على الهويَّة الإيمانية» .

لكن ماهي النتائج المترتِّبة على هذه التعبئة الدينية تحت لافتة «الهويَّة الإيمانية»؟ وماذا ينتظر الحوثيون مِن موظَّفي الدولة بعد إقناعهم بهذه القضيَّة وغسل أدمغتهم بها؟ تجيب المدوَّنة نفسها على هذا التساؤل مِن خلال الإشارة إلى أنَّ المسئوليَّات الملقاة على عاتق الموظَّفين في وحدات الخدمة العامة -بعد أن يكونوا قد تشرَّبوا مفاهيم الهويَّة الإيمانية- تتلخَّص في التالي :

1-تبنِّي المواقف الواضحة مِن أعداء البلد والأمَّة، والاشتراك بفاعلية في أنشطة التعبئة العامَّة.

2-الالتزام بمبدأ الولاية لله عزَّ وجلَّ ورسوله والذين آمنوا، وذلك بالاتِّباع الصادق والعملي في الموقف والنظرة والتوجُّه.

3-السعي المستمر للارتقاء الإيماني مِن خلال التفاعل الجاد مع الدورات الثقافية والبرامج التربوية.

ويعني ذلك باختصار خلع الهويَّة الوطنية اليمنية وارتداء الهوية الحوثية الطائفية، وإعلان الولاء المطلق لزعيم الميليشيات ، علم الهدى وقرين القرآن، كحاكم أوحد يمتلك البلاد والعباد. وهكذا يتمُّ دمج فئة كبيرة مِن الشعب في مشروع «الهويَّة الإيمانية»، لا كمواطنين بل كرعايا في قطيع الأتباع. وتصبح «فكرة الولاية لزعيم الحركة عبدالملك الحوثي عودة إلى الله وتصحيحًا لمسار الإيمان» . والذين يرون خلاف ذلك، ويشنُّون هجومهم على المدونة «مشكلتهم مع الله، وتوجيهاته، وليست مع أنصار الله» ، بحسب ضيف الله الشامي، وزير إعلام حكومة صنعاء التابعة لميليشيا الحوثي.

ونجد أنَّ غايات فرض «الهويَّة الإيمانية» تكمن «في السعي لإذابة الهويَّة الوطنية التي تكوَّنت خلال العقود الماضية وارتبطت بالنظام الجمهوري، وفكرة حكم الشعب نفسه بنفسه، وغيرها مِن الحقوق السياسية، التي صارت في الواقع جزءًا مِن الماضي مع الحوثيين، وبات هناك فراغ كبير في التثقيف السياسي يسعى الحوثيون لملئه مِن خلال هذه المدوَّنات والوثائق التي تسعى لإحلال ما يُسمَّى (الهوية الإيمانية) محلَّ الهويَّة الوطنية، وتصبح فكرة الولاية المرتبطة بوصية دينية بديلًا للنظام الجمهوري المرتبط بإرادة الشعب» .

2. إلغاء المرجعيَّات الجمهورية وإحلال مرجعيَّات طائفية مكانها:

كانت الرؤية الوطنية لبناء الدولة قد وضعت الإسلام والجمهورية ضمن مبادئها العامَّة، والدستور ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني ورؤى الأحزاب ضمن مرجعيَّاتها، غير أنَّه لم يصح مِن ذلك كلِّه سوى مرجعيَّة «الهوية الإيمانية»، التي كانت واحدة مِن المبادئ العامَّة للرؤية، بيد أنَّها كانت المرجعية الوحيدة في حقيقة الأمر. وبالمثل، عمدت مدوَّنة السلوك الوظيفي إلى الشيء نفسه، فذكرت أنَّ مرتكزاتها الأساسية هي القرآن والهدي النبوي، وأنَّ مرجعيَّاتها الدستور اليمني والقوانين والأنظمة ذات

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
كيف تحوّلت مؤسسات صنعاء إلى “فقَّاسة صراع” الأجنحة داخل جماعة الحوثي؟ (تحقيق حصري)

حوّل خلاف موالين لجناحين (متشددين) متعارضين داخل جماعة الحوثي المسلحة “جلسة مقيّل” خاصة- بالعاصمة اليمنية صنعاء خلال عيد الأضحى المبارك- إلى توتر كاد يوصل إلى “اقتتال” في “مجلس” مليء بالأسلحة والقنابل ا مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
الدكتور محمد سالم الغامدي لـ (أخبار اليوم) الحاجة لتعديل تقومينا الهجري تأتي من ضرورة ضمان دقة توقيت الشرعية السماوية

قال الكاتب الصحفي السعودي الدكتور محمد سالم الغامدي، إن التعديل للتوافق مع حركة الأبراج والفصول لضمان أن يكون العالم الإسلامي متناسيا تماما مع الظواهر الفلكية المحددة. وأكد الغامدي في حوار خاص أجرته (أخبار اليوم) إن هذا مشاهدة المزيد