مشروع الحوثيين في إحياء الإمامة وتغيير الهوية قراءة سياسية في 5 وثائق حوثية (حلقة 6)

2024-07-02 11:12:06 أخبار اليوم / مركز المخا للدراسات الاستراتيجية

    

وبالعودة إلى مدوَّنة السلوك الوظيفي ومرجعيَّاتها الأساسية، نجد أنَّها كانت أكثر وضوحًا في تحديد ملامح وأطر مرجعيَّتها القانونية «المذهبية» الطائفية التي تمثَّلت في عهد الإمام علي، ومحاضرات حسين وعبدالملك الحوثي، و»الهويَّة الإيمانية» التي أشرنا قبلُ إلى جذورها المذهبية. تلك هي منظومة المرجعية الحوثية لبناء الدولة الجديدة بمواصفاتها المذهبية الجارودية التي يعملون على إحيائها في أوساط اليمنيين عبر تلك الوثائق بما تحمله مِن طائفيَّة وعنصرية وتعال عرقي، لتحلَّ محلَّ المرجعية الدستورية للنظام الجمهوري الذي يجري تقويضه مِن الداخل بعمل دؤوب ومنظَّم ومنهجية مدروسة. وهذا تحديدًا ما أكَّده عضو المجلس السياسي الأعلى، التابع لميليشيا الحوثي، صالح هبرة بقوله: «إنَّ الغرض مِن (الهويَّة الإيمانية) القضاء على الدستور ومرجعيَّته، واستبداله بمرجعية أخرى، ومِن (مدوَّنة السلوك الوظيفي) القضاء على قوانين السلطة المحلِّية ومعايير التوظيف السابقة، ليتسنَّى لنا توظيف مَن نريدهم مِن أتباعنا، وفصل مَن لا نريد، كما أنَّ هذه (المدوَّنة) بمثابة إعلان الوداع، وآخر مسمار في نعش النظام الجمهوري، وهو ما كنَّا منذ البداية نعمل على تحقيقه، فلم يبق مِن الجمهورية سوى (العلم والطير والنشيد الوطني)، وقريبًا سيتمُّ تغييرها، وهكذا طبيعة الحكم الفردي وسلطة المذهب؛ لأنَّه لا يمكن قيام حكم فردي بآلية نظام جمهوري» .

3. تجريف بنية الدولة اليمنية وبناء دولة الطائفة على أنقاضها:

تسعى ميليشيا الحوثي لتجريف بنية الدولة اليمنية، وإعادتها قرونًا للوراء، وشطب كلِّ ما حقَّقه اليمنيون خلال العقود الماضية مِن إنجازات، على صعيد بناء الدولة وإرساء الحقوق والحرِّيات العامَّة والنهج الديمقراطي التعدُّدي. وتجهد الميليشيات لتقويض النظام الجمهوري، وبناء دولة الإمامة الطائفية السلالية مكانه؛ وهي تسير في هذا المشروع والمخطَّط عبر العديد مِن الوسائل، مِن أبرزها: (أ) تغيير الولاء الوطني، (ب) تغيير اللوائح والأنظمة، (ج) إنشاء الكيانات الموازية.

وبالعودة إلى مدوَّنة السلوك الوظيفي نجدها تسهم بنصيب وافر مِن النصوص والتوجيهات المتعلِّقة بتغيير الولاء الوطني وتقويض مبدأ الانتماء للنظام الجمهوري، وإحلال مفهوم الولاء لأولياء الله أعلام الهدى وقرناء القرآن (وهم الحوثيون) والسير في ركابهم، كما سنرى.

(أ) تغيير الولاء الوطني:

في هذا الجانب شدَّدت المدوَّنة في باب المسئوليات العامَّة للموظَّفين على التالي :

- تبني المواقف الواضحة مِن أعداء البلد والأمَّة والاشتراك بفاعلية في أنشطة التعبئة العامَّة.

- الالتزام بمبدأ الولاية لله عزَّ وجل ورسوله والذين آمنوا، وذلك بالاتِّباع الصادق والعملي في الموقف والنظرة والتوجُّه.

- السعي المستمر للارتقاء الإيماني مِن خلال التفاعل الجاد مع الدورات الثقافية والبرامج التربوية.

وفي باب المسئوليات والواجبات أكَّدت على :

- التربية الإيمانية والاهتمام بالبناء والتأهيل الثقافي والعلمي والعملي للموظفين، والتزكية النفسية والتقويم السلوكي.

كلُّ تلك الموجِّهات هدفها سلخ الموظف/ المواطن اليمني مِن ولائه الوطني لدولته ونظامه الجمهوري، بما يحمله مِن مفهوم دولة المواطنة المتساوية، إلى مفاهيم وولاءات مناقضة لها، تؤسِّس لدولة دينية (إمامية/ حوثية) تحتكر لنفسها كلَّ الحقوق وتلزم رعاياها بكلِّ الواجبات.

وفي النقطة التالية المتعلِّقة بتغيير اللوائح والأنظمة فإنَّ مدوَّنة السلوك، وقبلها رؤية بناء الدولة، وما سيصدر لاحقًا عن ميليشيا الحوثي مِن وثائق ولوائح، جميعها تصبُّ في خدمة هدف إستراتيجي رئيس هو تقويض الدولة اليمنية مِن داخلها عبر نسف وتهميش تشريعاتها وإحلال تشريعات بديلة مكانها.

(ب) تغيير اللوائح والأنظمة:

أحد طرقهم في تقويض بنية الدولة استبدال الأنظمة واللوائح والقوانين والمرجعيَّات الدستورية للدولة بأخرى حوثية تحلُّ محلَّها، وتكتسب القانونية والشرعية مِن خلال التطبيق الصارم لها ومعاقبة مخالفيها. وفي هذا الاتِّجاه أكَّدت المدوَّنة على ضرورة «الامتثال والاحترام للقوانين، وتنفيذ الأنظمة واللوائح، دون أيِّ تجاوز أو مخالفة أو إهمال» . وهكذا يتَّبع الحوثيون سياسة الإحلال التدريجي لقوانينهم ولوائحهم في مؤسَّسات الدولة لإزاحة القوانين والأنظمة واللوائح الرسمية المعمول بها في إدارة الدولة، كجزء مِن مخطَّط تقويضها مِن الداخل، وتدمير بنيتها التشريعية التي تقوم عليها، وإفراغها مِن مقوِّمات وجودها، بما فيها الإقصاء الممنهج لمرجعيَّتها الدستورية العليا.

(ج) إنشاء الكيانات الموازية:

الطريق الثالث الذي يسلكه الحوثيون في تقويض بنية الدولة يتَّخذ أسلوب بناء كيانات حوثية موازية وبديلة لمؤسَّسات الدولة، تُقصيها وتقوم بعملها. وكانت ما تُعرف بـ»اللجان الثورية: هي النواة الأولى لإنشاء وتأسيس هذه الكيانات الموازية التي عشعشت وفرَّخت. ومِن تلك الكيانات المؤسَّسة العامة للصناعات الكهربائية والطاقة المتجدِّدة، واللجنة التأسيسية للشبكة الوطنية للتكافل الاجتماعي، والهيئة الوطنية لإدارة وتنسيق الشئون الإنسانية ومواجهة الكوارث، والمجلس الاقتصادي الأعلى. وهي كيانات ذات طابع اقتصادي بغرض الجباية.

وهناك كيانات أخرى ذات طابع أمني وتجسُّسي على المواطنين، مثل المركز الوطني لبناء القدرات ودعم اتِّخاذ القرار، والمركز الوطني للتحكيم والتسوية في المنازعات الناشئة عن تطبيق أحكام القوانين الخاصَّة، وهيئة رفع المظالم، والهيئة العامة لشئون القبائل، إضافة إلى جهازي الأمن والمخابرات، والأمن الوقائي .

كما أنشأ الحوثيون ما يُسمَّى بالهيئة العامة للأوقاف لتقوم بمهام وزارة الأوقاف، ومجلس إدارة الشئون الإنسانية وهو كيان يُشرف على مهام وزارتي الشئون الاجتماعية والتخطيط، ويُلغي اختصاصاتها، ويجعل التعامل مع المنظَّمات المحلِّية والدولية مِن مهامه فقط. إضافة إلى ما يُسمَّى بالهيئة العدلية لتحلَّ بدلًا عن وزارة العدل والقضاء الأعلى.

وعلى الجانب الاقتصادي يذكر خبراء اقتصاديون أنَّ ميليشيا الحوثي بدأت منذ سيطرتها على مؤسَّسات الدولة في 21 سبتمبر 2014م، بتنفيذ خطَّة منظَّمة مِن أجل «القضاء على مؤسَّسات الدولة التي كانت عنوانًا للنظام الجمهوري، واستبدال مسمَّيات أخرى بها، لطمس تاريخ اليمن الجمهوري بتدمير مؤسَّساته، وإنشاء اقتصاد طفيلي، يقتصر على النخبة الحاكمة المنتمية إلى سلالة تسيطر على صنعاء والمحافظات المجاورة، وتسخيرها لتحقيق أهداف ذات أبعاد طائفية ومذهبية وتشطيرية، في سياق ممنهج لتقويض مفهوم الدولة اليمنية وأنظمتها القانونية والإدارية» .

4. إلغاء التعدُّد المذهبي والفكري والسياسي لصالح واحدية التوجُّه:

تعدُّ المدوَّنة أداة تطهير، وآلية إضافية للقضاء على مَن تبقَّى مِن معارضي ميليشيا الحوثي داخل المؤسَّسات الحكومية، وإقصائهم مِنها عبر فرضها عليهم بالقوَّة ووضعهم أمام خيارات صعبة، فإمَّا القبول بالتبعية والانخراط في المشروع الحوثي أو ترك الوظيفة. فالمشروع الحوثي لا يقبل التعدُّد السياسي والتنوُّع المذهبي والفكري.

ومرَّة أخرى، فإنَّ مدوَّنة السلوك الوظيفي أخذت باليمين ما أعطته الرؤية الوطنية بالشمال مِن حقوق في التعدُّدية والحرِّيات العامَّة، وهو ما يكشف زيف دعاوى الميليشيات مِن أساسها في كل ما يروِّجون له مِن حقوق دينية وسياسية في وثائقهم. وبالعودة إلى المدوَّنة نجدها ضيَّقت على المعارضين، وألزمتهم بما لا يلزمهم به الدستور، فذهبت في الأحكام الختامية إلى فرض نفسها قسرًا وإلزام جميع الموظَّفين بتوقيعها، والعمل بمحتواها، واعتبارها المعيار الوحيد لتقييم أداء الموظَّف، فنصَّت على:

- تعدُّ مدوَّنة السلوك ميثاق عمل ملزم، ويجب على كلِّ موظَّف في وحدات الخدمة العامَّة الاطلاع عليها والتعهُّد بالالتزام بها.

- على قيادات ومدراء ورؤساء الأعمال تحمُّل مسئولية متابعة موظَّفيهم، والتأكُّد مِن مستوى التزامهم بالقواعد والسلوكيات الواردة في هذه المدوَّنة، واعتبار الالتزام ببنود المدوَّنة جزءًا مِن التقييم الوظيفي.

-يجب على كلِّ موظَّف عام توقيع تعهُّد بالالتزام بهذه المدوَّنة، ويتمُّ الاحتفاظ بنسخة مِن التعهُّد في ملفِّه الوظيفي.

وفي ضمانات تطبيق المدوَّنة شدَّدت على ضرورة تعميم المدوَّنة على جميع منتسبي وحدات الخدمة العامَّة، وعقد الدورات واللِّقاءات للتعريف بأهدافها ومقاصدها، وأهميَّة وضرورة الالتزام بأحكامها. وهو ما يعني أنَّ «إلزام الموظَّف بحضور الدورات الثقافية مِن شأنه جعل المعتقدات الدينية التي تتبنَّاها الأقلية الكبيرة (الحوثية) عقيدة كلِّ أطياف المجتمع، بالإضافة إلى صهر الاتِّجاهات السياسية المتعدِّدة للموظَّفين في اتِّجاه سياسي واحد» .

ومِن خلال تلك النصوص صادرت مدوَّنة السلوك الوظيفي حرِّية الاختيار لصالح خيار واحد هو ما يُمليه الحوثيون ويسعون لتكريسه، وخنقت أيَّ توجُّه لتعدُّد الآراء والمواقف السياسية، لتصوغ توجُّهًا وفكرًا واحدًا لا يعترف بالآخر ولا بحقِّه في ممارسة ما يؤمن به. وكلُّ تلك الإجراءات التعسُّفية التي أقرَّتها المدوَّنة تناقض ما جاء في الرؤية الوطنية لبناء الدولة حول ضرورة فسح المجال أمام «تعزيز المشاركة السياسية، وإتاحة المناخ الديمقراطي للتعدُّدية السياسية والعمل الحزبي وفقًا للدستور والقوانين المنظِّمة والمصلحة الوطنية العليا» . وتنسف ما جاء في الرؤية عن المصالحة الوطنية والحلِّ السياسي، و»السعي لاستئناف العملية السياسية، وتحقيق السلام العادل الذي يحفظ للشعب اليمني كرامته وسيادته واستقلاله ووحدته، وتهيئة الظروف المناسبة للحوار والمصالحة الوطنية الشاملة» . وتشطب ما أكَّدت عليه الرؤية بشأن التماسك المجتمعي والتنمية المجتمعية و»الاستفادة مِن التنوُّع الثقافي كوسيلة للتماسك الاجتماعي المرتكز على قيم التعايش والتسامح وتقبل الآخر» .

ولا تسمح المدوَّنة بأيِّ فرصة للتعدُّد والتنوُّع والاختلاف في الرأي ضمن عملية سياسية تشاركية، ولا تساعد في إحياء قيم التعايش والتسامح والقبول بالآخر، ما يُنبئ بعدم صدقية دعوى المصالحة التي أطلقتها الرؤية الوطنية مِن قبل، وهو ما يؤكِّد طابعها الدعائي الاستهلاكي، في حين يسارعون بنصوص المدوَّنة نحو التنفيذ كونها تقع في صلب المشروع الحوثي في احتواء الدولة وقواها العاملة.

ولا تمثِّل المدوَّنة سوى النزر اليسير مِن ممارسات الحوثيين اليومية باتِّجاه إضعاف الدولة ومحاصرتها ومحاولة تقويضها مِن الداخل لبناء نظام سياسي جديد على أنقاضها، نظام له هويَّته ومرجعيَّاته وعقيدته الخاصَّة، يحاول النهوض مِن بين ركام التاريخ ملطَّخًا بنزعة العلو والقداسة، ومدفوعًا بأحقاد الإمامة وعنصريتها. 

خامسًا: وثيقة «التعليم في اليمن.. الواقع والتطلُّعات»:

تحمل هذه الوثيقة وسم «التعليم في اليمن.. الواقع والتطلُّعات، التحدِّيات والمعالجات المقترحة» . وهي مِن إصدار مكتب وزير التربية والتعليم في حكومة صنعاء، التابعة لميليشيا الحوثي، يحيى الحوثي. وهي بدون تاريخ إصدار، لكنَّ وكالة سبأ بنسختها الحوثية أعلنت عنها في خبر لها نشرته في 23 أكتوبر 2022م. وجاء في مقدِّمة الوثيقة أنَّها «مراجعة علمية، وتقرير تجميعي لإعطاء صورة تقريبية عن التعليم في اليمن، للوقوف على مشكلاته، والخروج بتصوُّر مدروس لأهمِّ المعالجات التي تبدو ماثلة أمام الواقع التربوي والتعليمي في الوطن» .

بدأت الورقة (الوثيقة) باستهلال طويل، هو عبارة عن سرد تاريخي لمراحل تطوُّر التعليم في اليمن، وهو منقول في الأساس مِن أوراق سابقة جاهزة موجودة في أرشيف وزارة التربية والتعليم قبل الانقلاب الحوثي، مع وجود تعديلات طفيفة، لكنَّ الفريق الذي أعدَّ ورقة الحوثيين حرص على إيراد مراحل تطوُّر التعليم في اليمن للإيحاء بأنَّ ثمَّة عملًا جبَّارًا قدَّمته الوزارة ينسف كلَّ ما سبق، وأنَّ ثمَّة خطَّة عملية جادَّة لتطوير التعليم في مناطق سيطرتها، والهدف الحقيقي مِن ذلك هو التغطية على التوصيات أو الملاحق التي وردت في نهاية الورقة، لإدانة النظام التعليمي في العهد الجمهوري، والتبشير بمرحلة جديدة مِن التعليم الذي لن يكون سوى تعبئة قتاليَّة ومحاولة لتطييف الجيل الجديد وتسميمه بسموم الطائفية والسلالية وثقافة القتل والعنف والإرهاب. فالمليشيَّات الانقلابية صنعت مناهج مفخَّخة، واتَّخذت مِن المدارس محاضن طائفية، وحوَّلتها إلى وسيلة لاستقطاب الطلَّاب إلى التجنيد، وتدريبهم، لرفد جبهاتها القتالية.

لقد جرى الوقوف مليًّا أمام ورقة (وثيقة) التعليم هذه لاعتماد طريقة للدخول إليها ومناقشة محتواها وتفكيك نصوصها والكشف عن أهدافها، فكان مِن المفيد مناقشتها ضمن سياستها التعليمية التي تحملها، ومحاكمتها إليها، فالتعليم مِن حيث هو سياسة ضمن سياسات الدولة، هدفه إيجاد الشخصيَّة المتوازنة التي تنسجم مع تطلُّعات الذات والمجتمع والأمَّة، وكذا الارتقاء بالبلد علميًّا ليعتمد على نفسه في بناء قدراته. وهذا بطبيعة الحال يحتِّم علينا معرفة ماهيَّة السياسة التعليمية لوثيقة التعليم التي نحن بصددها، ومدى تطابقها مع الواقع. وهذا يُلزمنا أوَّلًا إعطاء نبذه تعريفيه عن مفهوم السياسة التعليمية، وما يحمله مِن أبعاد ومضامين، كمدخل مهم لمناقشة الورقة.

مفهوم السياسة التعليمية:

السياسة التعليمية تعدُّ جزءًا أساسيًّا مِن السياسة العامَّة لأيِّ دولة، حيث أنَّها تؤثِّر فيها وتتأثَّر بها. وهي تعني تحديد الإطار العام للمراحل التعليمية، والأهداف التي تتعلَّق بكلِّ مرحلة، والخطط والقوانين والبرامج والقواعد التي تسيِّر بناء العمليَّة التعليميَّة، إذ تدلُّ على مجموعة المبادئ التي ينهض التعليم بالاعتماد عليها، كما تحدِّد فلسفته وإطاره وأهدافه ونظمه. وتشكِّل السياسة التعليمية الأساس الذي يحقِّق للمجتمع التنمية وتحديث بنيته التحتية، وذلك مِن خلال تنمية العقول وتربية الأفراد وتنمية مهاراتهم وزيادة كفاءاتهم، وتهذيب سلوكهم وممارساتهم .

وبناءً عليه، تعدُّ السياسة التعليمية الأساس الذي يحدِّد مستقبل التربية والتعليم للمجتمع. ويقاس تقدُّم الأمم بنظامها التعليمي، بعد أن أصبح التعليم قضيَّة أمن قومي، لا سيَّما حين أشارت معظم الدراسات إلى أنَّ أغلب مشاكل النظام التعليمي تعود إلى عدم استقرار السياسات التعليمية، فضلًا عن وجود فجوة بين النظرية والتطبيق في مجال السياسة التعليمية، ومِن هنا ظهرت الحاجة إلى إيجاد آليَّات جديدة لصياغة السياسات التعليمية.

إنَّ السياسة التعليمية جزء مِن السياسة العامَّة للدولة، والتي تعبِّر عن أهدافها العامَّة، وبما أنَّ لكلِّ ميدان سياسته فإنَّ للتعليم ومؤسَّساته سياسة خاصَّة لإدارة شئون التعليم في شتَّى جوانبه؛ لأنَّ التعليم يستمدُّ قوَّته وقوَّة مخرجاته مِن انطلاقه مِن سياسة تعليمية ثابته، تساعد على دعم القرارات والخطط والبرامج التربوية التي تساهم في تطوير العملية التعليمية والتربوية، الأمر الذي ينعكس بالأخير على تطوير المجتمع والأفراد مِن خلال اكتساب المهارات والقيم والمعارف التي تساعدهم على تطوير أنفسهم وبناء مجتمعهم. وهذا يعني أنَّ السياسات التربوية مِن أهمِّ متطلَّبات التخطيط لنمو البلدان وتطوُّرها، فضلًا عن دورها في التنمية والتدريب والتعليم للمخرجات البشرية المؤهَّلة في كافَّة المجالات العلمية والثقافية والاجتماعية والتربوية والعسكرية.. التي يحتاجها المجتمع في تحقيق التقدُّم والرخاء الذي يُسهم في التطوير في كافَّة المجالات .

السياسة التعليمية لوثيقة «التعليم في اليمن»:

بناء على ما تقدَّم، نناقش هذا الموضوع مِن جانبين متلازمين؛ الأوَّل التعرُّف على ماهيَّة السياسة التعليمية لورقة التعليم ومقارنتها بالمفهوم نفسه في القانون اليمني، رقم (45) لسنة 1992م، بشأن القانون العام للتربية والتعليم، لنعرف الفرق بين السياستين، وأيُّهما أقرب إلى الواقع اليمني وأكثر تعبيرًا عنه؛ والثاني مناقشة أبعاد ومضامين السياسة التعليمة لهذه الورقة، وهي: المضامين التعليمية، والعقائدية، والسياسية، ومِن ثمَّ محاولة تحديد توجُّهها وكشف أهدافها مِن خلال مضامينها تلك. وفي السياق، فقد أوصت ورقة (وثيقة) التعليم أن تكون السياسة التعليمية في اليمن وفلسفتها على النحو التالي:

«كما نرى -في ضوء ما تقدَّم- أن تتضمَّن الغايات العامَّة للسياسة التعليمية في اليمن وفلسفتها المبادئ الآتية: مبدأ العبودية لله بمعناها الشامل والواسع، والتحرُّك بالقرآن في مسارات عمليَّة، والولاية لله ورسوله والمؤمنين بمعناها الامتدادي، والتقيُّد بالمسئولية، والعمل في إطار الأمَّة الواحدة، ومعرفة أبعاد الصراع مع أعداء الأمَّة، وطبيعة ذلك الصراع، وسبل مواجهته، وردم الفجوة بين الأهداف العامَّة وآليَّات تنفيذها في المنظومة التعليمية، ويكون ذلك مِن خلال المراجعة الواعية مِن ذوي الاختصاص» . وهنا نجد الوثيقة تلخِّص المشروع الحوثي بمفرداته المعروفة «المسيرة القرآنية»، «الولاية»، «الصرخة في وجه المستكبرين». ولم تكتف بذلك، بل كانت أكثر وضوحًا في تحديد مصدر السياسة التعليمية الجديدة بالقول: «مِن أهمِّ ما يدعو إلى التطوير العام، والمواكبة للمتغيِّرات، بالنسبة للعملية التعليمية وفق منهج قرآني، وفي ضوء هدى الله -عزَّ وجلَّ، أن يبدأ الاختصاصيون في القراءة والتحليل للملازم (محاضرات حسين الحوثي) بحيث يتم الخروج برؤية تربوية واضحة وفق مرتكزات إيمانية» . أي أنَّ السياسة التعليمية الجديدة في اليمن ينبغي أن ترتكز على رؤية (فلسفة) تربوية يجري استخلاصها مِن محاضرات مؤسِّس الميليشيات، حسين الحوثي، لتكون بمثابة المرجعية والإطار النظري الناظم لها؛ وبذلك تكون قد ألغت كلَّ المرجعيات الوطنية -حتَّى الدينية مِنها، ونصَّبت حسين الحوثي مرجعيَّة وحيدة.

وإذا قارنَّا ذلك بما جاء في القانون العام للتربية والتعليم لسنة 1992م بشأن السياسة التعليمية وفلسفتها في الجمهورية اليمنية فسنجده ينصُّ في المادة (3) على ما يلي: «تنبثق فلسفة التربية وأهدافها في الجمهورية اليمنية مِن عقيدة الشعب الإسلامية، ودستور البلاد، ومِن تراثها العربي والإسلامي، ومِن أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر، ومِن رصيد الحركة الوطنية اليمنية وتجربتها، ومِن خصائص المتعلِّم وحاجة المجتمع» . وهنا يتَّضح الفارق بين سياسة الدولة وسياسة المليشيا، وعقلية الدولة وعقلية الميليشيات. في الدولة ونظامها الجمهوري ترتكز سياسة التعليم على مرجعيَّات النظام نفسه، وهي: عقيدة الشعب الإسلامية، الدستور، أهداف ثورتي سبتمبر وأكتوبر، رصيد الحركة الوطنية، التراث العربي والإسلامي، حاجة المجتمع.، ولا وجود للأثر الشخصي أو الطائفي أو المذهبي في تلك المرجعيَّات؛ في حين تستند مرجعية التعليم عند ميليشيا الحوثي على شخص حسين الحوثي وحده.

الأبعاد الثلاثة لوثيقة التعليم:

مِن المعلوم أنَّ فلسفة التربية تتحقَّق في غاياتها التنفيذية، وهي انعكاس للفلسفة الاجتماعية لأيِّ شعب؛ والسياسة التعليمية هي جزء مِن السياسة العامَّة للدولة التي تعبِّر عن بعض أهدافها العامَّة. وفي هذا السياق نتوقَّع أن تحمل ورقة التعليم ثلاثة مضامين -أبعاد- تسير جنبًا إلى جنب في صوغ شخصية المتعلِّم، وبناء عقيدته، وصقل مهاراته، وفق السياسة التعليمية، وفي إطار السياسة العامَّة للدولة. وتلك المضامين والأبعاد هي:

-المضامين التعليمية.

-المضامين العقدية.

-المضامين السياسية.

فهل حقَّقت ورقة التعليم تلك المضامين كاملة؟ وبأيِّ اتِّجاه سارت في تحقيقها؟ هذا ما سنحاول تقصِّيه والكشف عنه مِن خلال مناقشتنا لمضامين «الوثيقة» الثلاث، كلًّا على حدة.

1. المضامين التعليمية لوثيقة التعليم:

المضامين التعليمية لورقة التعليم هي تلك التي ينبغي أن تستهدف بالتطوير ركائز العملية التعليمية الثلاث، وهي: المعلِّم، المتعلِّم، المنهج. وما يهمُّنا هنا -وما نروم التحقُّق مِنه- هو مدى حمل السياسة التعليمية لورقة التعليم مضامين تعليمية؟ بمعنى آخر.. هل عملت على تطوير المنظومة التعليمية بأركانها الثلاثة المتمثِّلة في المعلِّم والطالب والمنهج، وفق سياسة تعليمية وطنية ورؤية علمية؟ أم أنَّها نحت بعيدًا عن قضية التعليم، مكرِّسة أهدافًا لا تمتُّ للجانب الوطني والتعليمي بصله؟

(أ) ما يتعلَّق بالمعلم:

بعد شرح طويل لأوضاع المعلِّم والتعليم في اليمن، امتدَّ مِن صفحة 80 وحتَّى صفحة 92، واتِّهام ما يُسمَّى «العدوان» بوقوفه وراء انتكاسة وتعثُّر التعليم في اليمن، لم تقدِّم الوثيقة أيَّ برنامج عملي بخصوص إكساب المعلِّم مهارات تعليمية أو تطوير مهاراته الخاصَّة، كما لم تلتزم له بأيِّ حقوق أو واجبات، وبخاصَّة الراتب؛ ولم تُلزم حكومة صنعاء، التابعة لميليشيا الحوثي، بها، ولم تخاطبها بذلك، وكأنَّها غير معنيَّة بالأمر أساسًا. وأقصى ما قدَّمته للمعلِّم التوصية التالية: «وعليه.. فمِن المهمِّ أن يتمَّ الاعتناء بالمعلِّم لأنَّه أساس في تنفيذ المنهاج (المعلن والخفي)، وذلك مِن خلال: تحسين وضعه المعيشي، والبحث عن داعم له» . وما يلفت النظر في التوصية أنَّها لم تعترف للمعلِّم بحقِّ الراتب، وذهبت توصي بالبحث عن داعم له، وهو ما يخلي مسئولية الحوثيين مِن دفع رواتب المعلِّمين، ويحيل الأمر على جهات متبرِّعة. كما لفتت التوصية إلى أمر بالغ الخطورة وهو وجود منهج خفيٍّ إلى جانب المعلن، ما يعني أنَّ الحوثيين لا زالوا يخفون الكثير مِن جوانب منهجهم التعليمي الذي يسعون لفرضه على الجيل الجديد، وأنَّ ورقة التعليم هذه تناقش الجانب المعلن فقط مِن العملية التعليمية (الحوثية)، وأنَّ جانبها الخفي لم يكتمل ظهوره بعد بتفاصيله وأهدافه التي مِن المتوقَّع أن تكون أسوأ ممَّا هو حاصل الآن.

وثمَّة توصية أخرى في جانب العناية بالمعلِّم لفتت إليها «الوثيقة»، وهي «تعزيز الأبعاد الإيمانية والقيمية مِن خلال دروس ومحاضرات توعوية، جامعة ومعزِّزة لروح الأمَّة وهويَّتها» . وهذا يعني الزجَّ بالمعلِّمين في الدورات الثقافية للحوثيين، وتلقينهم مفاهيم «الهويَّة الإيمانية» الحوثية بصبغتها الطائفية السلالية كي يؤدُّوا رسالتهم التعليمية على ضوئها.

وبالعودة إلى موضوع حقوق المعلم الذي أغفلته الوثيقة تمامًا نجد أنَّ النظام الجمهوري لم يُغفل ذلك الحقَّ، فعلى سبيل المثال، يذكر القانون رقم (37) لسنة 1998م بشأن المعلِّم والمهن التعليمية حقوق ومزايا المعلِّم في (12) مادَّة، مِن القانون (مِن المادَّة 34 وحتَّى المادَّة 45)، وأهمُّها البدلات العامَّة التي تصل إلى عشرة حقوق. وعلى الرغم مِن أنَّ حكومة صنعاء، التابعة لميليشيا الحوثي، أقرَّت -في سبتمبر 2019م- قانونًا لدعم المعلِّم باسم «قانون صندوق دعم المعلِّم والتعليم» ، إلَّا أنَّ المعلِّم في مناطق سيطرتها لا يزال يعمل دون راتب، وذلك للسنة الثامنة على التوالي. ولم يقف الأمر عند هذا الحدِّ، بل لجأت حكومة صنعاء إلى تسريح أكثر مِن عشرين ألف معلِّم مِن وظائفهم، والاستحواذ على عائدات صندوقهم ، وإحلال عناصر موالية لها مكانهم. كما لاحقت المعلِّمين بمزيد مِن الانتهاكات؛ فقد كشف تقرير حقوقي لنقابة المعلِّمين اليمنيين عن توثيق 49 ألف انتهاك في قطاع التعليم ومنتسبيه، خلال الفترة مِن 24 أكتوبر 2014م وحتَّى 30 ديسمبر2021م، ارتكبتها ميليشيَّا الحوثي ، مِن بينها 1582 حالة قتل في أوساط التربويين، وتعرُّض أكثر مِن 2642 معلِّمًا لإصابات مختلفة، وتعرُّض 1173 معلِّمًا للاعتقال والاختطاف، بينهم قرابة 170 حالة إخفاء قسري، وتفجير 25 منزلًا لتربويين، وحجز ومصادرة قرابة 681 منزلًا لتربويين آخرين . ولنقارن ذلك بما يوليه القانون العام للتربية والتعليم (لسنة 1992م) مِن مظاهر الاحتفاء والتبجيل للمعلم، فيؤكِّد في المادَّة (47) على أن: «تتَّخذ الجهات المعنية الإجراءات الكفيلة بإبراز المكانة الاجتماعية التي توليها الدولة والمجتمع للمعلِّم، وتحدِّد حقوقه وواجباته» . فيما يؤكِّد القانون رقم (37) لسنة 1998م بشأن المعلِّم والمهن التعليمية في المادة (3) على :

- إيجاد كادر تربوي مؤهَّل ومتدرِّب على قدر كبير مِن الكفاءة والخلق والاقتدار، ويتمتَّع بثقة عالية في أداء رسالته النبيلة، ويجسِّد قدوة عملية صالحة بين الطلبة.

- تحقيق مكانة اجتماعية لائقة للعاملين في مهنة التعليم (ماديًّا ومعنويًّا).

- تحقيق الاستقرار النفسي والمهني والمعيشي للعاملين في التدريس.

(ب) ما يتعلَّق بالمتعلَّم/ الطالب:

في الوقت الذي نجد القانون، رقم (45) لسنة1992م، بشأن القانون العام للتر

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
كيف تحوّلت مؤسسات صنعاء إلى “فقَّاسة صراع” الأجنحة داخل جماعة الحوثي؟ (تحقيق حصري)

حوّل خلاف موالين لجناحين (متشددين) متعارضين داخل جماعة الحوثي المسلحة “جلسة مقيّل” خاصة- بالعاصمة اليمنية صنعاء خلال عيد الأضحى المبارك- إلى توتر كاد يوصل إلى “اقتتال” في “مجلس” مليء بالأسلحة والقنابل ا مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
الدكتور محمد سالم الغامدي لـ (أخبار اليوم) الحاجة لتعديل تقومينا الهجري تأتي من ضرورة ضمان دقة توقيت الشرعية السماوية

قال الكاتب الصحفي السعودي الدكتور محمد سالم الغامدي، إن التعديل للتوافق مع حركة الأبراج والفصول لضمان أن يكون العالم الإسلامي متناسيا تماما مع الظواهر الفلكية المحددة. وأكد الغامدي في حوار خاص أجرته (أخبار اليوم) إن هذا مشاهدة المزيد