مشروع الحوثيين في إحياء الإمامة وتغيير الهوية قراءة سياسية في 5 وثائق حوثية (حلقة 7)

2024-07-03 09:31:09 أخبار اليوم / مركز المخا للدراسات الاستراتيجية

    

(ج) ما يتعلَّق بالمنهج:

في موضوع المنهج أشارت الورقة إلى الجانب العلمي والنظري فيه مِن خلال بعض التوصيات، حيث جاء في الجانب الأوَّل مِنها ما يلي: «التأسيس لمشروع نهضوي لبناء الأمَّة، والعناية بأسسه ومرتكزاته، مِن حيث العناصر والأساس لبناء المنهج العلمي، ووفق عمليَّات العلم الأساسية، وهي: الملاحظة والتصنيف والقياس والاستنتاج والتنبُّؤ والاتِّصال.. إلخ، وعمليَّات العلم التكاملية» . وفي الجانب الثاني (النظري) ورد: «بناء مناهج يمنية وفق ثوابت قرآنية، تبيِّن مرتكزات أساس للمنهج القرآني، والقيادة الحقَّة، والأمَّة بمفهومها الجامع، مع ضرورة العناية بالمسئولية، والمقدَّسات ودلالتها، وأبعاد الصراع مع الأعداء الحقيقيين للأمة» .

وكانت الرؤية الوطنية لبناء الدولة، التي ناقشناها سابقًا، قد وضعت تسعة أهداف إستراتيجية في محور التعليم، مِن بينها ما يلي :

- توسيع نطاق تغطية التعليم ما قبل الأساسي وفق منهج علمي متطوِّر.

- توفير تعليم عام بجودة عالية (أساسي وثانوي) لجميع الفئات العمرية المستهدفة، عبر تفعيل نظام التعليم الإلكتروني وتوفير مرتَّبات المعلمين.

- توسيع خدمات التعليم الفنِّي والتقني، وتطويرها، لاستقطاب خرِّيجي التعليم الأساسي والثانوي بما يدعم احتياجات سوق العمل المتجدِّدة.

- تحسين وتطوير المناهج والبرامج التطبيقية التقنية المتكاملة، بما يحقِّق الجودة وفق المعايير العالمية.

- تطوير برامج التأهيل والإعداد القَبلي للمعلِّمين، لتستجيب لحاجات التعليم العام.

في حين حسمت ورقة التعليم «الوثيقة»، في نهاية المطاف، قضيَّة تطوير المناهج بشكل واضح وجلي لصالح ملازم حسين الحوثي، على حساب بناء منهج علمي وفق عمليَّات العلم الأساسية، والذي كانت أكَّدت عليه قبل، وعلى حساب الرؤية الوطنية التي لم تلتفت إليها، فأكَّدت في موضوع منطلقات التطوير على «القناعة التامَّة لدى القيادة بضرورة التغيير لما هو موجود، وتطوير ما يمكن تطويره، وفق الرؤية القرآنية الشاملة، مِن خلال ملازم السيِّد الشهيد القائد: حسين بن بدر الدين الحوثي» ، ثمَّ أعادت التأكيد مرَّة أخرى في التوصيات على: «ضرورة وجود مناهج تتَّسم بتشرُّب واستيعاب المرتكزات الإيمانية في المنهج -القيادة- الأمَّة- وأبعاد الصراع، وفق رؤية تبرز آفاقًا واضحة لمشروع نهضوي، مع تعزيز روح الأمَّة وهويَّتها» .

هكذا، وبلا مواربة، تضعنا ورقة التعليم في اليمن أمام حقائق الأمر الواقع، وهي أنَّ أهمَّ دوافع تناول موضوع التعليم في اليمن، ومحاولة تغييره باسم التطوير، هي دوافع عقائدية وسياسية، لا علاقة لها البتَّة بالجانب التعليمي، وترمي إلى ضرورة تشرُّب المشروع الحوثي بأبعاده السياسية وهويَّته المذهبية الطائفية. ومِن هنا يمكن القول إنَّ المضامين التعليمية المفترض توافرها في ورقة التعليم فيما يخصُّ أركان العملية التعليمية الثلاث (المعلِّم- المتعلِّم- المنهج) منتفية، ولا أثر لها، ما يعني بالنتيجة أنَّ السياسة التعليمية لسلطة الأمر الواقع للميليشيات لا تحمل أهدافًا تعليمية بقدر ما تحمل أهدافًا ومضامين أخرى عقائدية وسياسية.

2. المضامين العقدية:

خلصنا في الفقرة (1) مِن المضامين إلى أنَّ ورقة التعليم الحوثية لا تحمل مضامين تعليمية، وإن حملت مسمَّى التعليم. وفي هذه الفقرة سنكشف مِن خلال بنود الورقة وتوصياتها عن المضامين العقدية التي تضمَّنتها، وسعت إلى إشاعتها وتجذيرها ضمن السياسة التعليمية العامَّة، وعبر وثيقة (رؤية) مِن المفترض أنَّها معنيَّة بتطوير الجانب التعليمي عبر وسائله العلمية المتعارف عليها.

لا تخفي «الوثيقة» الأبعاد العقائدية التي تحملها، وتنساح فيها طولًا وعرضًا، فهي جزء مِن مشروع سلطة الأمر الواقع للميليشيات للتمكين لمشروعها السلالي مِن خلال استهدافها أهمَّ فئات المجتمع، وهم قطاع التعليم بكلِّ تفرُّعاته. وسنعقد مقارنة بين البعد العقدي في ورقة التعليم الحوثية والبعد ذاته في القانون رقم (45) لسنة 1992م بشأن القانون العام للتربية والتعليم، كي ندرك الفرق بين النظام الجمهوري ومشروع الإمامة السلالي. ونوجز هنا أهمَّ البنود في ورقة التعليم التي تفصح عن المضامين والأبعاد العقدية فيها.

المضامين العقدية في الأهداف التفصيلية :

-ترسيخ العقيدة الصحيحة المتكاملة.

-تعزيز الهوية الإيمانية، والحفاظ عليها.

-الفهم الصحيح للإسلام المحمَّدي الأصيل، بمبادئه وأسسه وقيمه وأخلاقه وكماله.

المضامين العقدية في دواعي التطوير :

-القناعة بضرورة تطوير ما هو موجود والارتقاء به، وفق الرؤية القرآنية الشاملة.

-الحاجة إلى بناء جيل موحَّد في أسسه وطرحه وتفكيره، مِن خلال الرؤية القرآنية في مرتكزاتها وأسسها وتوجُّهاتها.

-افتقاد الهوية القرآنية في المطروح مِن المناهج حركة ومشروعًا.

-افتقاد المشروعات الموجودة إلى إدراك أبعاد الولاية مِن حيث الارتباط والالتزام والشمول لمضامينها.

المضامين العقدية في منطلقات التطوير :

-القناعة التامَّة لدى القيادة بضرورة التغيير لما هو موجود، وتطوير ما يمكن تطويره، وفق الرؤية القرآنية الشاملة مِن خلال ملازم السيِّد الشهيد القائد: حسين بن بدر الدين الحوثي.

-تطوير اللوائح والقوانين وفق الرؤية القرآنية.

-تطوير المناهج وفق رؤية قرآنية شاملة ومتكاملة.

المضامين العقدية في المنطلقات الأساسية

-يقوم المشروع القرآني على أساس: أنَّ دين الله سبحانه وتعالى عبارة عن مسيرة شاملة وواسعة، وتستوعب الحياة كلَّها. (الدرس الثامن عشر مِن دروس رمضان)

-مسيرة دين الله مِن البداية مسيرة عمليَّة. (درس 23 مِن دروس رمضان)

-المسيرة الدينية مسيرة واحدة.

-وأخيرًا جاء في الآلية المقترحة (ص137) ما يلي: الاستفادة مِن ملازم الشهيد القائد/ حسين بن بدر الدين الحوثي في طرح الموجِّهات العامَّة للمشروع القرآني.

تلك كانت بعضًا مِن النصوص التي وردت في ورقة التعليم، وتحمل أبعادًا ومضامين عقائدية طائفية لا تخطئها العين، ولا علاقة لها بتحديث وتطوير المناهج التي يتذرَّع بها الحوثيون؛ وتكشف بجلاء أنَّ أحد دوافع تعديل المناهج وتغييرها دافع عقائدي بحت، بدليل أنَّ التغييرات التي طرأت لاحقًا على المناهج التعليمية لم تلامس المواد العلمية، مثل الرياضيات والعلوم التي هي بحاجة بالفعل إلى تحديث وتطوير لمواكبة العصر، واستهدفت فقط المواد الانسانية: القرآن الكريم، التربية الإسلامية، اللغة العربية، التربية الوطنية، الاجتماعيَّات والتاريخ. وحدَّدت تلك النصوص (الموجِّهات) الأهداف المنشودة مِن عملية التغيير والتعديل، وهي أهداف ذات أبعاد ومضامين طائفية صريحة ترمي إلى تغيير عقيدة النشء والمجتمع ككلٍّ لتتوافق عقيدته وعقيدة الحوثيين فيسهل انقياده، وتترسَّخ بذلك سلطتهم التي يسعون جاهدين لشرعنتها عقائديًّا في أوساط اليمنيين. وأوَّل ما يمكن ملاحظته في تلك النصوص هو حشدها عددًا مِن المصطلحات والمفاهيم ذات البعد الطائفي بصبغته الحوثية، مثل: الولاية، الرؤية القرآنية، العقيدة الصحيحة، الإسلام المحمَّدي، الهوية الإيمانية. وهي بلا ريب تمثِّل جزءًا مهمًّا مِن مرتكزات ما يُسمَّى بالمسيرة القرآنية، التي تعكس روح العقيدة الحوثية القائمة على العقيدة الجارودية الزيدية الأكثر غلوًّا. تلك العقيدة بحمولتها المنحرفة يراد تسريبها إلى عقول الجيل الجديد مِن الطلَّاب. والأمر الآخر المهم، هو حرص الورقة على اعتبار ملازم حسين بن بدر الدين الحوثي مرجعية عليا في الموجِّهات العامَّة لمـَّا يسمَّى المشروع القرآني، ما يعني أنَّ التغيير العقدي في مناهج التعليم سيعتمد فقط فكر مؤسِّس الميليشيات، ليبقى المنهج التعليمي خالصًا للحوثيين، ومعبِّرًا عن عقيدتهم ومشروعهم الديني والسياسي دون أن يزاحمهم فيه أحد.

كما يمكن أيضًا قراءة بعض المضامين العقدية الأخرى التي سعت إليها ورقة التعليم عمومًا مثل:

1-ترسيخ العقيدة الحوثية المنحرفة بوصفها العقيدة الصحيحة الكاملة، ما يحمل بالتالي انتقاصًا مِن العقائد الأخرى، وازدراءً لها ويُسهِّل تقبُّل الطعن فيها واستباحة اتِّباعها وانتهاك حقوقهم.

2-التأكيد على مفهوم «الهويَّة الإيمانية» ببُعدها الطائفي السلالي الذي يحصر الولاء والانتماء بميليشيا الحوثي، بحيث تتشرَّب عقيدتها الأجيال وتضحِّي لأجلها، باعتبارها الدين الحقِّ. فالتعديلات الحوثية على المناهج تسعى بكلِّ الطرق لتجهيل النشء بما يعزِّز مشروعها الكهنوتي، ويتسنَّى لها السيطرة على الشعب مِن خلال إشاعة الجهل والخرافة.

3-ضرب المرتكزات التاريخية والحضارية للشعب اليمني، ومسخ هويَّته، وإحياء الدور التاريخي للإمامة الكهنوتية. فقد بلغت التغييرات الطائفية التي أجرتها ميليشيا الحوثي -عام 2022م- فقط أكثر مِن 420 تغييرًا على مناهج الصفوف الدراسية الأولى، وركَّزت التغيرات على المرحلة الأساسية (مِن الصفِّ الأوَّل وحتَّى السادس) في أربع مواد دراسية، وهي: القرآن الكريم، التربية الإسلامية، اللغة العربية، التربية الوطنية، والاجتماعيات .

4-إيجاد علاقة تلازميَّة بين الإسلام وميليشيا الحوثي مِن خلال وصف الإسلام بأنَّه «مسيرة شاملة»، لينطبع هذا التوصيف ويتطابق مع وصف «المسيرة القرآنية» الذي يُطلقه الحوثيون على مسيرتهم، فيرسخ في ذهن المتلقِّي فكرة أنَّ المسيرة الحوثية هي نفسها مسيرة الإسلام ودعوته وجهاده وتشريعاته، فيغدو الإسلام هو الحوثية والعكس صحيح.

وأخيرًا يسعى الحوثيُّون لإعادة إنتاج لوائح وتشريعات جديدة في كلِّ المجالات، بما فيها المجال التعليمي، وصبغها بصبغة عقائدية طائفية لتحلَّ محلَّ اللوائح القديمة ذات الصبغة الجمهورية، وذلك في سياق بناء مرجعية تشريعية (حوثية) عليا تحلُّ محلَّ المرجعية الدستورية الجمهورية.

وللمقارنة نورد هنا بعضًا مِن نصوص قانون رقم (45) لسنة 1992م بشأن القانون العام للتربية والتعليم لنرى الفارق الكبير في المفاهيم العقدية بين القانون مِن جهة، ووثيقة التعليم الحوثية مِن جهة ثانية، ونستبين مدى أصالة القيم والمضامين العقدية في القانون وتوافقها مع عقيدة الشعب، مقارنة بالمشروع الحوثي الكهنوتي بمضامينه العقدية الطائفية الذي لا يقيم وزنًا لعقيدة الشعب بقدر ما يسعى لتطويعه في خدمة مشروعه السلالي المستعلي على كلِّ قيم الدين والإنسانية.

جاء في الأسس والمبادئ العامَّة والأهداف :

مادة (3): تتكوَّن الأسس والمبادئ العامَّة ممَّا يأتي:

أ-الإيمان بالله.

ب-الإيمان بالإسلام عقيدة وشريعة ونظام شامل ينظِّم شئون الحياة.

ج-الإيمان والالتزام بالمثل العليا العربية والإسلامية والإنسانية.

مادة (15)، الفقرة (‌ب)، تعميق مشاعر التقديس والإجلال والاحتفاء بالقرآن الكريم، وتعزيز أهميَّة الشعائر الإسلامية وتعظيمها والالتزام بأدائها.

مادة (21): يهدف التعليم الثانوي إلى اكتساب التلاميذ القدرات التالية:

أ- فهم العقيدة الإسلامية وأحكامها وقيمها، والتعامل والسلوك بموجبها، والتزوُّد بقدر كافٍ مِن المعلومات عن الثقافة والحضارة العربية والإسلامية.

تلك هي المضامين العقدية في القانون اليمني والنظام الجمهوري، وهي مستمدَّة مِن عقيدة الشعب، بعيدة عن أيِّ صبغة طائفية أو مذهبية، وهي لا تُعلي مِن شأن جماعة أو شخص أو مذهب، ولا تدعوا إلى الارتباط بعقيدة مناقضة لعقيدة الشعب، ولا إلى هويَّة مصادمة لهويَّته، بل عقيدة متعايشة مع الداخل، متصالحة مع الخارج، مساعدة على البناء والاستقرار.

3. المضامين السياسية:

أكَّدنا فيما سبق على غياب المضامين التعليمية في وثيقة التعليم الحوثية، وحضور المضامين والأبعاد العقائدية التي يراد تكريسها وتسخيرها لخدمة مشروع طائفي يتوسَّل الدين لخدمة أغراضه السياسية. وفي هذه الفقرة، وضمن تتبع السياسة التعليمية في ورقة التعليم، وحجم حضورها في الورقة، سنبحث عن المضامين والأبعاد السياسية فيها لنوضِّح أنَّ الوثيقة التي بحثت عن ذرائع التعديل والتغيير في المناهج التعليمية إنَّما تروم في بعدها السياسي إلى تغيير البنية والمفاهيم السياسية للمجتمع، وإعادة تشكيلها وفق رؤيتها السياسية الخاصَّة، بمنظورها العقدي الخاص. وسوف نستدعي النصوص ذات البعد السياسي مِن وثيقة التعليم ونعمل على تحليلها لنتبيَّن مراميها وأبعادها السياسية، ثمَّ نقارنها مع نصوص القانون رقم (45) لسنة 1991م بشأن القانون العام للتربية والتعليم المتعلِّقة بالجانب السياسي في أهداف التعليم.

المضامين السياسية في الأهداف التفصيلية للوثيقة :

-ترسيخ التولِّي لله ورسوله والإمام علي، وأعلام الهدى، ومحبَّتهم، واتِّباعهم، والارتباط بهم.

-ترسيخ المسئولية، وفي مقدِّمتها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، والموالاة لأولياء الله والمعاداة لأعداء الله.

-استيعاب طبيعة الصراع مع أعداء الأمَّة، وفي مقدِّمتهم اليهود والنصارى، واتِّخاذ المواقف الصحيحة والفاعلة والمؤثِّرة في مواجهتهم.

-الحاجة إلى تنمية الروح الجهادية في نفوس أبناء المجتمع.

-طرح مناهج متكاملة الرؤية قادرة على إعادة النظر في معرفة العدو الحقيقي للأمَّة، وضرورة التصدِّي له ومواجهته.

المضامين السياسية في المنطلقات الأساسية للوثيقة :

-ولاية الإمام علي، مفهومها، دلالتها، آثارها، أبعادها.

-ولاية مَن أمرنا الله بتولِّيه مِن أعلام الهدى؛ المفهوم، الدلالة المترتَّبة عنها.

ومِن خلال تحليل النصوص أعلاه يتَّضح بجلاء أنَّ المضامين السياسية لورقة التعليم تعمل في مسارين متوازيين:

الأوَّل: تحديد شكل النظام السياسي الحوثي: وفي هذا الاتِّجاه تُبرز الوثيقة التعليمية معالم النظام السياسي الحوثي وملامحه على النحو التالي:

1. الولاية «الإمامة»، بمفهومها الامتدادي إلى الحوثي، في مقابل «الجمهورية» بامتدادها الشعبي.

2. القيادة (الرئاسة) في « أعلام الهدى»، في مقابل «القيادة المنتخبة» مِن الشعب.

3. «الولاء الطائفي» لقادة الميليشيات الحوثية، في مقابل «الولاء الوطني» للنظام الجمهوري.

4. مرجعيَّة تشريعية عليا «مذهبية طائفية»، في مقابل مرجعية تشريعية عليا «دستورية جمهورية».

وبذلك يكتمل شكل النظام السياسي الحوثي وفق مكوِّناته الثلاث، بحسب رؤية الحوثيين، المتمثِّلة في: الأمَّة، القيادة، المنهج. وهكذا يكون المنهج التعليمي الحوثي قد أدَّى دوره في رسم بعض مِن معالم نظام الحكم السياسي الحوثي، لتكتمل الصورة بالتشابك مع المعالم والملامح الأخرى للنظام، المبثوثة كذلك في الوثيقة الفكرية والثقافية والرؤية الوطنية لبناء الدولة ومدوَّنة السلوك الوظيفي؛ وقد تناولناها في موضعها بشكل مفصَّل بما يغني عن إعادة تكرارها هنا.

الثاني: خلق عدوٍّ وهمي للتحشيد خلف الميليشيات: إذ يعمل الحوثيُّون في سبيل تجذير حكمهم، وبسط سلطانهم، وفق سياسة خلق عدو وهمي؛ وهي نظرية سياسية تعمل بها معظم الأنظمة السياسية والجماعات المتطرِّفة. وتهدف هذه السياسة إلى إشاعة هذا النمط مِن التفكير العدائي المصطنع، وهندسة عقول المجتمعات والجماعات، والتحكُّم والسيطرة عليها، وحفظ التماسك الداخلي. ويرى الفيلسوف الإيطالي، «أمبرتو إيكو»، أنَّ فكرة الآخر هي الأهميَّة القصوى لخلق الأعداء، فيقول: «إنَّ وجود عدوٍّ أمر مهمٌّ ليس فقط لتحديد هويَّتنا، ولكن أيضًا لتزويدنا بعائق نقيس ضدَّه نظام قيمنا، وفي السعي وراء قيمتنا الخاصَّة؛ لذلك عندما لا يكون هناك عدو يكون مِن الواجب علينا اختراع عدو» .

والخلاصَّة أنَّ «الأعداء الذين يتمُّ صناعتهم مِن قبل الفئات القاهرة -كالحوثيِّين مثلًا- هم أعداء مِن إبداعات الخيال، إمَّا مِن أجل الحفاظ على هويَّات مبنية على أسس غير عادلة، كانت قد تشكَّلت في فترة تاريخية معيَّنة، أو لإظهار التفوُّق الأناني -والعرقي- الناتج عن عدم وجود مدعاة تاريخية للفخر لدى الفئة القاهرة، أو حتَّى اتِّساخ تاريخها بالدماء. إنَّها فئات لا تملك السببية الأخلاقية لسلوكها، وحقيقة استمراريتها لا ترتبط سوى باستمرار فكرة العدو» .

وعلى هذا المنوال تسعى ميليشيا الحوثي إلى استثمار تلك الفكرة، والتلاعب ليس بالطالب وحسب، بل والشارع اليمني، ومحاولة حشده ورائها، مِن خلال صناعة عدوٍّ وهمي في المناهج التعليمية، وتضخيمه، وافتعال صراع سياسي وديني معه، والظهور مِن خلاله بمظهر المدافع عن الدين، وحامل رايته والجهاد في سبيله. والعدوُّ بالنسبة لميليشيا الحوثي -كما في وثيقة التعليم- هم اليهود والنصارى، وهذا يمنح الميليشيات مساحة واسعة لتحقيق ما يلي:

-يقدِّمها كحامل قضية قومية في الدفاع عن الأمَّة في وجه مَن تسمِّيهم قوى الاستكبار العالمي، وهي محاولة للتغطية على غياب مشروعها الوطني، فتلجأ لخلق قضية كبرى، عربية إسلامية، لاستقطاب المؤيِّدين في الداخل حول مشروع وهمي، وظاهرة صوتية، مهمَّته حشد التأييد والشرعية.

-وصم مناوئيها بالمنافقين، واتِّهامهم بالعمالة، والطعن في ولائهم، ومِن ثمَّ تبرئة ساحتها مِن أيِّ شكوك أو احتمالية وجود علاقات خفيَّة مشبوهة مع الأعداء. والواقع أنَّ سياسة ميليشيا الحوثي تسير وفق قاعدة «عدوٌّ مُعلن وتحالفٌ خفيٌّ»، فالكثير مِن علاقاتها العدائية المعلنة ضدَّ أمريكا، والغرب عمومًا، ليست في حقيقتها سوى خداع للشعب، أرادت به تملُّق جماهيرها، والتلاعب بعواطفها، وإيهامها بأنَّها في حرب حقيقيَّة وعداء مع تلك الأطراف الخارجية، التي تعاديها في العلن بينما تضمر معها تحالفًا خفيًّا يحقِّق مصالح مشتركة.

-العدو الوهمي -المتمثِّل في اليهود والنصارى- يُبرِّر صرخة الميليشيات: (الموت لأمريكا.. الموت لإسرائيل)، ويشرعنها، ويضفي عليها مصداقية باعتبارها أحد أوجه التبرؤُّ مِن أعداء الإسلام. ويسوِّغ للميليشيات -مِن جانب آخر- إشاعة فكرة الجهاد، وتنمية ما يسمُّونه الروح الجهادية لدى الطلَّاب والشعب عمومًا، ويُبقيها في حالة تحفُّز وجاهزية لكسب المزيد مِن الأنصار المخدوعين بالفكرة المثالية للجهاد، التي يتمُّ توظيفها باتِّجاه الداخل لضرب معارضي الميليشيات واجتثاثهم، واستباحة دمائهم وأموالهم، تحت لافتة الجهاد في سبيل الله، ومحاربة أعداء الدين ممَّن تسمِّيهم العملاء والمنافقين والمرتزقة.

إنَّ التحليل المعمَّق لنصوص وثيقة التعليم يقود إلى أنَّها تؤدِّي دورًا سياسيًّا عقائديًّا، لا دورًا تربويًّا تعليميًّا، فهي ترسِّخ أساسات المشروع السياسي الحوثي لدى فئة كبيرة وضعيفة مِن الشعب في قطاع التعليم، والتي ستنتقل عبرها إلى فئات أخرى، فالمناهج التعليمية هي أحد أخطر أدوات ميليشيا الحوثي في إعادة صوغ وتشكيل الوعي السياسي الشعبي وصهره في المشروع الحوثي بهويَّته المذهبية الطائفية والسلالية.

يبقى أن نقارن التوجُّه السياسي في وثيقة التعليم الحوثية بالتوجُّه السياسي كما في القانون رقم (45) لسنة 1992م بشأن القانون العام للتربية والتعليم لنستبين حجم الجناية التي ترتكبها ميليشيا الحوثي بحقِّ التعليم، ومدى عبثها بعقول النشء الجديد، في مقابل التوجُّه الواعي والسياسة الراشدة لقانون المعلِّم الذي حمل مضامين سياسية واقعية، بعيدة عن الشطط والمغالاة والنفس الطائفي والمذهبي. ومِن تلك المضامين الاعتزاز بالانتماء الوطني والعربي الإسلامي، والوعي بقضايا الديمقراطية، وأهميَّة تعزيز السلام العالمي، والانفتاح على الثقافات والحضارات العالمية. والمواد التالية تعطي نماذج ممَّا ذكرناه. فعلى سبيل المثال كما في مادة (3) مِن القانون :

هـ-اليمن وحدة لا تتجزَّأ، وهي دولة عربية نظامها جمهوري ديمقراطي.

و- الاعتزاز بالانتماء للأمَّة العربية تاريخًا ولغة وثقافة وقيمًا أخلاقيَّة عليا.

ح- الانتماء إلى الأمَّة الإسلامية واجب شرعي.

‌ط-الانفتاح الواعي على الثقافات والحضارات العالمية جزء مِن السياسة التعليمية.

مادة (21): يهدف التعليم الثانوي إلى اكتساب التلاميذ القدرات التالية :

‌ج- الوعي بقضايا شعبه ووطنه اليمني، وأمَّته العربية والإسلامية، وضرورة العمل مِن أجل التقدُّم السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي في الوطن اليمني، وأداء واجباته، والتمسُّك بحقوقه، والدفاع عن حقوق الآخرين، والعمل بروح الفريق الواحد، والوعي بأسس الديمقراطية وممارستها، والوعي بقضايا أمَّته ومشكلاتها، وفهم القضايا والمشكلات الدولية، مع إدراك أهميَّة السلام العالمي والتفاهم والتعاون بين الشعوب.

الخاتمة:

تناولت الورقة خمس أوراق وثائقية حوثية، هي: الوثيقة الفكرية والثقافية، ووثيقة الشرف القبلية، والرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة، ومدوَّنة السلوك الوظيفي، وأخيرًا ورقة التعليم في اليمن. وعرضت ابتداءً لرؤية حول ميليشيا الحوثي، مِن حيث النشأة والأيديولوجيا والفكر السياسي الذي يحكم طبيعة نظرتهم للدولة. وقد اعتمدت الورقة على قراءة تحليلية لمضامين تلك الوثائق لتفكيك أبعادها وغياتها، وخرجت بجملة مِن النتائج التي يمكن تلخيص أهمِّها في النقاط التالية:

- ميليشيا الحوثي هي تنظيم مليشاوي مسلَّح، وتيَّار ديني سياسي، ينتمي إلى الزيدية بنسختها الجارودية الأشدُّ غلوًّا وتطرُّفًا، والأكثر تقاربًا مع المذهب الشيعي الإمامي الاثنا عشري، وتقوم عقيدتها الأيديولوجية على عدَّة ركائز أساسية، أهمُّها: نظرية الولاية والاصطفاء، وادِّعاء الانتساب إلى بيت النبوَّة، أو ما يسمَّى اصطلاحًا «آل البيت»، كما يُعدُّ التكفير والطعن في الصحابة وأخذ الخُمس اختصاصًا للسلالة جزءًا أساسيًّا مِن عقيدتها تلك.

- نظرية ميليشيا الحوثي السياسية في الإمامة (الولاية) ذات مرجعية جارودية زيدية، تقول بالوصيَّة لعلي بن أبي طالب، وبالخروج (الثورة) في طلب الإمامة؛ ومِنه انتقلت إلى الإمامة إلى الحسنين (البطنين)، لتغدو حقًّا حصريًّا في ذرِّيتهما، وصولًا إلى الحوثي في القرن الحادي والعشرين.

- توصلت الورقة مِن خلال تحليل الوثيقة الفكرية والثقافية إلى أنَّ الحوثيين يجعلون مِن الجارودية الزيدية مرجعيَّتهم العليا، كما يفعل الشيعة في إيران مِن اعتبار المذهب الاثنا عشري مرجعيَّة عليا للدولة. وأنَّ الوثيقة حدَّدت بعضًا مِن ملامح وشكل النظام السياسي الحوثي، في حين استكملت الرؤية الوطنية لبناء الدولة ومدوَّنة السلوك الوظيفي وورقة التعليم معالم ذلك النظام وملامحه.

- دشَّنت الوثيقة الفكرية والثقافية -في الجانب النظري- الخطوة الأولى على طريق التمهيد والإعداد لإسقاط النظام الجمهوري، في حين مثَّل مؤتمر التلاحم القبلي الخطوة العملية الثانية على طريق الانقلاب الحوثي الذي اكتملت أركانه عام 2014م.

- كانت وثيقة الشرف القبلي بمثابة الخطوة الثالثة العملية على طريق الانقلاب الحوثي، وحملت هدفين رئيسين، الأوَّل تطويع القبيلة اليمنية لميليشيا الحوثي، والثاني إضعافها وتحجيمها وصولًا لإنهاء دورها السياسي على المدى البعيد.

- وبخصوص الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة، فقد توصَّلت الورقة مِن خلال تحليل مضامينها إلى أنَّها أسَّست لما يُسمَّى «الهويَّة الايمانية»، بإدخالها ضمن المرجعيَّات العليا للرؤية، بحيث ألغت كلَّ المرجعيَّات الشكلية الأخرى في الرؤية ذات الطابع الجمهوري، كالدستور ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، ورؤى الأحزاب.

- قدَّمت الرؤية الوطنية الحوثية نظامًا سياسيًّا بلا ملامح، وتجاهلت عن قصد التعرُّض للنظام الحوثي القائم (سلطة الأمر الواقع). وبرغم تأكيدها على العملية الديمقراطية الانتخابية، والتداول السلمي للسلطة، إلَّا أنَّها لم تلامس مسألة انتخاب رئيس الجمهورية في ظلِّ حكم الحوثيين، وكأنَّها بذلك تقرُّ طريقة تعيينه مِن قبل ما يُسمَّى «قائد الثورة»، الذي يتبوَّأ منصبًا أرفع مِن رئيس الجمهورية دون أن يكون له أيُّ صفة رسمية دستورية أو قانونية تخوِّله تلك المكانة.

- ألغت مدوَّنة السلوك الوظيفي كافَّة الجوانب الحقوقية التي كانت أكَّدت عليها الرؤية الوطنية لبناء الدولة، وتمحورت أهدافها المركزية حول هدفين أساسيَّين: الأوَّل تكريس ما يُسمَّى «الهوية الايمانية»، بملامحها الحوثية كبديل للهويَّة الوطنية اليمنية؛ والثاني إلغاء المرجعيات الجمهورية وإحلال مرجعيَّات حوثية طائفية مكانها.

- لم تحمل السياسة التعليمية في ورقة التعليم الحوثية أيَّ مضامين تعليمية وتربوية، بقدر ما حملت مضامين عقائدية وسياسية صرفة، ترمي إلى تكريس هويَّة ميليشيا الحوثي ومشروعهم السلالي كنظام بديل يسعى لانتزاع مشروعيَّة شعبية عبر غسل العقول وتحشيد الجماهير باسم الولاية للإمام علي، وذرِّيته، وصولًا إلى الحوثي، واتِّخاذ الجهاد ذريعة لذلك، والذي يعني في حقيقة الأمر قتال منازعي الحوثي على السلطة.

-أنَّ المشروع الحوثي يسعى -وبشكل تدريجي- لترسيخ وجوده ومشروعيَّته مِن خلا

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
كيف تحوّلت مؤسسات صنعاء إلى “فقَّاسة صراع” الأجنحة داخل جماعة الحوثي؟ (تحقيق حصري)

حوّل خلاف موالين لجناحين (متشددين) متعارضين داخل جماعة الحوثي المسلحة “جلسة مقيّل” خاصة- بالعاصمة اليمنية صنعاء خلال عيد الأضحى المبارك- إلى توتر كاد يوصل إلى “اقتتال” في “مجلس” مليء بالأسلحة والقنابل ا مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
الدكتور محمد سالم الغامدي لـ (أخبار اليوم) الحاجة لتعديل تقومينا الهجري تأتي من ضرورة ضمان دقة توقيت الشرعية السماوية

قال الكاتب الصحفي السعودي الدكتور محمد سالم الغامدي، إن التعديل للتوافق مع حركة الأبراج والفصول لضمان أن يكون العالم الإسلامي متناسيا تماما مع الظواهر الفلكية المحددة. وأكد الغامدي في حوار خاص أجرته (أخبار اليوم) إن هذا مشاهدة المزيد