2026-02-10
2025 عام الخسائر المركّبة للحوثيين: اختراق أمني وتجفيف مالي يقيّدان حسابات 2026

في مدينة تعز، التي أثقلها الحصار وأنهكتها سنوات الحرب المتواصلة لأكثر من عقد، يتسلل مرض خبيث بصمت مروّع، يسرق الأحلام، ويقوض الآمال، ويُجهز على ما تبقى من قدرة السكان على الصمود... إنه السرطان، العدو الصامت الذي بات يشكل تهديدًا وجوديًا في واحدة من أكثر المدن اليمنية تضررًا من النزاع المستمر.
وسط انهيار شبه كامل للبنية الصحية وتدهور مستمر في الخدمات الطبية، تحولت تعز إلى ساحة لمعركة إنسانية قاسية، يدفع ثمنها الأبرياء من الأطفال والنساء وكبار السن. هؤلاء يواجهون المرض والموت في ظل غياب الرعاية الكافية، ونقص حاد في الأدوية والمستلزمات الأساسية، وعجز حكومي يتفاقم يومًا بعد آخر، ليزيد من عمق المعاناة في مدينة ترزح تحت حصار خانق وظروف معيشية وصحية متدهورة.
انتشار متزايد وأرقام صادمة
ويُعد مركز الأمل لعلاج الأورام – التابع للمؤسسة الوطنية لمكافحة السرطان – ثاني أكبر مركز تخصصي في اليمن بعد مركز صنعاء، ومع إمكانياته المحدودة، يمثل الملاذ الوحيد للآلاف في محافظة تعز والمحافظات المجاورة.
وقد سجّل المركز خلال النصف الأول من العام الجاري 2025 عددًا صادمًا من الحالات الجديدة بلغ 884 إصابة:
- 403 ذكور (بينهم 53 طفلًا، 156 بالغًا، 194 من كبار السن).
- 481 إناث (بينهم 23 طفلًا، 284 بالغة، و174 من كبار السن).
كما بلغ عدد المرضى المترددين على المركز خلال نفس الفترة 4075 مريضًا، معظمهم من الإناث (2483 أنثى مقابل 1592 ذكرًا)، وكانت الفئة الأكبر من البالغين (2129 مريضًا).
ومنذ تأسيسه وحتى العام الحالي، سجّل المركز 14,381 حالة إصابة بالسرطان، توزعت: (12,260 حالة) من محافظة تعز، و(1072 حالة) من محافظة إب، و(387 حالة) من محافظة لحج، و(279 حالة) من محافظة الحديدة، و(106 حالة) من محافظة ذمار، و(99 حالة) من محافظة الضالع، والباقي من محافظات أخرى.
داخل المحافظة، تصدرت مديريات المظفر (1443 حالة)، القاهرة (1164)، التعزية (993)، جبل حبشي (811)، صالة (801)، الشمايتين (747)، وصبر الموادم (691).
أكثر أنواع السرطان انتشارًا في تعز
حسب بيانات مركز الأمل، يحتل سرطان الجهاز الهضمي المرتبة الأولى بنسبة 20% (2867 حالة)، يليه سرطان الثدي بنسبة 15% (2204 حالة)، ثم سرطان الدم بنسبة 12%، وسرطان العقد الليمفاوية بنسبة 10%.
الدكتور محمد فؤاد، طبيب أورام، يؤكد أن الذكور أكثر عرضة لسرطانات الرئة والجهاز الهضمي، بينما الإناث أكثر إصابة بسرطان الثدي وعنق الرحم. أما الأطفال، فيكثر لديهم سرطان الدم وأورام الدماغ، مع مساهمة نقص المناعة وسوء التغذية.
قصص مؤلمة ومعاناة إنسانية
غفران.. رحلة الألم المستمرة
غفران محمد قائد، شابة تبلغ 22 عامًا من حي الجمهوري بتعز، اختصر السرطان حياتها في معركة يومية مع الألم. ولدت معاقة وأصيبت بسرطان العين اليسرى في طفولتها، ما اضطر والدها للسفر بها للعلاج في العراق حيث استؤصلت عينها. بعد وفاة والدها، تكفلت والدتها برعايتها رغم الإعاقة الحركية والضمور الدماغي والتشنجات التي جعلتها طريحة الفراش. وفي 2017، أصيبت بسرطان النخاع الشوكي، وتعاني من ضعف مناعي يمنعها من تحمل علاج الكيماوي. تقول والدتها: "كل يوم أعيش صراعًا بين أمل الشفاء وهمّ المرض المستمر".
محمود.. الطفل المحارب
الطفل محمود يعاني معاناة طويلة مع سرطان البنكرياس والأمعاء. ظل والده يبحث عن تشخيص دقيق سنوات عدة، إلى أن اكتشف الأطباء المرض بعد أن بلغ محمود الرابعة. تلقى 35 جرعة كيماوي في مركز الأمل، لكنه بحاجة لعملية جراحية غير متوفرة في اليمن، فانتقل للعلاج في مصر حيث تلقى 12 جرعة أخرى، لكنه اضطر لوقف العلاج بسبب ارتفاع التكاليف. يقول والده: "محمود محارب حقيقي يصارع من أجل حياة تستحق طفولته".
عقبات وعوامل تفاقم المرض
يشير نائب مدير مركز الأمل، مأمون العامري، إلى أن نقص التجهيزات وغياب الخدمات المتكاملة داخل المركز يعيق سرعة اكتشاف المرض. ويضطر المركز لتحمل تكاليف باهظة للفحوصات خارج المركز، ما يؤدي إلى تأخير التشخيص والعلاج ويرفع نسبة الحالات المتقدمة. كما يعاني المرضى من ارتفاع تكلفة العلاج ويضطر البعض للسفر للعلاج في الخارج.
أسباب محتملة لانتشار المرض
يُعد التلوث البيئي، والاستخدام العشوائي للمبيدات الكيميائية في زراعة القات والخضروات والفواكه، وسوء إدارة النفايات، من أبرز العوامل التي تسهم في تفشي مرض السرطان في مدينة تعز.
وتزداد المأساة تعقيدًا مع الانتشار الواسع لمحال المبيدات غير المرخصة، في ظل غياب الرقابة الصحية والبيئية، ما يضاعف من معدلات الخطر.
كما أن الفقر المدقع وانعدام الأمن الغذائي أسهما في انتشار سوء التغذية، لا سيما بين الأطفال، وهو ما يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بأمراض مزمنة وخبيثة، وعلى رأسها السرطان.
وكان مدير مكتب الزراعة بتعز، عبدالله عثمان الدعيس، قد أشار في تصريح سابق إلى وجود أكثر من 80 محلًا لبيع المبيدات في المدينة، بعضها يعمل دون تراخيص، مؤكدًا غياب الرقابة الفاعلة على هذا النشاط.
مؤشرات سلبية وتزايد الإصابات
رغم تنفيذ حملات توعية محدودة، إلا أن أعداد المصابين بمرض السرطان في تعز تشهد ارتفاعًا مقلقًا. وأكد مسؤول الإعلام بمكتب الصحة، تيسير السامعي، أن الإصابات تتزايد بشكل لافت، حيث سجّل مركز الأمل لعلاج الأورام 884 حالة جديدة حتى منتصف عام 2025، مقارنة بـ1626 حالة خلال عام 2024، أي بزيادة تتجاوز 30% عن عام 2023. ووفق السامعي، يبلغ متوسط الإصابات الشهرية منذ مطلع 2024 نحو 135 حالة، ما يعكس خطورة الوضع وتسارع تفشي المرض.
نصائح وقائية مهمة
من جانبه، يوصي الدكتور محمد فؤاد بتحسين جودة الغذاء والمياه، استخدام فلاتر أو غلي الماء، وتجنب الأطعمة غير الموثوقة. يشدد على ترشيد استخدام المبيدات ومراقبة البيع. الفحص المبكر ضروري للنساء، خاصة فحص الثدي ومسحة عنق الرحم. تجنب حرق النفايات قرب المنازل، اتباع نظام غذائي صحي غني بالخضروات والفواكه، وممارسة الرياضة.
كما يدعو لتوعية المجتمع بأهمية مراجعة الطبيب عند ظهور أعراض غير طبيعية، وتنظيم صرف الأدوية لمنع الاستخدام الخاطئ.
صرخة من أجل الحياة
إن السرطان في تعز تجاوز كونه مرضًا فرديًا، بل بات أزمة صحية كبرى تهدد حياة آلاف السكان في بيئة ملوثة ونظام صحي ضعيف.
الوضع أصبح يستدعي تدخلًا عاجلاً من السلطات والمنظمات الدولية والإنسانية، لتحسين البنية التحتية، مكافحة التلوث، ودعم مراكز التشخيص والعلاج، مع تعزيز التوعية المجتمعية بأهمية الوقاية والكشف المبكر، لضمان حياة أفضل لأهالي تعز قبل أن يتحول المرض إلى كارثة لا يمكن السيطرة عليها.
في لحظة وطنية فارقة، أعادت القبيلة اليمنية تثبيت موقعها كفاعل مركزي في معركة الدفاع عن الدولة والجمهورية، ليس بوصفها بنية اجتماعية تقليدية، بل كقوة وطنية منظمة، حاضنة للمقاومة، وسندٍ فعلي لمؤسسات الدولة في مواجهة المش مشاهدة المزيد
في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد