اكتشاف أثرّي في المغرب: أحافير بشرية عمرها 773 ألف سنة تكشف أصل الإنسان الحديث وأشباهه

2026-01-10 01:49:50 أخبار اليوم - متابعات

   

في جنوب-غرب مدينة الدار البيضاء، داخل منطقة مقالع طوما وبالتحديد في مغارة البقايا البشرية، أعاد فريق مشترك مغربي-فرنسي ودولي فتح صفحة شبه مفقودة من سجلّ الإنسان القديم في أفريقيا، تعود إلى نحو 773 ألف سنة.

ووفقًا للدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر" (Nature)، فقد تم اكتشاف فك سفلي لإنسان بالغ وأكمله تقريبًا، وفك سفلي لطفل صغير بعمر يقارب السنة والنصف، إلى جانب أسنان متعددة، وبقايا فقرات وعظم فخذ.

وتجمع هذه الأحافير بين الخصائص المميزة للإنسان المنتصب القامة، وسمات أكثر حداثة تشبه الإنسان العاقل المبكر، ما يجعلها حلقة أساسية لفهم تطور السلالة البشرية. وأوضح بيان صحفي صادر عن وزارة الثقافة المغربية أن هذه المكتشفات تمثل حلقة وصل بين الإنسان المنتصب القامة وأشكال البشر اللاحقة، ما يسلط الضوء على دور شمال أفريقيا في تاريخ تطور الجنس البشري.

استخدم الباحثون تقنية "المغناطيسية الطبقية" لدراسة الرواسب الكهفية، والتي تعتمد على الانقلابات التاريخية للمجال المغناطيسي للأرض. وتشير هذه التقنية إلى أن أحافير مقالع طوما تنتمي إلى الفترة الزمنية المرتبطة بـ انقلاب ماتوياما–برونهس، ما يتيح تحديد عمرها بدقة غير مسبوقة تقارب 773 ألف سنة، مقارنة بالطرق التقليدية التي تقدّر عمر الأحافير بفارق يصل إلى مئة ألف سنة أو أكثر.

لطالما كان التركيز الأكبر على شرق أفريقيا وأوروبا عند دراسة أصول الجنس البشري، بينما كان يُنظر إلى شمال أفريقيا أحيانًا كمنطقة عبور فقط. لكن هذا الاكتشاف يرفع وزن شمال أفريقيا كمنطقة محورية، إذ يظهر أن البشر القدماء عاشوا في المغرب منذ مئات آلاف السنين، ما يعزز فرضية أن شمال أفريقيا كانت جزءًا من قلب قصة تنوع الجنس الإنساني.

الروابط بين السلالات البشرية

توضح الدراسة أن هذه الأحافير تقدم دليلًا مباشرًا على السلف المشترك الأخير بين الإنسان الحديث، والنياندرتال، والدينيسوفان، حيث تتطابق التواريخ المستخلصة مع البيانات الوراثية التي تحدد فترة انفصال هذه السلالات الكبرى بين السلالات الأفريقية والأوراسية.

وأشار الباحث في المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، عبد الرحيم محب، إلى أن إنسان الدار البيضاء المكتشف يُعد من أقوى المرشحين ليكون السلف المشترك لهذه السلالات، ما يجعل هذا الاكتشاف محوريًا لفهم تطور الإنسان العاقل وأشباه البشر السابقين في أوراسيا.

يأتي هذا الاكتشاف ضمن سلسلة من الإنجازات الأثرية الكبرى في المغرب خلال العقود الأخيرة، والتي شملت اكتشاف أقدم إنسان عاقل في موقع جبل إيغود عام 2017، والذي يُقدر عمره بما بين 300 و350 ألف سنة، مقارنة بأقدم الحفريات السابقة التي عُثر عليها في إثيوبيا بعمر 195 ألف سنة تقريبًا.

وقال وزير الثقافة المغربي، محمد المهدي بنسعيد، إن هذا الاكتشاف يمثل ثمرة عمل علمي دؤوب قاده المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث بالتعاون مع جامعات ومؤسسات دولية، مشيدًا بالدور المحوري للمغرب في خريطة البحث الأثري العالمي، مؤكدًا أن هذا الاكتشاف يعيد البشرية إلى مرحلة أقدم من ظهور الإنسان العاقل.

تحليل هذه البقايا أظهر مزيجًا من السمات البدائية وخصائص تشبه الإنسان العاقل المبكر، ما يجعلها حلقة أساسية لدراسة تطور الجنس البشري. كما يشير الاكتشاف إلى أن أصل الإنسان العاقل والتوقيت الدقيق لانفصال مجموعاته السلفية عن سلالة النياندرتال والدينيسوفان يمكن فهمه بشكل أفضل من خلال شمال أفريقيا، وبخاصة المغرب، مؤكدًا مرة أخرى على فرضية الأصل الأفريقي العميق للبشرية.

هذا الاكتشاف الجديد في مغارة مقالع طوما يعيد رسم خريطة تاريخ الإنسان القديم، ويؤكد أن شمال أفريقيا لم تكن مجرد معبر، بل مركزًا حيويًا لتطور الإنسان ومكانًا للتنوع البشري منذ نحو 773 ألف سنة.

             

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
التعبئة الحوثية.. أوعية لعسكرة وتلقين المجتمع على طريقة الباسيج الإيرانية

تركز مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران مجهوداتها الرئيسية على تعبئة المجتمع وتجنيده عسكريًا وتأطيره أيديولوجيًا، لخدمة مشروعها وحروبها المستقبلية، استنساخًا للتجربة الإيرانية. زعيم الميليشيا أفصح عن تدريب أ مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد