2025 عام الخسائر المركّبة للحوثيين: اختراق أمني وتجفيف مالي يقيّدان حسابات 2026

2026-02-10 23:36:52 أخبار اليوم/ عدنان الجبرني

    

| كان 2025، عاماً بالغ القسوة، بالنسبة لعبد الملك الحوثي وجماعته، لكن رغم ذلك، لدى الرجل جدول مهام كثيرة ومُعقدة للعام الجديد 2026..

ودّعت ميليشيا الحوثي الإرهابية العام الماضي مثقلةً بخسائر مُركّبة، شملت البنية القيادية، والقدرات المالية، والمنظومة الأمنية، ومستوى تماسك المحور الإقليمي المساند للميليشيا، وانتهاءً بما حصل في المحافظات الجنوبية من تحوّل حاسم في وضع الحكومة الشرعية والتحالف الذي تقوده السعودية.

فقدت الميليشيا المدعومة من إيران، أكثر من نصف تشكيلتها الحكومية بضربة إسرائيلية أواخر أغسطس، وعددًا من أبرز قياداتها العسكرية والأمنية، على رأسهم محمد الغماري رئيس أركان الميليشيا، الذي كان شخصية مركزية في هيكل الميليشيا العسكري، فيما أُصيب وزير دفاعها محمد العاطفي، إضافةً إلى المعلومات بشأن إصابة بليغة لوزير الداخلية في الميليشيا عبد الكريم الحوثي (عمّ زعيم الميليشيا وأحد أقوى شخصياتها)، الذي لم يظهر حتى اللحظة منذ أغسطس الماضي، إلى جانب كوادر متخصصة في الأقسام النوعية، أبرزهم زكريا حجر مسؤول قسم الطيران المسيّر، وأبرز مساعديه في القسم من مسؤولي التخصصات، وكذلك بعض كوادر قسم الصاروخية وقائد العمليات المشتركة للعمليات الخارجية محمد الحيفي، وأضرار طالت منشآت وبُنى تحتية حساسة.

كما شملت الخسائر شخصيات من مكتب التعبئة، وأفرادًا من الدائرة القريبة لزعيم الميليشيا، وكثير ممن قُتلوا لا تزال الميليشيا تؤجل الإعلان عن مقتلهم، وبعضهم تم تشييعهم بشكل متقطع أواخر العام الماضي «خلال ديسمبر الماضي شيّعت الميليشيا 15 قياديًا عسكريًا برتبة لواء – عميد».

الحصيلة السابقة كانت نتيجة العملية الأمريكية (مارس – مايو)، وكذلك جولات الغارات الإسرائيلية الانتقامية المرتبطة بدور ميليشيا الحوثي في حرب غزة، والتي استمرت حتى 13 أكتوبر 2025.

الاختراق الأمني.. الضربة الأشد

غير أن الضربة الأكثر حساسية بالنسبة لعبد الملك الحوثي كانت أمنية بامتياز. فقد اعتادت الميليشيا التفاخر بما تصفه بـ«التفوق الأمني» مقارنة ببعض أذرع المحور التي انكشفت أمنيًا بشكل محرج خلال المواجهة، خاصة حزب الله وإيران، إلا أن عام 2025 كشف ثغرات عميقة في قلب المنظومة الداخلية للميليشيا والدائرة الضيقة لزعيمها تحديدًا، رغم ما يُحاط به من الغموض والامتناع عن الظهور العلني منذ سنوات طويلة.

وبحسب مصادر خاصة، فقد اكتشفت الميليشيا في أواخر نوفمبر الماضي وجود شخص مرتبط مباشرة بمكتب عبد الملك الحوثي ودائرته الخاصة، قام بتسريب معلومات شديدة الحساسية تتعلق بمقرات سرية كان يتردد عليها عبد الملك الحوثي وبعض معاونيه في فترات سابقة، الأمر الذي أجبر الميليشيا على إجراء تغييرات شاملة في منظومة الحماية الأمنية، وإعادة هيكلة إجراءات تأمين تحركاته واتصالاته.

كما تشير مصادر أمنية خاصة إلى تلقي عبد الملك الحوثي «رسالة – ونصيحة» عبر قناة إقليمية، تضمنت معلومات حساسة عن عبد الملك ولقاءاته السرية التي كان يعقدها مع قيادات في قطاعات مختلفة في الميليشيا عبر منظومة اتصال مغلقة. هذا التطور ضاعف من عزلة الحوثي وارتباكه، وقيّد تواصله التنظيمي بنسبة كبيرة، الأمر الذي انعكس على شكل ارتباك ملحوظ في إدارة الميليشيا ومؤسساتها وملفاتها المختلفة.

ويبدو أن المُعضلة الأمنية توسعت لدرجة فضّلت معها الميليشيا عدم إصدار قرار بتعيين رئيس حكومتها وملء شواغر الوزراء القتلى، رغم مرور قرابة نصف العام على مقتلهم، إذ يستمر «العلامة محمد مفتاح» بدور القائم بالأعمال (واجهة)، فيما يقوم فريق الظل في «القطاع الإداري» بإدارة الحكومة عبر فريق أحمد حامد.

وتحت غطاء تأمين «الجبهة الداخلية»، قامت الأجهزة الأمنية للميليشيا باعتقال واختطاف المئات في مناطق سيطرتها، وانتزعت من بعضهم اعترافات بالعمالة والتجسس، وقامت ببثها بشكل استعراضي لمحاولة استعادة صورتها الأمنية المغلقة.

الضغط المالي وتآكل الموارد

ماليًا، يُعد عام 2025 الأسوأ للميليشيا منذ سيطرتها على صنعاء، إذ فقدت ميليشيا الحوثي مصادر تمويل رئيسية نتيجة الغارات الجوية، وتشديد العقوبات الأمريكية على شبكاتها المالية محليًا وخارجيًا، وفرض قيود إضافية على التحويلات القادمة من لبنان والعراق وإيران. كما جرى اعتراض شحنات تهريب كبيرة لأسلحة نوعية كانت في طريقها إلى صنعاء عبر البحر.

انعكست هذه الشحة المالية غير المسبوقة على إدارة مناطق السيطرة في كافة القطاعات، وعلى مستوى الإنفاق (الشحيح أصلًا) على المؤسسات الإدارية (حكومة الميليشيا)، وكذلك على شبكات الولاءات والاستقطاب.

وفي مسعى للتعويض، اتجهت الميليشيا إلى فرض مزيد من الجبايات عبر زيادات في نسب الضرائب والجمارك، والسيطرة على شركات خاصة، وتحصيل جبايات قاسية كمجهود حربي، مما زاد من مستوى السخط الشعبي، ورغم ذلك فإن الميليشيا — وبأمر مباشر من زعيمها — توجّه معظم تلك الأموال لصالح أقسام التصنيع العسكري وشبكات التهريب المرتبطة بالقسم، الذي يعتبره الحوثي أولوية مقدمة على ما سواه، بينما يراهن على اليد الأمنية الثقيلة لمنع أي احتجاج شعبي بسبب عدم صرف المرتبات وحالة المجاعة المتفاقمة.

محور المقاومة في أضعف حالاته

ترافقت خسائر ميليشيا الحوثي مع تراجع كبير في تماسك «محور المقاومة»، إذ تمر إيران بمرحلة ضعف غير مسبوقة، وتواجه تحديات داخلية وخارجية ذات طابع وجودي بعد حرب الـ12 يومًا في يونيو الماضي، والاحتجاجات الشعبية أواخر ديسمبر المنصرم، إضافةً إلى التهديد الأمريكي القائم بضربة وشيكة بعد حشد أصول عسكرية أمريكية غير مسبوقة إلى المنطقة، فيما يقاتل حزب الله المثخن من أجل النجاة وتفادي موجة حرب جديدة قد تهدد ما تبقى من بنيته العسكرية والسياسية. أما الفصائل العراقية فتعيش حالة ارتباك سياسي وأمني، بينما خرجت سوريا فعليًا من المعادلة، وتراجعت رهانات ميليشيا الحوثي على استعادة نفوذ المحور هناك، رغم حماسها للمساهمة.

وبالتالي، تبدو طهران أقل اندفاعًا وأكثر ميلًا إلى التهدئة مع دول المنطقة، خصوصًا السعودية، وبالنسبة لطهران أيضًا فإن الاستثمار في تطوير العلاقة مع السعودية في الوضع الحالي أهم من أي مكاسب قد تجنيها ميليشيا الحوثي. وتصريحات «عراقجي» ولقاءاته في مسقط خلال الشهرين الماضيين تشير إلى أن إيران تريد أن تستثمر ورقة ميليشيا الحوثي لكسب نقاط في علاقتها مع السعودية، وربما تعتقد (طهران) أن هذا هو الوقت المناسب لحصد بعض ثمار استثمارها الطويل والجريء في ميليشيا الحوثي، والمرجح أن تتجه إلى تعويض الميليشيا حاليًا من خلال مستوى أعلى من نقل التقنية والمعرفة العسكرية المتطورة لطمأنة الميليشيا وإثبات حرصها على تقويتها على المدى الاستراتيجي. وهناك معلومات أولية تشير إلى هذا المسار، وحصول ميليشيا الحوثي على تقنية جديدة و«استراتيجية» خلال الأشهر القليلة التي أعقبت توقف حرب غزة.

بالنسبة لميليشيا الحوثي، قد يعني هذا تضاؤلًا «محتملًا» لمستوى الإسناد الإقليمي الذي كانت تستند عليه، وتصاعد القيود على قرارها بشأن أي تصعيد، خصوصًا في العلاقة مع السعودية وخارطة الطريق. وفي الوقت نفسه، فإن خشية عبد الملك الحوثي من «البطالة الجهادية» داخل قواته وتحولها إلى عبء، ستدفعه للبحث عن ساحات اشتباك بديلة — أو على الأقل إبقاء الجبهة الخارجية الأبعد حيّة — ريثما تتغير ظروف المحور والإقليم، مع الحفاظ على جاهزية للتدخل إذا تعرضت إيران لضربة جديدة.

الحاضنة الشعبية وحالة الخوف

على الصعيد الداخلي، لم تحقق ميليشيا الحوثي المكاسب الشعبية التي توقعتها مقابل خطابها ودورها المرتبط بحرب غزة، إذ عاد تصاعد السخط الشعبي والانتقادات في مناطق سيطرتها. وردّت الميليشيا بحملة قمع واسعة شملت المئات بل الآلاف، خصوصًا حول ذكرى 26 سبتمبر، واستهدفت نشطاء ومشايخ قبائل وقيادات سياسية، بما في ذلك شخصيات من حزب المؤتمر المتحالف شكليًا معها، كما شنت حملات منظمة ضد كوادر من حزب الإصلاح في محافظات إب وذمار وصعدة.

كما أصدرت الميليشيا عشرات أحكام الإعدام، وصعّدت خطاب التخوين والترهيب، ووسّعت نفوذ جهاز استخبارات الشرطة بقيادة علي حسين الحوثي، نجل شقيق عبد الملك الحوثي.

رهانات ديسمبر والتحول المفاجئ

في نهاية عام 2025، رأت الميليشيا فرصة سانحة مع تصعيد المجلس الانتقالي، بإيعاز ودعم إماراتي، في حضرموت والمهرة، وظلت ميليشيا الحوثي تراقب — بهدوء — ما بدا لها أنها فرصة لاحت من جهة الشرق هذه المرة. ووضعت تلك التطورات الرياض ومجلس القيادة الرئاسي في موقف ضعيف نسبيًا، غير أن هذه اللحظة سرعان ما تلاشت مع التحول السعودي الحازم إلى جانب مجلس القيادة، وجرى استعادة حضرموت والمهرة وعدن، وإخراج الإمارات من اليمن بقرار من مجلس القيادة، وبالتالي عودة وحدة مجلس القيادة الرئاسي، وتشكيل لجنة عسكرية عليا بقيادة التحالف.

أعاد هذا التحول قدرًا من المركزية ووحدة القرار إلى معسكر خصوم ميليشيا الحوثي، وأنهى مرحلة كانت الميليشيا قد استفادت فيها من تشتّت خصومها وانقسامهم وتباعد الوجهات والأهداف بين تشكيلات الشرعية. كما أعاد تشكيل حسابات التفاوض بشأن خارطة الطريق من خلال خلق فرصة لإعادة بناء التوازن، سواء في مسار تناغم الأداء الحكومي ووحدة الغاية الاستراتيجية وسلّم الأولويات، أو من خلال المسار الآخر بإعادة بناء وتعبئة جميع التشكيلات العسكرية ضمن الجيش الوطني وتأهيلها لكسر ورقة التفوق العسكري للميليشيا، التي ظلت تراهن عليها خلال السنوات الماضية.

كما أن هذا الموقف السعودي (الخشن) وعودة إقلاع الطائرات الحربية السعودية نحو الأجواء اليمنية قد خيّب آمال ميليشيا الحوثي، وكسر فرضية راهن عليها بعضهم علنًا خلال الفترة الماضية بشأن عزوف السعودية عن التدخل «عسكريًا» مجددًا في الشأن اليمني. لكن الرياض أعادت رسم الخطوط الحمراء وأظهرت أنها مستعدة لاستخدام كل قوتها ووزنها ونفوذها عندما يتعلق الأمر بحماية المسار العام في اليمن وما يمكن أن يهدد أمنها أو يؤدي إلى إسقاط الحكومة الشرعية التي تدعمها، حتى وإن كان تدخلها العسكري هذه المرة في حضرموت والضالع لا يُقارن من حيث إمكانية رد الفعل عندما يتعلق الأمر بميليشيا الحوثي، لكنه يظل مؤشرًا قويًا وجديًا.

وهناك بُعد آخر لا يقل أهمية فيما يتعلق بإخراج الإمارات من اليمن، إذ لطالما كانت طبيعة الوجود والنفوذ الإماراتي في جنوب اليمن عبر المجلس الانتقالي تعود على ميليشيا الحوثي بمكاسب غير مباشرة، أبرزها أنه كان يمد السردية للميليشيا برافعتين ذهبيتين، خاصة أمام جمهورها وفي مناطق سيطرتها عمومًا: التقسيم/الانفصال، والعلاقة/الارتباط مع الكيان الإسرائيلي. وهما شعاران يوفران على الميليشيا جهودًا في التعبئة لوقع هذه الشعارات في وجدان كثير من الناس، وهو ما كان يمنح — أو سيمنح — ميليشيا الحوثي زخمًا للحشد ضد خصومها الذين كانوا — فوق إخفاقاتهم السياسية والعسكرية — يُتَّهمون بالتفريط بوحدة البلاد وبالارتهان لمحاور إقليمية مرفوضة لدى قطاع واسع من اليمنيين.

وبالتالي فإن تآكل هذه السرديات وخسارة ميليشيا الحوثي لهذه الأوراق الدعائية، بالتوازي مع تجدد الأمل داخل معسكر خصومها، قد يفضي إلى إعادة تشكيل المزاج العام، ومنح المعسكر المقابل لميليشيا الحوثي دفعة معنوية ورمزية جديدة قائمة على وعد واقعي بالخلاص واستعادة الدولة، شرط حُسن إدارة العهد الجديد.

أسباب الخسائر: مزيج من العوامل

يمكن تفسير النتائج الثقيلة التي مُنيت بها الميليشيا خلال 2025 من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها اندفاع القيادة للميليشيا (عبد الملك) وتسرّعها في بعض المسائل المتعلقة بقرارات استراتيجية، ما أدى إلى اختناق الأفق السياسي وانحسار هامش المناورة والخيارات. أخطأت الميليشيا في معايرة مواقف متعددة كان حسن نصر الله مؤثرًا في ضبط إيقاعها.

ثم إن انكفاء طهران وانشغالها بملفاتها الداخلية، والتحولات في ميزان القوى الإقليمي، والاحتقان الداخلي والارتباك الأمني بفعل الضربات الجوية، وفشل عدد من السياسات الاقتصادية والإدارية، بالإضافة إلى صراعات داخلية لم تظهر إلى العلن بشكل واضح حتى الآن، أدى في مجموعه إلى سلسلة من الخسائر في كثير من الملفات.

مكاسب عسكرية محدودة في 2025

على الرغم من هذه الخسائر في الجوانب القيادية والأمنية والاقتصادية والسياسية، حققت الميليشيا بعض المكاسب في مجال تطوير القدرات العسكرية بدعم إيراني ومن أطراف أخرى. وظهرت مؤشرات ذلك في تجارب على صواريخ انشطارية استطاعت المناورة مع منظومات الدفاع الإسرائيلية في أغسطس وسبتمبر تحديدًا، إضافة إلى نجاح مسيّرات في الوصول إلى إيلات خلال عدة هجمات متتالية خلال المدة نفسها، فضلًا عن تجربة صاروخ بعيد المدى خلال الأيام الأخيرة من العام الماضي وبداية العام الجاري. وهو صاروخ لم يُكشف عنه («جهاد») بخصائص جديدة تصل إلى 2000 كم.

وبالإضافة إلى هذا التطور، تعتقد ميليشيا الحوثي أنها حققت نجاحًا في مسار التعبئة عبر آلاف الفعاليات والمناسبات الجماهيرية والبرامج التدريبية التي عممتها على موظفي الدولة وطلاب المدارس والجامعات.

2026: مهام وأولويات عبد الملك الحوثي

رغم قسوة العام الماضي، إلا أن هذا العام قد تتجه خلاله الميليشيا لترميم قدراتها وانتظار جلاء جزء من الاشتباك القائم في المنطقة بشكل أساس، مع التركيز على بناء القدرات النوعية لتثبيت حالة «الاستعصاء» التي يطمح إليها عبد الملك عبر التجلّد في المواجهة وإثبات استحالة القضاء على الميليشيا أو لجمها.

وفي سبيل ذلك، فإن هناك مسارين رئيسيين في أجندة المجلس الجهادي لميليشيا الحوثي في 2026: مسار المعارك الخارجية المرتبطة بمحور المقاومة، ومسار وضع الميليشيا الداخلي والمحلي، بما في ذلك الجبهات مع الحكومة الشرعية في ظل المتغيرات الأخيرة.

المسار الأول: الجهاد العالمي وإسناد المحور

استهل عبد الملك الحوثي عام 2026 ببيان حول اعتراف الكيان الإسرائيلي بأرض الصومال كدولة مستقلة، واعتبر أي وجود إسرائيلي هناك تهديدًا مباشرًا، متوعدًا باستهدافه عسكريًا. وبحسب مصادر خاصة، فقد وجّه الحوثي توبيخًا لقيادة العمليات التابعة له لعدم استهداف وزير الخارجية الإسرائيلي خلال زيارته لأرض الصومال في 6 يناير الماضي، قبل أن يظهر في خطاب لاحق بعدها بأيام ليقول إن الوزير الإسرائيلي تسلل متخفيًا خوفًا من موقف الميليشيا، وكرر تأكيده على جدية تهديداته باستهداف أي تمركز عسكري إسرائيلي في أرض الصومال.

إلى جانب هذا الملف، تتضمن أجندة ميليشيا الحوثي خلال العام الجديد الاستعداد للتدخل في ثلاث ساحات خارجية محتملة: في حال توجيه ضربة أمريكية – إسرائيلية لإيران — ولها تجربة سابقة منسقة مع الحرس الثوري خلال ما عُرف بـ«حرب الاثني عشر يومًا» — أو اندلاع مواجهة جديدة مع حزب الله، أو تعثر اتفاق غزة وتجدد الحرب على غزة. وبالتالي من المحتمل أن ينصبّ جزء مهم من تركيز الميليشيا على الحفاظ على امتيازها الحالي ضمن المحور باعتبارها «اليد الطولى والعنيدة للإسناد».

في المقابل، تتوقع ميليشيا الحوثي تصعيدًا إسرائيليًا وشيكًا ضدها، ويتحدث عبد الملك الحوثي في كل خطاب عن «الاستعداد لجولة الحرب القادمة»، في ظل تصريحات إسرائيلية متكررة تشير إلى أن 2026 سيكون عامًا لـ«الحرب في جبهات بعيدة»، مع تلويح متزايد لقادة الجيش الإسرائيلي باستهداف ميليشيا الحوثي باعتبارها تهديدًا متقدمًا مقارنة بحزب الله وإيران.

كما أن تحوّل الخطاب للميليشيا وتوسّع النزعة العقائدية يشير إلى ازدياد ولع الميليشيا بالمعارك الخارجية من خلال خطابات عبد الملك الحوثي والخطاب التعبوي والإعلامي، والتي تركّز بشكل متزايد على قضايا «الأمة» ومواجهة «الاستكبار»، مع توسع في تحليل وفهم الشؤون الدولية والإقليمية من منظور عقدي صارم يميل إلى مزيد من الأصولية والتطرف، وهو عامل شخصي مؤثر في صياغة قرارات الميليشيا وسلوكها الاستراتيجي.

المسار الثاني: ترميم البنية والحرب الداخلية

تبدو مهمة ميليشيا الحوثي في هذا المسار أكثر تعقيدًا وتداخلًا، وقد سبق لها في خطاب سابق رسم أولوياتها المعلنة في ثلاث قضايا رئيسية يركز عليها، وتتمثل في:

أولًا: تعزيز القوة النوعية الاستراتيجية

عبر تطوير الصواريخ والمسيّرات والقوة البحرية، وتوجيه موارد مالية كبيرة لهذا القطاع، باعتباره الضامن الأساسي لبقاء الميليشيا، وبالطبع يدخل المسار الأمني وتعزيز اليد الباطشة للميليشيا في هذا الباب.

ثانيًا: تكثيف التعبئة وعسكرة المجتمع

من خلال توسيع برامج التحشيد الثقافي والعسكري، خصوصًا بين الشباب والنشء، بما يعزز الطابع الديني للمجتمع في مناطق سيطرتها.

ثالثًا: إعادة هيكلة القطاع الإداري بالميليشيا

عبر إعادة تشكيل الحكومة وإجراء تغييرات اقتصادية وإدارية لاستكمال إعادة تشكيل مؤسسات الدولة وفق تصور الميليشيا الخاص للحكم والإدارة، وتجاوز البعد الأمني.

ماذا عن الحرب الداخلية؟

ما لم يتحدث عنه عبد الملك الحوثي علنًا أو صراحة هو ملف الحرب مع خصومه المحليين، إذ تتداخل رؤيته لهذا الملف ورغبته الجامحة في استئناف الحرب محليًا مع عوامل عدة، أهمها وضع الميليشيا ومستوى جاهزيتها الشاملة للحرب، وليس فقط الجاهزية النارية والبشرية، وكذلك السياق الإقليمي ووضع المحور وأولويات طهران في العلاقات مع الإقليم.

والأهم أن أي معركة لميليشيا الحوثي باتجاه مناطق الشرعية لن تكون سهلة، وليس هناك ضمانة بعدم الارتداد السلبي لأي تحرك بعد متغيرات الشهر الماضي، وارتباك أوراق الميليشيا جنوبًا بعد جهود أمنية لسنوات، وهناك عوامل أخرى؛ لكن جميعها — في تقديري — تدفع الميليشيا للسير في اتجاه محاولة انتزاع أقصى ما يمكن من مكاسب خارطة الطريق، خاصة في ما يتعلق بالترتيبات الإنسانية والاقتصادية، بما يمكنها من إبعاد الحبل الاقتصادي والخدمي عن رقبتها، مع الإبقاء على الجاهزية العسكرية والتعبوية تحسبًا لأي تحوّل إقليمي مفاجئ قد يفتح نافذة جديدة للمغامرة أو التصعيد الداخلي.

ولكن من غير المرجّح أن تبقى ميليشيا الحوثي متفرجة على خسارة الوضع السابق في عدن والمحافظات المحررة، والذي كان مريحًا بالنسبة لها. وبما أنها لا تستطيع خوض مواجهة عسكرية في الوضع الحالي وفقًا للمؤشرات الآنفة، فإنها ستتجه — بزخم أكبر — إلى الاهتمام بـ«الخطة ب» من خلال التكيّف مع الواقع الجديد، ومحاولة تعطيل الاستقرار في عدن تحديدًا، وإفشال جهود الحكومة والتحالف بقيادة السعودية لإبقاء المشهد هشًا وقابلًا للانتكاس.

 وستعتمد الميليشيا في ذلك على أدوات أمنية مباشرة وغير مباشرة مثل: الاغتيالات، وتوسيع التخادم مع خلايا من جماعات متطرفة، وتحفيز الفوضى عبر مسارات اجتماعية وإعلامية، واختراق الكتل العسكرية المتذمرة والالتحام بها، مع احتمال تقاطع هذا المسار مع أطراف إقليمية متضررة من فقدان نفوذها جنوبًا.

وتشير هوية القيادات للميليشيا المكلّفة بملف المحافظات المحررة إلى هذا التوجه، إذ أُسند إلى شخصيات أمنية صلبة وغامضة مثل عبد الله العربجي، المتهم بتفجير منزل في رداع في مارس 2023، إضافة إلى أحمد خميس، والشهاري، والحمران، والمهدي، ضمن فريق ظل أمني–عسكري.

وبين الرغبة لدى ميليشيا الحوثي في استعادة زمام المبادرة ومواصلة مسار الصعود من جهة، والخشية من تكرار خسائر 2025 ومزيد من ضيق الخيارات من جهة أخرى، سيظل قرار الحرب لدى عبد الملك الحوثي مرهونًا بالتوازن الدقيق في ظل التعقيدات المحلية والإقليمية، وهو توازن أخفق فيه خلال العام الماضي.

المصدر: ديفانس لاين

                                              

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
حرب الموانئ: الصراع الصامت بين الرياض ودبي.. من يملك مفاتيح التجارة في الشرق الأوسط؟

لم يعد التنافس بين السعودية والإمارات في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية مجرد سباق تجاري تقليدي، بل تحوّل – وفق توصيف تقارير وتحليلات غربية حديثة – إلى صراع استراتيجي صامت لإعادة رسم خريطة التجارة في الشرق الأوسط مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد