كشف السر الجزيئي لحرير العنكبوت.. كيف تصنع “ملصقات” كيميائية خيطًا أقوى من الفولاذ؟

2026-02-13 21:06:20 أخبار اليوم - متابعات

   

لطالما أثار حرير العنكبوت دهشة العلماء؛ خيط رفيع بالكاد يُرى بالعين المجردة، لكنه قادر على تحمّل شدّ يفوق الفولاذ نسبةً إلى وزنه، وفي الوقت نفسه يتمتع بمرونة تقترب من المطاط. هذه المفارقة – قوة استثنائية وخفة ومرونة في آنٍ واحد – جعلت من حرير العنكبوت مادة طبيعية تُوصف بأنها «معجزة هندسية».

اليوم، كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في دورية PNAS عن السر الجزيئي الذي يمنح هذا الخيط أداءه الفريد، موضحةً أن وراء هذه الخصائص الاستثنائية حيلة كيميائية دقيقة تتكرر آلاف المرات أثناء عملية الغزل.

من سائل إلى ليف فائق الصلابة

أحد أكثر الجوانب إثارة في حرير العنكبوت هو أنه لا يبدأ حياته كخيط صلب. فداخل غدة الحرير في جسم العنكبوت، توجد المادة على هيئة محلول شديد التركيز من بروتينات طويلة. وعندما يبدأ العنكبوت عملية الغزل، تتحول هذه السلاسل البروتينية تدريجيًا من حالة سائلة إلى ليف منظم عالي المتانة.

هذا التحول لا يحدث عشوائيًا، بل يتم عبر آلية دقيقة تضمن توازنًا مثاليًا بين التماسك والمرونة. فلو تكتلت البروتينات بقوة في وقت مبكر، لتصلبت قبل أن تُسحب وتُرتّب بشكل صحيح. ولو بقيت رخوة أكثر من اللازم، فلن تتماسك لتكوين ألياف قوية.

سر الأرجينين والتيروسين

حددت الدراسة أن مفتاح هذا التوازن يكمن في تفاعلات بين حمضين أمينيين محددين داخل بروتينات الحرير: الأرجينين والتيروسين. يعمل هذان الحمضان مثل «ملصقات جزيئية» مؤقتة، تُنشئ نقاط ارتباط قابلة للعكس بين السلاسل البروتينية.

هذه الروابط ليست دائمة تمامًا، وليست ضعيفة تمامًا. بل تتشكل وتتفكك بسرعة، ما يسمح للبروتينات بالتجمع تدريجيًا وإعادة ترتيب نفسها بشكل منظم أثناء عملية السحب والشد. وبدل أن «تتجمد» السلاسل في بنية عشوائية، تُمنح فرصة لبناء هيكل داخلي متدرج ومتماسك.

ومع استمرار الغزل، تتكون داخل الخيط ما يُعرف بـمناطق صفائح بيتا (Beta-sheets)، وهي «عُقد» نانوية منتظمة تمنح الحرير قوته العالية ومقاومته للتمزق، بينما تبقى مناطق أخرى أقل انتظامًا لتوفر المرونة والقدرة على امتصاص الصدمات.

أدوات دقيقة لكشف البنية الخفية

للوصول إلى هذه النتائج، استخدم الباحثون مزيجًا من التقنيات المتقدمة، شملت قياسات مجهرية دقيقة، ونمذجة حاسوبية، وتحليلات كيميائية متخصصة. وقد مكنتهم هذه الأدوات من ربط ما يحدث على مستوى الذرات والبروتينات بما نراه في الخيط النهائي من خصائص ميكانيكية مذهلة.

النتيجة: صورة أكثر وضوحًا لكيفية انتقال حرير العنكبوت من سائل بروتيني إلى مادة فائقة الأداء دون فقدان قدرته على التمدد وتحمل الإجهاد.

آفاق تطبيقية واعدة

فهم هذا السر الجزيئي لا يقتصر على حل لغز بيولوجي قديم، بل يفتح الباب أمام تطوير مواد صناعية مستوحاة من الطبيعة. فالعلماء يسعون منذ سنوات لإنتاج «حرير اصطناعي» يمكن استخدامه في:

- الصناعات الطبية (خيوط جراحية متقدمة، أنسجة بديلة)

- مواد خفيفة وقوية في الطيران والسيارات

- دروع واقية ومواد ممتصة للصدمات

- ألياف ذكية ومرنة للأجهزة القابلة للارتداء

وإذا أمكن تقليد آلية «الملصقات الجزيئية» بدقة، فقد يصبح بالإمكان تصنيع مواد تجمع بين الخفة والقوة والمرونة، وهي معادلة طالما سعت الهندسة الحديثة لتحقيقها.

في النهاية، يكشف هذا الاكتشاف أن ما يبدو خيطًا بسيطًا في زاوية جدار يخفي وراءه نظامًا كيميائيًا بالغ التعقيد والدقة. وبيت العنكبوت، الذي طالما اعتُبر مجرد شبكة لاصطياد الحشرات، يثبت مرة أخرى أنه مختبر طبيعي متكامل، سبق العلم الحديث في هندسة المواد بآلاف السنين.

              

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
حرب الموانئ: الصراع الصامت بين الرياض ودبي.. من يملك مفاتيح التجارة في الشرق الأوسط؟

لم يعد التنافس بين السعودية والإمارات في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية مجرد سباق تجاري تقليدي، بل تحوّل – وفق توصيف تقارير وتحليلات غربية حديثة – إلى صراع استراتيجي صامت لإعادة رسم خريطة التجارة في الشرق الأوسط مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد