الصين و«الجدار الأخضر العظيم».. كيف أعادت 66 مليار شجرة رسم ملامح صحراء تاكلاماكان؟

2026-02-14 23:27:30 أخبار اليوم - متابعات

   

قبل نحو نصف قرن، كانت صحراء تاكلاماكان في شمال غرب الصين توصف بأنها «فراغ بيولوجي» شاسع؛ رمال متحركة تمتد بلا حدود، وجفاف قاسٍ لا يسمح للنباتات بالاستقرار أو النمو. اليوم، تغيّرت الصورة إلى حد كبير، بعدما تحوّل محيط الصحراء إلى حزام أخضر واسع ضمن واحد من أضخم المشاريع البيئية في التاريخ الحديث: مشروع الجدار الأخضر العظيم.

بداية مشروع طويل النفس

في عام 1978، أطلقت الصين ما يُعرف رسميًا باسم برنامج حماية الغابات الثلاثة-الشمالية، بهدف مواجهة التصحر الذي كان يهدد الأراضي الزراعية والسكان في المناطق الشمالية. استهدف المشروع زراعة أحزمة شجرية على امتداد حدود صحراوي تاكلاماكان وغوبي، لتثبيت الكثبان الرملية، والحد من انجراف التربة، وتقليل العواصف الترابية.

ومنذ انطلاقه، جرى زرع أكثر من 66 مليار شجرة على طول نحو 4500 كيلومتر في شمال البلاد، مع خطط لزراعة عشرات المليارات الإضافية خلال العقود المقبلة. وبحلول عام 2024، أصبح محيط تاكلاماكان محاطًا بحزام أخضر ساعد على كبح زحف الرمال، وزيادة الغطاء النباتي في الصين من نحو 10% عام 1949 إلى أكثر من 25% اليوم.

مواجهة التصحر.. تدخل بشري واسع النطاق

التصحر يُعد من أخطر التحديات البيئية في المناطق الجافة، حيث يؤدي الجفاف والرياح القوية إلى تدهور التربة وتحول الأراضي الخصبة إلى صحارى. وفي حالة تاكلاماكان، كانت أكثر من 95% من المساحة عبارة عن رمال متحركة.

لكن مشاريع التشجير الواسعة أثبتت أن التدخل البشري المنظم يمكن أن يغيّر المعادلة. فوفق باحثين متخصصين في علوم البيئة والمناخ، ساهمت الأحزمة الشجرية في زيادة قدرة المنطقة على امتصاص ثاني أكسيد الكربون، محوّلة إياها تدريجيًا إلى ما يُعرف بـ«مصرف كربوني» (Carbon Sink)، أي منطقة تمتص الكربون من الغلاف الجوي بدلًا من إطلاقه، وهو ما يدعم جهود مكافحة التغير المناخي.

نتائج بيئية لافتة

دراسات طويلة الأمد، اعتمدت على صور الأقمار الصناعية والملاحظات الميدانية، أظهرت أن نمو الغطاء النباتي حول أطراف الصحراء ارتبط بزيادة ملحوظة في هطول الأمطار خلال الموسم الرطب، وتعزيز النشاط البيولوجي. كما أسهمت الأشجار في خفض مستويات ثاني أكسيد الكربون خلال الفترات الرطبة مقارنة بالموسم الجاف.

هذه المؤشرات دفعت بعض الباحثين إلى اعتبار التجربة الصينية نموذجًا يُظهر أن المناطق الصحراوية ليست بالضرورة «مناطق ميتة»، بل يمكن، في ظروف معينة، أن تتحول إلى أنظمة بيئية فاعلة تمتص الكربون وتحد من تدهور الأراضي.

تحديات وانتقادات

رغم النجاحات، لا يخلو المشروع من انتقادات. فقد اعتمدت أجزاء واسعة منه على زراعة أنواع محدودة من الأشجار مثل الحور والصفصاف، ما جعلها عرضة للأمراض. وفي مطلع الألفية، أدى انتشار مرض فطري في إحدى المقاطعات إلى فقدان أعداد كبيرة من الأشجار.

كما يشير خبراء إلى أن زراعة أشجار كثيفة في مناطق شحيحة المياه قد يؤدي إلى استنزاف المياه الجوفية، ويهدد التوازن البيئي المحلي إذا لم تُراعَ الخصائص الطبيعية للمنطقة. ويؤكد مختصون أن استدامة المشروع تتطلب تنويع الأنواع النباتية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتكييف خطط التشجير مع الظروف المناخية المتغيرة.

إلهام عالمي

ورغم التحديات، أصبح «الجدار الأخضر العظيم» مصدر إلهام لمبادرات دولية، أبرزها مشروع الجدار الأخضر في أفريقيا، الذي يهدف إلى زراعة حزام أخضر بطول آلاف الكيلومترات عبر منطقة الساحل لمكافحة التصحر وتحسين الأمن الغذائي.

بين الطموح والواقعية

قصة تاكلاماكان تعكس قدرة التدخل البشري المنظم على إحداث تحولات بيئية كبرى، لكنها تبرز أيضًا أهمية التخطيط العلمي طويل الأمد واحترام الحدود الطبيعية للنظم البيئية. فالتشجير ليس مجرد أرقام ضخمة من الأشجار المزروعة، بل عملية معقدة تتطلب توازناً دقيقاً بين الطموح البيئي والحفاظ على الموارد الطبيعية.

وفي ظل تصاعد تحديات المناخ عالميًا، تظل تجربة الصين مثالًا على أن مواجهة التصحر ممكنة، لكنها ليست وصفة سحرية، بل مشروع مستمر يحتاج إلى مراجعة وتطوير دائمين لضمان استدامته وفاعليته.

             

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
حرب الموانئ: الصراع الصامت بين الرياض ودبي.. من يملك مفاتيح التجارة في الشرق الأوسط؟

لم يعد التنافس بين السعودية والإمارات في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية مجرد سباق تجاري تقليدي، بل تحوّل – وفق توصيف تقارير وتحليلات غربية حديثة – إلى صراع استراتيجي صامت لإعادة رسم خريطة التجارة في الشرق الأوسط مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد