17 رمضان.. يوم مفصلي في التاريخ الإسلامي من نصر بدر إلى استشهاد علي بن أبي طالب

2026-03-07 03:31:51 أخبار اليوم - متابعات

   

يحتل السابع عشر من رمضان مكانة بارزة في الذاكرة التاريخية للأمة الإسلامية، إذ شهد هذا اليوم عبر العصور أحداثا مفصلية تركت آثارا عميقة في مسار التاريخ السياسي والعسكري والحضاري للمسلمين. ففيه تحقق أول انتصار عسكري حاسم في الإسلام خلال معركة بدر الكبرى، وفيه أيضا طويت صفحة الخلافة الراشدة باستشهاد الإمام علي بن أبي طالب، كما شهد هذا التاريخ تحولات سياسية في مدينة القدس، إضافة إلى تغييرات في موازين السلطة في العصر المملوكي. وبين هذه الأحداث المتباعدة زمنيا يجتمع معنى تداول الأيام بين لحظات القوة والتمكين وأوقات الفقد والتحول.

بدر الكبرى.. "يوم الفرقان" وبداية التحول الاستراتيجي

في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة (624م)، وقعت معركة بدر الكبرى التي شكلت أول مواجهة عسكرية فاصلة بين المسلمين وقريش. ولم تكن هذه المعركة مجرد محاولة لاعتراض قافلة تجارية كما تروي بعض السرديات المختصرة، بل جاءت في سياق اقتصادي وسياسي أوسع، إذ هدفت إلى استرداد جزء من حقوق المهاجرين الذين صادرت قريش أموالهم بعد هجرتهم إلى المدينة، إضافة إلى الضغط على الاقتصاد المكي الذي كان يعتمد بشكل كبير على طرق التجارة مع بلاد الشام.

وتبرز معركة بدر أيضا كنموذج مبكر لإدارة المعركة بالشورى والتخطيط العسكري. فقد استجاب النبي محمد ﷺ لمشورة الصحابي الحباب بن المنذر بتغيير موقع تمركز الجيش ليكون قريبا من آبار المياه، ما منح المسلمين أفضلية استراتيجية في ساحة القتال. كما أقيم "عريش القيادة" بناء على اقتراح سعد بن معاذ ليكون مركزا لإدارة المعركة ومتابعة مجرياتها.

وانتهت المواجهة بانتصار حاسم للمسلمين رغم الفارق العددي الكبير، حيث سقط عدد من أبرز قادة قريش الذين كانوا يقودون حملات العداء ضد الدعوة الإسلامية، ليصبح هذا اليوم بحق "يوم الفرقان" الذي تبدل فيه ميزان القوة في الجزيرة العربية.

رحيل رقية بنت النبي.. حزن يرافق بشائر النصر

وبينما كانت المدينة المنورة تنتظر أخبار النصر من ساحة بدر، شهدت لحظة حزينة برحيل السيدة رقية بنت النبي ﷺ، زوجة عثمان بن عفان. فقد كان عثمان قد تخلف عن المشاركة في المعركة بأمر من النبي ليتولى رعايتها أثناء مرضها.

توفيت رقية في اليوم نفسه الذي تحقق فيه الانتصار في بدر، فاختلطت مشاعر الفرح بالنصر مع الحزن على فقدان ابنة النبي التي عرفت بلقب "ذات الهجرتين" لهجرتها مع زوجها إلى الحبشة ثم إلى المدينة. وقد دفنت في مقبرة البقيع قبل عودة النبي ﷺ من المعركة.

استشهاد الإمام علي.. نهاية عصر الخلافة الراشدة

وفي السابع عشر من رمضان سنة 40 للهجرة (661م) وقعت واحدة من أكثر الحوادث تأثيرا في التاريخ الإسلامي، حين اغتيل الخليفة الرابع علي بن أبي طالب أثناء توجهه لصلاة الفجر في مسجد الكوفة.

وجاءت هذه الحادثة في سياق اضطرابات سياسية وفكرية شهدها العالم الإسلامي آنذاك، إذ تبنى بعض المتشددين من الخوارج فكرة استهداف قيادات الأمة بسبب رفضهم لنتائج التحكيم الذي جرى عقب معركة صفين. وتمكن عبد الرحمن بن ملجم من تنفيذ عملية الاغتيال أثناء وجود علي في محراب المسجد.

وباستشهاد علي بن أبي طالب انتهت مرحلة الخلافة الراشدة التي قامت على مبادئ الشورى والزهد في السلطة، لتبدأ مرحلة جديدة من التاريخ السياسي الإسلامي مع انتقال الحكم إلى الدولة الأموية التي اتخذت من دمشق مركزا لها، ما شكل تحولا كبيرا في طبيعة النظام السياسي وإدارة الدولة.

القدس بين الفاطميين والسلاجقة.. صراع الشرعية

كما شهد السابع عشر من رمضان عام 490 للهجرة (1097م) حدثا سياسيا مهما في تاريخ مدينة القدس، عندما انتقلت السيطرة على المدينة من القوى المرتبطة بالسلاجقة إلى الدولة الفاطمية في مصر.

ففي تلك المرحلة كانت القدس تخضع لحكم بني أرتق، وهم من القادة الأتراك المرتبطين بالسلاجقة الذين مثلوا القوة العسكرية الداعمة للخلافة العباسية في بغداد. غير أن الأوضاع داخل الدولة السلجوقية شهدت اضطرابات كبيرة بعد وفاة السلطان ملكشاه، ما أدى إلى صراعات داخلية أضعفت نفوذهم في بلاد الشام.

واستغل الوزير الفاطمي الأفضل شاهنشاه هذه الظروف ليبسط نفوذ الدولة الفاطمية على القدس، حيث جرى تسليم المدينة له مقابل الأمان، وغادر بنو أرتق نحو ديار بكر. وبذلك عاد اسم الخليفة الفاطمي المستعلي بالله ليذكر في خطبة الجمعة بالمسجد الأقصى بعد انقطاع دام سنوات.

ورغم أن هذا الحدث بدا في ظاهره نصرا سياسيا للفاطميين، فإن كثيراً من المؤرخين يرون أنه كان مكسبا مؤقتا أخفى وراءه خسارة استراتيجية، إذ ساهم الانقسام السياسي والطائفي بين القوى الإسلامية في إضعاف الجبهة الموحدة، وهو ما سهل لاحقا تقدم الحملات الصليبية. وبعد أقل من عامين فقط تمكن الصليبيون من الوصول إلى القدس واحتلالها عام 492 هـ (1099م)، حيث ارتكبت المجازر الشهيرة داخل المدينة.

نهاية حكم بيبرس الجاشنكير في العصر المملوكي

وفي العصر المملوكي شهد السابع عشر من رمضان سنة 709 هـ (1310م) نهاية حكم السلطان بيبرس الجاشنكير، الذي لم يستمر في السلطة سوى نحو عام ونصف.

وكان بيبرس المنصوري يحمل لقب "الجاشنكير"، وهو منصب في البلاط المملوكي يعني المسؤول عن تذوق طعام السلطان للتأكد من خلوه من السموم. وقد وصل إلى الحكم في مرحلة سياسية مضطربة بعد خروج السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى الكرك وتنازله المؤقت عن العرش.

غير أن حكمه لم يلق قبولا واسعا بين عامة الناس، خصوصا مع تزامن تلك الفترة مع أزمات اقتصادية وقحط وانخفاض في منسوب مياه النيل، ما أدى إلى انتشار المجاعة وارتفاع الأسعار. وتناقلت المصادر التاريخية أن العامة كانوا يرددون هتافات ساخرة تعبيرا عن غضبهم من الأوضاع، في إشارة إلى تحميله مسؤولية تلك الأزمات.

وفي النهاية اضطر بيبرس الجاشنكير إلى التخلي عن الحكم مع عودة السلطان الناصر محمد إلى القاهرة واستعادة العرش.

وهكذا يظهر السابع عشر من رمضان في صفحات التاريخ الإسلامي بوصفه يوما حافلا بالأحداث المفصلية التي تراوحت بين الانتصار والتحول السياسي والفقد المؤلم. فمن نصر بدر الذي شكل نقطة تحول في مسار الدعوة الإسلامية، إلى استشهاد الإمام علي الذي أنهى مرحلة الخلافة الراشدة، مرورا بتحولات السيطرة على القدس والتغيرات في الحكم المملوكي، ظل هذا اليوم شاهدا على تقلبات التاريخ وتداول الأيام بين الأمم.

                    

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
بين الجوع والوعي.. كيف تُعاد صياغة المجتمع في مناطق سيطرة الحوثيين؟

في أحياء صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، لا يقتصر المشهد على تداعيات الحرب العسكرية، بل يتشكل بصمت واقع أكثر عمقاً وتعقيداً يعيد رسم ملامح المجتمع من الداخل، وفق شهادات أكاديمية مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد