2026-04-17
من الحرس الثوري إلى الحوثيين: ألغام بحرية متطورة بخصائص فتاكة تهدد باب المندب والملاحة العالمية

في وقت تعصف فيه الحرب الأمريكية- الإسرائيلية بأركان النظام الإيراني وتضع منطقة الشرق الأوسط على فوهة بركان، يبرز تساؤل جوهري حول صمت الجبهة اليمنية؛ فبينما تتوالى الضربات الإسرائيلية والأمريكية على طهران وتؤدي إلى مقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في مارس 2026، تكتفي مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، حتى الآن بخطابات حماسية ومسيرات تنديدية دون انخراط عسكري مباشر.
هذا المشهد يضع المليشيا، التي لطالما رفعت شعار “الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل”، أمام اختبار حقيقي بين أيديولوجيتها المتجذرة وبين حسابات البقاء السياسي والعسكري في ظل نظام إقليمي يتشكل من جديد.
استراتيجية “الصبر المر” وتآكل محور المقاومة
رغم التصريحات النارية لزعيم المليشيا عبد الملك الحوثي، الذي أكد يوم الخميس الماضي أن “أصابعنا على الزناد، ومستعدون للاستجابة في أي لحظة”، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى حالة من “التريث الاستراتيجي”. ويرى خبراء أن هذا الإحجام نابع من كون المليشيا باتت تمثل “خط الدفاع الأخير” لمحور المقاومة بعد أن تعرضت بقية الأذرع الإقليمية، مثل حزب الله والميليشيات في العراق، لعمليات استنزاف وتدمير واسعة النطاق. إن التدخل الحوثي في هذه المرحلة قد لا يغير موازين القوى لصالح طهران، بل قد يؤدي إلى فقدان إيران لآخر معاقلها الحصينة في المنطقة.
توضح ندوى الدوسري، الباحثة في معهد الشرق الأوسط، في تصريحات لفوكس نيوز أن صمت مليشيا الحوثي الحالي ليس غياباً عن المشهد، بل هو حماية لآخر قلاع المحور الإيراني. وتوضح ذلك بقولها:
وتذهب الدوسري إلى أبعد من ذلك في تحليلها لمستقبل العلاقة مع طهران في حال تغير النظام هناك. حيث تشير إلى أن الرهان الإيراني على اليمن رهان استراتيجي طويل الأمد، قائلة: “إذا انهار النظام الإيراني وظهر نظام جديد، أعتقد أن الحرس الثوري الإيراني سيعيد تجميع صفوفه في اليمن أو الصومال؛ فاليمن هو الحليف الرئيسي والحاسم بالنسبة لهم، ولا يمكن للحرس الثوري أن يتحمل خسارة مليشيا الحوثي”.
علاوة على ذلك، فإن المليشيا تعاني من “هامش مناورة” ضيق؛ إذ يرى المحلل عبد الغني الإرياني من مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في تصريحه للتلفزيون الألماني “DW” أن القيمة المضافة لمليشيا الحوثي كانت تكمن في قدرتهم على إثارة المشاكل بالنيابة عن طهران مع منح الأخيرة “هامشاً من الإنكار”. ومع تحول الصراع إلى مواجهة مباشرة وعلنية وشاملة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تلاشت قيمة هذا النوع من الحروب بالوكالة، مما جعل أي تحرك حوثي حالي يبدو رمزياً أكثر منه تأثيراً في مسار الحرب الشاملة.
ويتوقع الإرياني أن يؤدي تراجع الدور الإيراني إلى تغيير في السلوك السياسي للمليشيا في اليمن. حيث يرى أن: “الحوثيين لن يحصلوا على الكثير من الدعم من إيران في المستقبل، وهو ما سيجبرهم في نهاية المطاف على التفاوض للوصول إلى اتفاق سلام عادل ومتوازن داخل اليمن لضمان بقائهم كقوة سياسية”.
هاجس “قطع الرأس” والردع الأمريكي-الإسرائيلي
لا يمكن فصل التردد الحوثي عن الضربات القاصمة التي تلقتها المليشيا خلال عام 2025؛ ففي أغسطس/آب من العام الماضي، شنت إسرائيل غارات جوية استهدفت صنعاء، أسفرت عن مقتل 12 من كبار قيادات المليشيا، من بينهم رئيس الوزراء في حكومة الحركة أحمد الرهوي ورئيس الأركان محمد الغماري، وقائد السلاح المسيّر وأكثر من 11 وزيراً. هذه الخسائر البشرية الفادحة خلقت حالة من الحذر الشديد لدى القيادة الحوثية، التي باتت تخشى من “عمليات قطع الرأس” وتتبع الاستخبارات الإسرائيلية الدقيقة لتحركاتهم.
كما أدى عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وتصنيفه للمليشيا كمنظمة إرهابية أجنبية (FTO) في بداية ولايته الثانية إلى تغيير جذري في قواعد الاشتباك. فبعد فترة من التهدئة في عام 2025 إثر إعلان ترامب وقف الغارات الجوية، عادت الضغوط الاقتصادية والعسكرية لتخنق المليشيا، مما جعلها تدرك أن أي هجوم على السفن الأمريكية أو المصالح الحيوية سيقابل برد فعل “كارثي” وغير متناسب.
ويؤكد المحلل لوكا نيفولا كبار المحللين المعنيين باليمن والخليج في منظمة (ACLED)، أن الأولوية القصوى للحوثيين حالياً هي تجنب الانتقام الأمريكي المباشر الذي قد يؤدي إلى إنهاء سلطتهم في شمال اليمن. فالمليشيا، التي لا تزال تمتلك مخزوناً من الطائرات المسيرة والصواريخ، تفضل الاحتفاظ بهذه القدرات كأداة ردع لحماية بقائها الداخلي، بدلاً من استنزافها في هجمات قد لا تعطل الأنظمة الدفاعية المتطورة للولايات المتحدة وإسرائيل في ظل استنفارها الحالي.
كما يربط نيفولا بين الموقف العسكري والوضع الاقتصادي والسياسي الداخلي تجاه السعودية. موضحاً أن: “الحوثيين أضعفهم تصنيف المنظمة الإرهابية الأجنبية (FTO) ويبدون مستعدين للتفاوض مع الرياض؛ حيث أن الرغبة في الحفاظ على ترسانتهم العسكرية intact (سليمة) هي ما ردع الرياض وأبو ظبي عن مواجهتهم منذ عام 2022”.
الانتماء للمحور ومزاعم الاستقلالية
أما الباحث والمحلل السياسي عادل دشيلة فيرى أن المليشيا تحاول ممارسة لعبة مزدوجة بين الانتماء للمحور والادعاء بالاستقلالية. ويوضح ذلك بقوله: ”الحوثيون لا يريدون إعلان الحرب رسمياً في الوقت الحالي لكي يصوروا أنفسهم كفصيل مستقل لا يخضع لتوجيهات طهران، لكنهم في الممارسة العملية جزء لا يتجزأ من محور المقاومة، والحرب ستصل إليهم حتماً”.
من جانبه، يربط توماس فولك، من مؤسسة كونراد أديناور، مصير الوكلاء بمصير المركز في طهران. ويشرح هذه العلاقة العضوية بالقول: “إذا أمكن القضاء على هذا النظام أو إضعافه لدرجة أنه لم يعد يشكل تهديداً، فإن ذلك سيعني في المدى المتوسط إضعاف أو القضاء على الوكلاء أيضاً، بمن فيهم الحوثيون، الذين يعتمدون على الدعم المالي والعسكري والأيديولوجي الإيراني”.
فيما يعتقد الصحفي صدام الحريبي في حديث للجزيرة الانجليزية أن صمت مليشيا الحوثي هو قرار مركزي من طهران وليس نابعاً من إرادة محلية صرفه. ويحلل ذلك قائلاً: “طهران لا تريد استخدام كل أوراقها مرة واحدة، وهي تهدف إلى ادخار مليشيا الحوثي للمرحلة القادمة؛ فدخول الحوثيين الحرب هو مسألة وقت فقط، ويعتمد على التوقيت الذي تحدده إيران للحفاظ على ديمومة الصراع”.
في نهاية المطاف، يبقى الموقف الحوثي معلقاً بمدى استمرارية الدعم الإيراني؛ فضعف النظام في طهران أو سقوطه سيعني حتماً جفاف منابع السلاح والتمويل والغطاء السياسي. وإذا ما تلاشت “الأيقونة” الإيرانية، فقد يجد الحوثيون أنفسهم مضطرين للانخراط في مفاوضات سلام “عادلة ومتوازنة” كخيار وحيد لضمان استمرارهم كقوة سياسية داخل اليمن، بعيداً عن كونه مجرد “بيدق” في رقعة الشطرنج الإقليمية الكبرى.
في أحياء صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، لا يقتصر المشهد على تداعيات الحرب العسكرية، بل يتشكل بصمت واقع أكثر عمقاً وتعقيداً يعيد رسم ملامح المجتمع من الداخل، وفق شهادات أكاديمية مشاهدة المزيد
في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد