«السرين» تكشف أسرارها.. آثار صينية ومسجد قديم توثق ازدهار ميناء تاريخي على طريق الحرير

2026-04-22 00:01:33 أخبار اليوم - متابعات

   

كشفت أعمال التنقيب الأثري في «موقع السرين» بمحافظة الليث في منطقة مكة المكرمة، عن معطيات جديدة تعزز من فهم الدور التاريخي الذي لعبه هذا الموقع بوصفه أحد أبرز الموانئ على ساحل البحر الأحمر، ومركزاً حيوياً للتبادل التجاري والحضاري بين الجزيرة العربية وشرق آسيا وأفريقيا عبر قرون طويلة.

وأعلنت هيئة التراث، نتائج موسم التنقيب لعام 2025، الذي نفذته بعثة سعودية - صينية مشتركة، ضمن جهود علمية متواصلة لتوثيق المواقع الساحلية ودراسة تطور المدن الإسلامية التاريخية. وأظهرت النتائج شواهد أثرية تؤكد عمق الروابط التجارية التي ربطت السواحل الغربية لشبه الجزيرة العربية بجنوب الصين، خصوصاً خلال العصر الإسلامي.

ومن أبرز المكتشفات، العثور على جزء من جرة خزفية صينية تعود إلى عهد أسرة سونغ الشمالية (960 – 1127م)، تحمل بقايا ختم زخرفي برموز كتابية صينية، رغم تضررها وعدم وضوحها، ما يُعد دليلاً مادياً على نشاط التبادل التجاري البحري بين شرق آسيا وساحل البحر الأحمر.

كما أسفرت أعمال التنقيب في موسمها الرابع عن كشف امتدادات معمارية متعددة داخل الموقع، شملت وحدات سكنية وخدمية ومخازن، إضافة إلى مواقد فخارية تعكس تفاصيل الحياة اليومية للسكان. وتم كذلك توثيق سور يحيط بالموقع من جهاته الجنوبية والشمالية والغربية، ما أتاح قراءة أوضح للتنظيم العمراني وحدود المدينة.

وفي السياق ذاته، كشفت الحفريات عن بقايا مسجد في الجهة الجنوبية الغربية، لا تزال أعمال التنقيب فيه مستمرة، وسط توقعات بأن تسهم نتائجه في إضاءة جوانب مهمة من البنية الدينية والتنظيم الحضري للمدينة خلال فترات ازدهارها.

وشملت اللقى الأثرية المكتشفة تنوعاً كبيراً في المواد، من بينها الفخار والمباخر والأدوات الحجرية وخرز العقيق والزجاج، إلى جانب بقايا عضوية كالأصداف والعظام الحيوانية، وهو ما يعكس تنوع الأنشطة الاقتصادية والمعيشية التي شهدها الموقع.

ويؤكد مختصون أن هذه المكتشفات تعزز من مكانة «السرين» بوصفها محطة رئيسية على طريق الحرير البحري، حيث شهدت ذروة ازدهارها خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين، وأسهمت في ربط شبكات التجارة بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وموانئ العالم الإسلامي، مستفيدة من موقعها الجغرافي عند مصبات الأودية الموسمية التي وفرت بيئة مناسبة للاستقرار البشري.

وتقع مدينة السرين على بعد نحو 250 كيلومتراً جنوب مكة المكرمة، في منطقة غنية بالأودية، أبرزها وادي «حلية» و«عليب»، اللذان شكّلا معالم جغرافية أساسية أسهمت في نشأة المدينة وتطورها. ويعود تاريخ الميناء في الموقع إلى ما قبل الإسلام، حيث تطور لاحقاً ليصبح مركزاً اقتصادياً نشطاً خلال الفترة الممتدة من القرن الثالث إلى الثامن الهجري.

وقد شهد الموقع تحولات عمرانية وتوسعات متسارعة، إذ انتقل من بلدة صغيرة إلى مدينة تجارية مزدهرة، ارتبط ميناؤها بحركة السفن والبضائع القادمة من الصين وآسيا إلى الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين.

وفي إطار التعاون الدولي، كانت هيئة التراث السعودية قد وقّعت في أكتوبر 2024 برنامجاً تنفيذياً مع الهيئة الوطنية للتراث الثقافي في الصين، لتجديد أعمال التنقيب بالموقع، في خطوة تعكس أهمية «السرين» كأحد المواقع الأثرية البارزة التي تحمل دلائل على تعاقب حضارات متعددة في المنطقة.

ولا تزال أعمال التنقيب والدراسة مستمرة في الموقع، بهدف بناء تصور علمي متكامل حول تاريخ الاستيطان والتطور العمراني، وإبراز القيمة الحضارية لهذا الميناء التاريخي، الذي يمثل شاهداً حياً على تفاعل الحضارات عبر البحر الأحمر على مدى أكثر من ألفي عام.

              

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
بين الجوع والوعي.. كيف تُعاد صياغة المجتمع في مناطق سيطرة الحوثيين؟

في أحياء صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، لا يقتصر المشهد على تداعيات الحرب العسكرية، بل يتشكل بصمت واقع أكثر عمقاً وتعقيداً يعيد رسم ملامح المجتمع من الداخل، وفق شهادات أكاديمية مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد