4 مايو 1493.. يوم قُسِّم فيه العالم: قرار بابوي رسم خرائط النفوذ وفتح أبواب الاستعمار

2026-05-05 00:05:58 أخبار اليوم - متابعات

   

في الرابع من مايو عام 1493، صدر واحد من أكثر القرارات إثارة للجدل في التاريخ، حين أقدم البابا ألكسندر السادس على رسم خط وهمي قسّم به العالم الجديد بين إسبانيا والبرتغال، في خطوة أعادت تشكيل خريطة النفوذ العالمي ومهدت لحقبة طويلة من الاستعمار والصراعات الدولية.

وجاء هذا القرار في أعقاب الرحلة الشهيرة للمستكشف كريستوفر كولومبوس، الذي أعلن وصوله إلى أراضٍ جديدة عبر المحيط الأطلسي، ما أشعل سباقًا محمومًا بين القوى الأوروبية للسيطرة على هذه المناطق. وسارعت إسبانيا، بقيادة الملك فرديناند الثاني والملكة إيزابيلا الأولى، إلى طلب دعم الكنيسة للحصول على شرعية دينية تضمن لها الهيمنة على الاكتشافات الجديدة.

استجاب البابا، المنحدر من أصول إسبانية، لهذا الطلب، وأصدر مرسومًا يقضي بمنح إسبانيا السيادة على الأراضي الواقعة غرب خط ترسيم تخيلي يمتد من القطب الشمالي إلى الجنوبي، على بعد نحو 320 ميلًا غرب جزر الرأس الأخضر، فيما تُترك الأراضي شرق الخط للبرتغال.

هذا القرار، الذي قسّم العالم «بجرة قلم»، عكس حجم النفوذ الهائل الذي كانت تمارسه الكنيسة في تلك الحقبة، لكنه في الوقت ذاته فجّر موجة اعتراضات واسعة، خاصة من جانب البرتغال التي رأت فيه انتقاصًا من حقوقها البحرية ومصالحها التوسعية.

ولم يخفِ الملك البرتغالي جواو الثاني رفضه للمرسوم، معتبرًا أنه يقيّد حركة بلاده ويهدد طموحاتها في المحيط الأطلسي، ما دفع الطرفين إلى تجاوز الوساطة الكنسية والدخول في مفاوضات مباشرة.

وأثمرت هذه المفاوضات عن توقيع معاهدة تورديسيلياس عام 1494، التي أعادت رسم الخط الفاصل عبر تحريكه غربًا بنحو 1480 كيلومترًا، مانحةً البرتغال مجالًا أوسع للتمدد، وهو ما أتاح لها لاحقًا السيطرة على مناطق شاسعة، أبرزها البرازيل، فيما احتفظت إسبانيا بالنصيب الأكبر من أراضي العالم الجديد.

ورغم أن هذا الاتفاق ساهم في تهدئة التوتر بين القوتين البحريتين، فإنه لم يكن سوى حلقة ضمن سلسلة من الترتيبات السابقة التي نظمت النفوذ الاستعماري، مثل مرسوم البابا نقولا الخامس عام 1455، ومعاهدة ألكاسوفاس عام 1479، والتي كرّست دور الكنيسة كحكم في توزيع مناطق النفوذ بين القوى الأوروبية.

غير أن هذا التقسيم لم يكن بلا ثمن، إذ جرى تجاهل وجود الشعوب الأصلية في تلك الأراضي، وتحولت هذه المراسيم إلى غطاء ديني لعمليات الغزو والاستعمار، وما رافقها من استغلال وانتهاكات ومجازر، لتدفع تلك الشعوب الثمن الأكبر لقرارات اتُخذت بعيدًا عنها.

وبينما نجح الخط البابوي في ترسيم حدود النفوذ بين إسبانيا والبرتغال، فإنه فتح في المقابل الباب أمام صراعات أوسع بين القوى الأوروبية، وأسهم في تشكيل نظام عالمي قائم على التنافس الاستعماري، لا تزال آثاره ممتدة حتى اليوم.

           

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
بين الجوع والوعي.. كيف تُعاد صياغة المجتمع في مناطق سيطرة الحوثيين؟

في أحياء صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، لا يقتصر المشهد على تداعيات الحرب العسكرية، بل يتشكل بصمت واقع أكثر عمقاً وتعقيداً يعيد رسم ملامح المجتمع من الداخل، وفق شهادات أكاديمية مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد