“أطلس-3” يحمل ماءً غريباً من خارج نظامنا الشمسي.. اكتشاف فلكي يكشف اختلاف نشأة العوالم في الكون

2026-05-10 00:58:14 أخبار اليوم - متابعات

   

في اكتشاف علمي يفتح نافذة جديدة لفهم أسرار الكون، تمكن علماء من جامعة ميشيغان الأمريكية من تحليل التركيب الكيميائي للمذنب بين النجمي “أطلس-3”، ثالث زائر معروف يأتي إلى نظامنا الشمسي من خارج حدوده، ليكشف عن “بصمة مائية” غير مألوفة قد تغيّر تصورات العلماء حول كيفية تشكل الأنظمة الكوكبية في المجرة.

وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة نيتشر أسترونومي، أن المذنب يحتوي على نسب هائلة من “الماء الثقيل”، تتجاوز بكثير تلك المعروفة في مذنبات النظام الشمسي أو حتى مياه المحيطات على كوكب الأرض، في مؤشر وصفه الباحثون بأنه دليل واضح على أن الأنظمة الكوكبية في الكون لا تتشكل وفق نموذج واحد ثابت.

ماء “غريب” يحمل أسرار نشأة بعيدة

ويكمن جوهر الاكتشاف في عنصر “الديوتيريوم”، وهو نظير ثقيل للهيدروجين يحتوي على بروتون ونيوترون بدلاً من بروتون واحد كما في الهيدروجين العادي.

فبينما يتكون الماء التقليدي من ذرتي هيدروجين وأكسجين، أظهرت التحليلات أن مياه “أطلس-3” تحتوي على تركيز مرتفع جداً من الديوتيريوم، حيث بلغت نسبته نحو 30 ضعفاً مقارنة بمذنبات نظامنا الشمسي، وأكثر من 40 ضعفاً مقارنة بمياه محيطات الأرض.

ويشير هذا الاختلاف الكيميائي الحاد إلى أن المذنب تكوّن في بيئة شديدة البرودة ومنخفضة الإشعاع، تختلف جذرياً عن الظروف التي نشأت فيها الشمس والكواكب المحيطة بها.

ويعتقد العلماء أن هذه البصمة الكيميائية تمثل “أرشيفاً متجمداً” يحفظ ظروف الولادة الأولى لذلك النظام النجمي البعيد، ما يمنح الباحثين فرصة نادرة لدراسة كيفية تشكل عوالم أخرى دون الحاجة إلى مغادرة النظام الشمسي.

كيف تمكن العلماء من كشف السر؟

ولم يكن هذا الإنجاز ممكناً لولا الرصد المبكر للمذنب أثناء عبوره، ما أتاح للفريق العلمي استخدام مصفوفة “ألما” العملاقة في تشيلي، وهي واحدة من أقوى الشبكات الراديوية في العالم.

وتتميز تلسكوبات “ألما” بقدرتها الفائقة على تحليل الغازات المنبعثة من الأجرام السماوية، والتمييز بين الماء العادي والماء الغني بالديوتيريوم عبر دراسة الانبعاثات الطيفية الدقيقة.

وأوضح الباحث لويس سالازار مانزانو أن هذه هي المرة الأولى التي يتمكن فيها العلماء من إجراء تحليل كيميائي دقيق للمياه الموجودة في جرم قادم من خارج النظام الشمسي، واصفاً الأمر بأنه “قفزة علمية مهمة في دراسة الأجسام بين النجمية”.

أما الباحثة تيريزا بانيكي كارينيو، المشاركة في قيادة الدراسة، فأكدت أن النتائج تثبت أن الظروف التي أدت إلى تشكل النظام الشمسي ليست نموذجاً شائعاً في الكون، بل مجرد احتمال واحد ضمن تنوع هائل من البيئات الكونية.

رسائل من عوالم بعيدة

ويُنظر إلى الأجرام بين النجمية مثل “أطلس-3” باعتبارها رسائل طبيعية قادمة من أنظمة شمسية أخرى، تحمل في تركيبها الكيميائي معلومات عن تاريخ تلك الأنظمة وظروف تشكلها.

فبدلاً من إرسال بعثات فضائية إلى نجوم تبعد سنوات ضوئية هائلة، تمنح هذه الأجرام العلماء فرصة نادرة لدراسة مواد تشكلت خارج حدود شمسنا ثم وصلت إلينا عابرةً الفضاء بين النجمي.

ويرى فلكيون أن هذا النوع من الدراسات قد يساعد مستقبلاً في فهم مدى تنوع الكواكب والأنظمة الشمسية في مجرتنا، وربما الكشف عن بيئات أكثر برودة أو غرابة من أي شيء نعرفه داخل النظام الشمسي.

عصر جديد لاكتشاف “الغرباء”

ومع التطور المتسارع في قدرات المراصد الفلكية الحديثة، يتوقع العلماء اكتشاف المزيد من الأجرام القادمة من خارج النظام الشمسي خلال السنوات المقبلة، خاصة مع دخول مراصد عملاقة جديدة إلى الخدمة.

لكن الباحثين يحذرون في الوقت ذاته من تأثير التلوث الضوئي المتزايد على قدرة التلسكوبات الأرضية في رصد هذه الأجسام الصغيرة والخافتة، مؤكدين أن الحفاظ على السماء المظلمة أصبح ضرورة علمية لحماية مستقبل الاكتشافات الفلكية.

كون أكثر غرابة مما نتصور

ويعيد “أطلس-3” التذكير بحقيقة أن الكون أكثر تنوعاً وغموضاً مما كان يُعتقد سابقاً، وأن الأنظمة الكوكبية ليست نسخاً متشابهة من نظامنا الشمسي، بل عوالم مختلفة تحمل تركيبات كيميائية وقصص نشأة خاصة بها.

فهذا المذنب، الذي يبدو مجرد كتلة جليدية عابرة، يحمل في داخله أدلة على تاريخ كوني بعيد، ويمنح العلماء لمحة نادرة عن كيفية تشكل النجوم والكواكب في أماكن أخرى من المجرة، حيث قد تكون قوانين الولادة الكونية أكثر برودة وغرابة وتعقيداً مما عرفه البشر حتى الآن.

                   

المقالات

تحقيقات

dailog-img
بين الجوع والوعي.. كيف تُعاد صياغة المجتمع في مناطق سيطرة الحوثيين؟

في أحياء صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، لا يقتصر المشهد على تداعيات الحرب العسكرية، بل يتشكل بصمت واقع أكثر عمقاً وتعقيداً يعيد رسم ملامح المجتمع من الداخل، وفق شهادات أكاديمية مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد