معلمو المدارس الأهلية في مأرب لـ"أخبار اليوم": رواتب محتجزة وفصل تعسفي.. ومدير مكتب التربية مطالب بالتدخل العاجل

2026-07-30 01:59:54 أخبار اليوم - خاص تقرير: محمد العياشي

     

في ملفٍ يعكس أزمةً متراكمةً تطال أركان العملية التعليمية في محافظة مأرب، رصدت "صحيفة أخبار اليوم" سلسلة من الشكاوى والمناشدات المتصاعدة التي وجّهها عدد من المعلمين والمعلمات إلى الدكتور علي العباب، مدير مكتب التربية والتعليم بالمحافظة، تطالب بتدخّلٍ عاجلٍ وحازمٍ لوقف ما وصفوه بـ"الممارسات المجحفة" بحقهم، والمتمثلة في احتجاز الرواتب لأشهر، وصرفها منقوصة، وصولًا إلى الفصل التعسفي بحق كل من يطالب بحقوقه الوظيفية.

 

وتأتي هذه الأصوات، التي التقت بها "أخبار اليوم" من مصادر متعددة، في توقيتٍ دقيق، إذ يُجمع المعلمون على أن أوضاعهم المعيشية باتت على المحك، في ظل غلاء معيشة طاحن، ورواتب هزيلة لم تعد تسدّ الحاجة، محذّرين من أن استمرار هذه السياسات سيُفقِد المهنة قدسيتها، وينعكس كارثياً على مستقبل الأجيال، في وقتٍ يرى فيه المراقبون أن معركة الفكر لا تقل أهمية عن معركة البقاء ذاتها.

 

وفي تطورٍ لافتٍ يكشف عمق الأزمة، وجّه المعلمون رسالةً واضحةً إلى مدير المكتب، تضمنت استنكارهم لتمادي بعض مدراء المدارس الأهلية في رفض تنفيذ قراراته الرسمية، وتحديداً تلك المتعلقة بتسليم راتب شهر أبريل من العام الدراسي 2024-2025م، وكذلك تعميم صرف راتب شهر مارس من العام الدراسي 2025-2026م، في تجسيدٍ صارخٍ لـ"التمرد الإداري" الذي يضع هيبة المؤسسة التعليمية وقراراتها موضع تساؤل، ويزيد من معاناة المعلمين الذين باتوا رهينةً لإراداتٍ فرديةٍ لا تراعي القانون ولا الظرف الإنساني.

 

وفي ضوء الشهادات التي جمعتها "أخبار اليوم"، تتبلور مطالب يرى تربويون أنها تمثل الحد الأدنى لضمان كرامة المعلم واستقرار العملية التعليمية، فيما يبقى السؤال الأهم: هل ستجد هذه الصرخات طريقها إلى قاعة القرار، أم ستظل أسيرة أدراج المسؤولين؟

 

مطالب بإجراءات رادعة

وجّه الأستاذ خالد أبو سبعة، في تصريح خاص لـ"أخبار اليوم"، رسالة إلى نائب وزير التربية والتعليم، دعا فيها إلى اتخاذ إجراءات رادعة بحق مدارس التعليم الأهلي التي لم تسلّم رواتب معلميها عن شهري مارس ومايو من العام الدراسي 2025-2026.

 

وطالب بتشكيل لجنة لمراجعة كشوفات المدارس المتعثرة، والتحقق من مدى التزامها بسداد مستحقات الكوادر التعليمية، مقترحًا سحب تراخيص المدارس المخالفة للعام الدراسي المقبل 2026-2027، وإيقاف نشاطها مؤقتًا حتى استكمال صرف جميع المستحقات.

 

كما شدد على ضرورة فرض غرامات تأخير، إلى جانب غرامات إضافية بحق المدارس التي لم تمتثل لتعليمات ولوائح مكتب التربية والتعليم، مؤكدًا أن تطبيق العقوبات هو السبيل لضمان حقوق المعلمين ومنع تكرار هذه المخالفات.

 

مطالب برقابة ميدانية على المدارس

من جانبها، طالبت الأستاذة أم أمير الأبي، في تصريح خاص لـ"أخبار اليوم"، مدير مكتب التربية والتعليم الدكتور علي العباب، باتخاذ إجراءات فورية ورادعة لإلزام المدارس الأهلية بصرف رواتب المعلمين عن شهري مارس وأبريل، معتبرة أن هذه الرواتب تمثل حقًا مكتسبًا لا يجوز المساس به.

 

ودعت إلى تنفيذ نزول ميداني شامل إلى المدارس الأهلية للتحقق من صرف الرواتب كاملة، مشيرة إلى وجود حالات يتم فيها صرف نصف الراتب لبعض المعلمين، فيما يُحرم آخرون من رواتبهم بالكامل.

 

وأكدت أن هذه الممارسات فاقمت من معاناة المعلمين المعيشية، الأمر الذي يستدعي تدخلاً رسميًا حاسمًا يكفل إنصافهم وصون حقوقهم القانونية والإنسانية.

 

"المعلم حجر الأساس"

بدوره، تحدث الأستاذ ناصر عبدربه بحيبح، المعلم في مدارس الإمام علي بمدينة مأرب، عن رسالة وجّهها إلى مدير مكتب التربية والتعليم، طالب فيها باتخاذ إجراءات رادعة بحق مدارس أهلية لم يسمّها، تشمل سحب التراخيص أو تغيير إداراتها في حال ثبوت ارتكابها مخالفات واضحة بحق المعلمين والطلاب.

 

وسلط بحيبح الضوء على تدني رواتب المعلمين، مؤكدًا أنها لم تعد تواكب أبسط متطلبات الحياة في ظل موجة الغلاء المتصاعدة، محذرًا من أن استمرار هذا الواقع سيفقد مهنة التعليم مكانتها، ويؤثر بصورة مباشرة على مستقبل العملية التعليمية.

 

وقال لـ"أخبار اليوم": "المعلم هو حجر الأساس في بناء الأجيال، وإذا انهدم هذا الجسر أو تحطم، فإن المستقبل بكامله سيكون مظلمًا وقاتمًا".

 

وأضاف أن معاناة المعلمين طالت لسنوات، بينما بقيت مطالبهم دون استجابة حقيقية، مشيرًا إلى أن استمرار السياسات الحالية سيقود إلى مزيد من التراجع في القطاع التعليمي، داعيًا الجهات المعنية إلى التدخل العاجل وإعادة النظر في أوضاع المعلمين.

 

الفصل التعسفي... عقوبة المطالبة بالحقوق

وفي شهادة تعكس جانبًا آخر من الأزمة، كشف الأستاذ حسان أحمد محمد العسل، في تصريح خاص لـ"أخبار اليوم"، عن تعرضه للفصل من إحدى المدارس الخاصة بمدينة مأرب بتهمة "التحريض"، على خلفية مطالبته بحقوقه المهنية والإنسانية.

 

ووجّه العسل رسالة إلى مدير مكتب التربية والتعليم الدكتور علي العباب، قال فيها:

 

"أكتب إليك اليوم ليس بصفتك مسؤولاً يتربع على كرسي الإدارة فحسب، ولكن بصفتك معلماً ومربياً وأباً حنوناً... معلماً يظل التفكير مضجعه، ويُدمي الطباشير أصبعه، ويتمسك واقفاً أمام السبورة شارحاً وسائلاً، شعر بوزر الأمانة وشرف المهنة قبل أن يتقلد المسؤولية."

 

وأضاف متحدثًا باسم عدد من زملائه:

 

"نحن في الميدان لا نطلب ترفًا ولا بطراً، وإنما نطلب ما نحفظ به كرامتنا، وما يؤمن عيش أطفالنا. نضع بين يديك وضعًا لا يُطاق، وحالاً بلغ من الضيق مبلغه."

 

واعتبر أن الفصل التعسفي أصبح وسيلة لمعاقبة كل من يطالب بحقوقه داخل بعض المدارس الخاصة، في ظل غياب الحماية القانونية والرقابية الكافية.

 

ودعا العسل مدير التربية إلى تبني موقف شجاع وجاد تجاه قضايا المعلمين، مطالباً بتحقيق مطلبين رئيسيين:

 

الأول: إنهاء المتاجرة بالمعلم واستغلاله من قبل تجار التعليم، ملاك المدارس الخاصة، وذلك من خلال إنزال عقود عمل تنصف المعلم والمالك على حد سواء، وتحديد حد أدنى للراتب وحد أقصى لا يتجاوزه أحد، مع وضع شروط لقبول المدارس الخاصة لخريجي الثانوية العامة بما يضمن جودة التعليم، ووضع آليات رقابية تمنع الفصل التعسفي.

 

الثاني: رفع مأساة المعلم إلى الجهات العليا، لتخصيص راتب يليق به أسوة بالقضاة والجيش، مؤكداً أن معركة الفكر لا تقل شأناً عن معركة السلاح، فإذا كانت معركة السلاح تحرّر الوطن، فإن معركة الفكر تحصّن العقول وتحرّر الأجيال.

 

أزمة تهدد استقرار التعليم الأهلي

ويجمع تربويون على أن الأزمة لم تعد تقتصر على تأخر صرف الرواتب أو تدنيها، بل تحولت إلى قضية تمس استقرار التعليم الأهلي بأكمله، إذ ينعكس غياب الاستقرار الوظيفي للمعلم بصورة مباشرة على أدائه داخل الفصل، وعلى مستوى التحصيل العلمي للطلاب، وهو ما يجعل معالجة هذه الاختلالات ضرورة تربوية وإدارية لا تحتمل التأجيل.

 

وتؤكد الشهادات التي رصدتها "أخبار اليوم" أن مطالب المعلمين لا تتجاوز تطبيق الأنظمة النافذة، وتنفيذ قرارات مكتب التربية والتعليم، وتعزيز الرقابة على المدارس الأهلية، بما يضمن حفظ حقوق الكادر التعليمي وصون كرامته وتحقيق بيئة تعليمية مستقرة.

 

خاتمة

وبين شكاوى المعلمين، والقرارات التي يؤكدون أنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ، يبقى ملف التعليم الأهلي في محافظة مأرب أمام اختبار حقيقي لمدى قدرة الجهات المختصة على فرض القانون وحماية حقوق المعلمين. فاستقرار المدرسة يبدأ باستقرار معلمها، وصون كرامته ليس مطلبًا فئويًا أو امتيازًا خاصًا، بل ركيزة أساسية لضمان تعليم مستقر وبناء أجيال قادرة على صناعة مستقبل الوطن.

  

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
من أصفهان إلى صحوة صعدة وجرف الصخر بالعراق.. طائرة "صيّاد" أداة نفوذ إيرانية عابرة للحدود

| تُشغّلها بحرية الحرس الثوري وحزب الله بلبنان، واستخدمتها مليشيا الحوثي وفصائل عراقية لاستهداف السعودية ودول خليجية.. تقود مليشيا الحوثي الإرهابية ، والفصائل الموالية لإيران في العراق، عمليات منسقة ضد دول الخليج العر مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
وزيرة الخارجية اليمنية لـ (الشرق الأوسط): علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران وتصعيد الجماعة يهدد المنطقة والملاحة الدولية

في أول حوار لها منذ توليها منصب وزيرة الخارجية، أكدت الدكتورة أفراح الزوبة أن العلاقة بين مليشيا الحوثي وإيران تقوم على «التخادم»، مشيرة إلى أن الجماعة تمتلك مشروعاً داخلياً، فيما توظفها إيران لتعزيز نفوذها الإقل مشاهدة المزيد