2026-10-09
تحذيرات من هجوم حوثي عراقي على السعودية.. تغريدات إسرائيلية وإماراتية تثير الجدل

هناك لحظات في الحرب اليمنية الطويلة يتغير فيها شكل الخريطة أسرع مما يستطيع السياسيون استيعابه. وكان انهيار الساحل الغربي هذا الشهر واحدة من تلك اللحظات.
الهجوم الخاطف الذي شنته مليشيا الحوثي الإرهابية، وسيطرتها على مواقع رئيسية حول مضيق باب المندب الاستراتيجي، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، يشكلان نقطة تحول في الحرب اليمنية المستمرة منذ 12 عاماً. فقد أعادا رسم موازين القوى داخل البلاد، وفتحا الباب أمام تداعيات تتجاوز اليمن بكثير.
وبوصول مليشيا الحوثي إلى واحدة من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، أضافت بُعداً استراتيجياً جديداً إلى الصراع، ومنحت إيران ورقة ضغط إضافية في مواجهة الولايات المتحدة، إلى جانب نفوذها القائم حول مضيق هرمز. كما يمثل هذا التطور تحدياً كبيراً للسعودية ودول البحر الأحمر الأخرى، ولأمن الملاحة البحرية في جنوب البحر الأحمر.
لسنوات، كان الاحتفاظ بالساحل الممتد من المخا إلى باب المندب يُعد واحداً من أهم الإنجازات العسكرية للقوى التي تقاتل مليشيا الحوثي المدعومة من إيران.
في عام 2017، شقت القوات المدعومة من التحالف الذي تقوده السعودية، ولا سيما القوات التي دعمتها وقادتها الإمارات العربية المتحدة، طريقها جنوباً على امتداد الساحل في عملية عُرفت باسم «السهم الذهبي». بدأت العملية في 7 يناير/كانون الثاني، وبحلول 23 يناير أُعلن استعادة المخا. وقد أمّنت المرحلة الأولى من العملية نحو 50 ميلاً من الساحل، وإن استغرق تطهير الجيوب الحوثية في المناطق المحيطة عدة أسابيع أخرى.
استغرق الوصول إلى المخا آنذاك نحو 16 يوماً. وبعد نحو عقد، تبدلت السيطرة على الجغرافيا نفسها في غضون سبعة أيام تقريباً.
في 4 سبتمبر/أيلول، شنت مليشيا الحوثي هجوماً خاطفاً واسعاً اجتاح حيس والخوخة، ودفع بقواتها مجدداً إلى المخا ومداخل المضيق. ولم تخض القوات الحكومية معارك طويلة للدفاع عن المدن. وبدلاً من ذلك، انسحبت القوات التي يقودها نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح بشكل مفاجئ عند فجر 10 سبتمبر.
تابعت هذه التطورات عن كثب، وتحدثت مع مسؤولين كبار وقادة ميدانيين قبل انهيار الجبهة وأثناءه. وما سمعته كان لافتاً: فالانسحاب لم يكن مجرد نتيجة لتفوق مليشيا الحوثي على القوات الحكومية خلال الساعات الأخيرة من المعركة. لقد كان هناك قرار بالانسحاب. فلماذا اتُّخذ هذا القرار؟ وكيف نُفذ؟ ولماذا انهارت قوة عسكرية جرى بناؤها على مدى سنوات بهذه السرعة؟
تبدأ الإجابة قبل أشهر من الانسحاب، عندما بدأت مليشيا الحوثي في إعداد ساحة المعركة. فالهجوم الأخير لم يأتِ من فراغ. فعلى مدى نحو عامين، كانت مليشيا الحوثي تجند وتعبئ القوات وتستعد لشن هجوم عسكري واسع. وتقدر قوات المقاومة الوطنية أن حجم التعبئة تجاوز 76 ألف مقاتل.
واستغلت مليشيا الحوثي المواجهة مع إسرائيل لحشد المقاتلين باتجاه الساحل الغربي، بهدف تغيير ميزان القوى والسيطرة على المناطق المحيطة بباب المندب.
وتنبع أهمية الساحل من أنه يمنح مليشيا الحوثي سيطرة مباشرة على المضيق الاستراتيجي. وخلال حرب غزة، استهدفت مليشيا الحوثي السفن العابرة للمضيق بصواريخ بعيدة المدى وطائرات مسيرة، لكنها باتت الآن قادرة على استخدام أسلحة أخرى ضد حركة الملاحة.
كانت مليشيا الحوثي تسيطر أصلاً على الساحل الممتد من حجة إلى الحديدة. أما مكاسبها الجديدة، فقد وسعت نطاق سيطرتها على الساحل اليمني، وربما تمنحها أيضاً مساحة أكبر لتهريب الأسلحة وتعزيز صلاتها بجماعات مسلحة من غير الدول، مثل حركة الشباب في الصومال.
في 9 أغسطس/آب، دخل الهجوم مرحلته الرئيسية بإطلاق مليشيا الحوثي صواريخ باليستية وطائرات مسيرة على مقر قوات المقاومة الوطنية. وسقطت أربعة صواريخ في محيط مقر صالح، لكنه نجا من الهجوم. وبحسب مصادر مطلعة على الاستعدادات، كانت قيادة مليشيا الحوثي قد اتخذت قبل أسابيع قراراً استراتيجياً بتدمير قوات صالح والقوة التي بناها على الساحل الغربي. ووفقاً لهذه المصادر، صدر القرار عن المجلس الجهادي لـمليشيا الحوثي بقيادة عبد الملك الحوثي، بمشاركة إيرانيين ومستشارين إيرانيين في التخطيط.
ولم يكن الهدف مجرد إضعاف خصم عسكري، بل إزالة القوة التي كانت تقف بين مليشيا الحوثي وبين الوصول إلى باب المندب. فقد كانت قوات صالح تمثل عقبة رئيسية أمام عمليات مليشيا الحوثي لتهريب الأسلحة عبر القرن الأفريقي، وكانت تعترض سفنها المستخدمة في هذه العمليات.
وكان الهجوم جزءاً من محاولة أوسع لانتزاع زمام المبادرة قبل أن تتمكن الحكومة وحلفاؤها الإقليميون من القيام بذلك.
كانت مليشيا الحوثي قد بدأت بالفعل مهاجمة مواقع حكومية بين مأرب وحضرموت الغنيتين بالنفط، بحجة أن السعودية والحكومة اليمنية تستعدان لشن عملية لاستعادة صنعاء.
لكن مليشيا الحوثي، بدلاً من انتظار تلك المواجهة، قررت فرض المعركة وفق شروطها هي. أما الحكومة، المدعومة من الرياض، فقد كثفت حملتها على وسائل التواصل الاجتماعي، وأعطت انطباعاً بأن المعركة هذه المرة ستكون المعركة التي تنهي نفوذ مليشيا الحوثي. دمرت مليشيا الحوثي معسكرات لقوات درع الوطن المدعومة من السعودية في مناطق نائية بين مأرب وحضرموت، وصعّدت مواجهتها مع السعودية بعد إعلانها ما وصفته بـ«حصار» للسفن السعودية العابرة للمضيق.
لكن جذور التصعيد تعود إلى ما هو أبعد من ذلك.
كانت إحدى المحطات المهمة في 3 يوليو/تموز، عندما وصلت طائرة تابعة لشركة «ماهان إير» الإيرانية من طهران إلى صنعاء. بقيت الطائرة في المطار نحو ثلاث ساعات، قبل أن تقل وفداً من مليشيا الحوثي إلى إيران لحضور جنازة المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، الذي قُتل على يد إسرائيل.
وبعد عشرة أيام، عادت الطائرة نفسها وعلى متنها الوفد نفسه من مليشيا الحوثي، إلى جانب خبراء إيرانيين ومعدات عسكرية متطورة، بينها محركات طائرات مسيرة ورؤوس حربية لصواريخ، بحسب مصادر مطلعة.
وسرعان ما أصبحت الطائرة جزءاً من المواجهة المتصاعدة حول مطار صنعاء. قُصف المطار. اتهمت مليشيا الحوثي السعودية بالهجوم، فيما أعلنت الحكومة اليمنية مسؤوليتها عنه. واضطرت الطائرة الإيرانية إلى تحويل مسارها إلى الحديدة على البحر الأحمر.
كان مدرج مطار الحديدة قد دُمر في عام 2015. وإعادة تأهيله، إلى جانب الاستعدادات في مهابط جوية أخرى، أوحت بأن مليشيا الحوثي كانت تستعد لمرحلة جديدة من التصعيد.
وقالت مصادر إن مدارج أخرى أُنشئت في صعدة وذمار ومناطق أخرى.
قالت مليشيا الحوثي إن رحلة «ماهان إير» كانت تهدف إلى كسر الحصار السعودي. لكن مطار صنعاء لم يكن معزولاً بالكامل؛ فالرحلات إلى عمّان استمرت، فيما كانت تجري نقاشات بشأن توسيع عملياته قبل انخراط مليشيا الحوثي في الحرب المرتبطة بغزة.
وفي مايو/أيار 2025، قصفت إسرائيل طائرات يمنية في مطار صنعاء رداً على هجمات مليشيا الحوثي على الأراضي الإسرائيلية. ورفضت مليشيا الحوثي نقل الطائرات إلى دول مجاورة، مثل جيبوتي، خشية تدميرها خلال المواجهة مع إسرائيل. ودُمرت ثلاث طائرات في ضربة واحدة، وأُغلق المطار. لكن قصف مطار صنعاء في يوليو/تموز ساعد، رغم ذلك، على دفع المواجهة إلى مرحلة جديدة.
أعلنت مليشيا الحوثي ما أسمته «حصاراً مقابل حصار»، ومنعت السفن السعودية وبدأت في استهدافها. وجاء ذلك بعدما كانت التفاهمات السعودية ـ مليشيا الحوثي لعام 2022 قد جمدت معظم جبهات القتال الرئيسية. وبحلول صيف 2026، كانت العلاقة بين مليشيا الحوثي والسعودية تتجه مرة أخرى نحو مواجهة مفتوحة.
عندما بدأ الهجوم البري، كانت مليشيا الحوثي قد أمضت أسابيع في تشكيل ساحة المعركة. ووفقاً لمسؤولي قوات المقاومة الوطنية، أطلقت مليشيا الحوثي بين 9 أغسطس و9 سبتمبر نحو 130 صاروخاً باليستياً، و145 طائرة مسيرة انتحارية، و15 زورقاً مفخخاً ضد القوات الحكومية. دُمر ميناء المخا، بينما تعرضت القوات المدافعة عن الساحل الغربي لحملة قصف متواصلة مع دعم جوي محدود للغاية. وحُشد عشرات الآلاف من المقاتلين، بينهم وحدات نخبة. وانتشر كبار القادة في الحوبان، شمال شرقي تعز، ومن بينهم محمد العاطفي، وزير الدفاع في حكومة مليشيا الحوثي؛ ويوسف المداني، رئيس هيئة الأركان وقائد جبهة البحر الأحمر؛ وعبد اللطيف المهدي، المعروف باسم أبو نصر الشعف، قائد المنطقة العسكرية الرابعة؛ إلى جانب مسؤولين كبار في الاستخبارات والجيش. وبحسب مصادر، شارك خبراء من الحرس الثوري الإيراني أيضاً في العملية. ومن هناك أُدير الهجوم على المخا.
ولم تكن العملية سراً.
لكن مليشيا الحوثي كانت تخوض معركة أخرى، على جبهة مختلفة تماماً: جبهة الاتصالات.
بعد أن تخلت عن استخدام «كلود» خشية اختراقه من الولايات المتحدة أو إسرائيل، أفادت تقارير بأن مليشيا الحوثي شكلت فريقاً ضم خبراء منها ومن حزب الله وخبراء عراقيين.
وأُرسلت مركبات تحمل أنظمة وبرمجيات اتصالات متطورة لاعتراض اتصالات القوات الحكومية على خطوط المواجهة الممتدة من غرب تعز إلى المخا.
ووفقاً لمسؤولي قوات المقاومة الوطنية، تمكنت وحدات الحرب الإلكترونية من رصد والتنصت على 5,346 جهاز اتصال لاسلكي بالقرب من خطوط الجبهة: 3,181 جهازاً حول جبهة البرح في تعز، و2,165 حول الحديدة. وبحسب المعلومات التي حصلت عليها، استُخدم النظام بعد ذلك لإرسال أوامر انسحاب إلى وحدات الخطوط الأمامية، بينما كانت المواقع نفسها تتعرض لقصف مكثف بالصواريخ والطائرات المسيرة. وكان الأثر مدمراً.
بعد سقوط مديرية الوازعية في تعز، خشي بعض المقاتلين من أن تقتحم مليشيا الحوثي ذوباب وتقطع خط الإمداد، خصوصاً أولئك الذين كانت عائلاتهم تقيم هناك. فتركوا بعض مواقعهم الأمامية للعودة وإنقاذ أسرهم. اعتقد السكان أن الانسحاب نهائي. أما المقاتلون، فكانوا يعتقدون أنهم سيعودون إلى مواقعهم الأمامية. لكن الوقت لم يكن في صالحهم.
وبحسب مصادر عسكرية وسياسية، أُبلغ بعض المقاتلين بقرار الانسحاب، فيما لم يُبلغ آخرون، بمن فيهم بعض القادة.
وقال أحد كبار القادة: "لقد قاتل الناس ببسالة وشراسة لأيام. حوصر بعض المقاتلين يومين، وصدوا هجمات ضخمة رغم بقائهم لساعات طويلة من دون نوم. الطائرات المقاتلة لم تظهر، ولم تُفتح جبهات أخرى بشكل مناسب، سواء في تعز أو المحافظات الأخرى، لتشتيت قوات مليشيا الحوثي وقطع خطوط إمدادها. وهكذا جاء الانسحاب فوضوياً وغير منضبط، ولذلك تحول إلى هزيمة ساحقة".
وبحسب المصادر، كان الهدف الرئيسي لـمليشيا الحوثي هو قتل صالح والسيطرة على المخا وباب المندب، بغض النظر عن العواقب. وكان الحرس الثوري الإيراني قد منح العملية مهلة عشرة أيام، وفقاً للمصادر. وقبل أيام قليلة من انهيار الجبهة، أفادت التقارير بأن عبد الملك الحوثي قلص المهلة إلى 72 ساعة. وقد تحقق الهدف في الموعد المحدد.
لكن سرعة الهزيمة لا يمكن تفسيرها بقوة مليشيا الحوثي العسكرية وحدها. كانت الجبهة الحكومية منقسمة أصلاً.
وكان سقوط الكدحة في غرب تعز مؤشراً مبكراً إلى ما سيأتي.
كانت المنطقة تحت سيطرة لواء النصر التابع لمحور تعز العسكري. وكان قائد اللواء، رامي الخليدي، في عدن عندما هاجمت مليشيا الحوثي قواته، التي كانت محدودة العدد، وفقاً للتقارير.
وفي 6 سبتمبر، سقطت المنطقة من دون مقاومة تُذكر. وكان صالح قد حذر محور تعز العسكري قبل أشهر من الأهمية الاستراتيجية للجبهة، وطالب بتعزيزها. لكن تحذيراته لم تلقَ الاستجابة التي كان يريدها، وفقاً لمصادر عسكرية.
وكان انعدام الثقة بين صالح وبعض مكونات قوات تعز، وكذلك مع حزب الإصلاح على نطاق أوسع، عميقاً.
فقد كان بعضهم ينظر إلى صالح باعتباره حليفاً لأبوظبي قبل كل شيء، رغم إعادة اصطفافه لاحقاً مع الرياض بعد التطورات السياسية والعسكرية التي أدت إلى خروج قوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات في أواخر ديسمبر ومطلع يناير، عندما قصفت السعودية قوات المجلس ومركبات عسكرية إماراتية في حضرموت، ومنحت أبوظبي مهلة 24 ساعة لمغادرة اليمن.
ولم يكن أمام حلفاء الإمارات، ومن بينهم صالح، سوى إعادة الاصطفاف مع النظام الجديد الذي أصبحت الرياض تقوده منفردة. وقد أصبحت تلك الشكوك السياسية ذات أهمية عندما بدأ القتال.
فبمجرد سيطرة مليشيا الحوثي على الكدحة، قطعت الطريق بين المخا ومدينة تعز، وهو الطريق الذي شُيد بتمويل إماراتي.
ورأى خبراء عسكريون أن سقوط الكدحة كان تطوراً حاسماً، لأنه عزل المخا عن مدينة تعز، وعن أي إمكانية لإمداد القوات في المخا والساحل الغربي أو ممارسة ضغط عسكري على مليشيا الحوثي. ولم تُفعّل جبهات أخرى حول تعز لقطع خطوط إمداد مليشيا الحوثي أو تشتيت قواتها بعيداً عن أهدافها. لكن الانقسام كان أعمق من طريق واحد أو جبهة واحدة.
فقد تشكلت العلاقة بين حزب الإصلاح وحلفائه وخصومه تحت وطأة جراح عام 2011. وأوجدت سنوات الحرب تحالفات جديدة، لكنها لم تمحُ الخصومات القديمة. وعندما انهار الساحل الغربي، عادت تلك الجراح إلى الواجهة.
طالب بعض المحسوبين على الإصلاح ونشطاء آخرون بمحاكمة صالح، وحملوه مسؤولية الهزيمة، بحجة أن قواته كانت مدججة بالسلاح وكان يفترض أن تكون قادرة على الدفاع عن المنطقة.
وذهب آخرون، بمن فيهم بعض الكتاب السعوديين، إلى حد اتهام أبوظبي بالضلوع فيما حدث. لكن المشكلة الأساسية هي أن القوى المناهضة لـمليشيا الحوثي لم تكن يوماً جيشاً واحداً.
كانت قوات المقاومة الوطنية مدعومة من ألوية العمالقة، وهي تشكيلات سلفية أنشئت بدعم إماراتي، ومن قوات درع الوطن، وهي أيضاً ذات طابع سلفي، لكنها أنشئت بدعم سعودي.
غير أن هذه القوات لم تكن بالضرورة تعمل تحت قيادة ميدانية موحدة. وبحسب تقارير، كان بعض أفرادها لم يتلقوا رواتبهم منذ أشهر. كما أن بعضهم لم يكن يعترف بالكامل بسلطة صالح قائداً للساحل الغربي.
وهكذا كانت هناك قوة تمتلك السلاح والرجال والأرض، وتقاتل على عدة جبهات، لكنها افتقرت إلى قيادة عسكرية موحدة وفعالة في لحظة حاسمة.
أما وزير الدفاع، الذي كان يفترض أن يكون في الجبهات الساخنة، مثل الساحل الغربي، فقد اختار، وفقاً لكثيرين، الجبهة الخطأ والوقت الخطأ. فقد ذهب إلى الضالع، معقل الانفصاليين الجنوبيين، حيث تعرض موكبه لكمين واحتُجز هناك لبعض الوقت. كانت زيارة بلا جدوى.
في المقابل، واجهت مليشيا الحوثي وضعاً مختلفاً تماماً. كانت قيادتها مركزية، وهدفها واضحاً، وتمكنت القيادة من تركيز عشرات الآلاف من المقاتلين على جبهة واحدة. وكان الفرق حاسماً. كانت كلفة الانهيار ونتائجه الإقليمية هائلة.
ففي هجوم واحد، استولت مليشيا الحوثي على نحو 2,000 ميل مربع، وعادت إلى باب المندب بعد نحو عقد من إخراجها منه. ولم يكن ما استولت عليه مجرد أراضٍ. فالساحل الغربي كان يضم بنية عسكرية جرى بناؤها على مدى سنوات بدعم إماراتي كبير: مخازن أسلحة وذخائر، ومجمعات عسكرية، وأنظمة اتصالات، ومواقع استراتيجية تحيط بالمخا.
ومن بين المنشآت التي سقطت في أيدي مليشيا الحوثي ميناء المخا، الذي دمرته صواريخها في وقت سابق؛ والمطار؛ ومحطة للطاقة الشمسية؛ والمنظومة الأمنية والعسكرية حول جبل النار، وهي قاعدة عسكرية ومركز قيادة وسيطرة أنشأته الإمارات؛ ومجمع العمري، وهو مجمع عسكري حكومي يطل على المناطق القريبة من المضيق؛ إضافة إلى المواقع الجبلية المحيطة بالمخا.
شهدت المخا خلال السنوات الأخيرة تطوراً غير مسبوق، كما نما عدد سكانها. وبجانب مأرب، أصبحت المدينة نموذجاً للتنمية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة.
كما استولت مليشيا الحوثي على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر. ووصف رئيس استخبارات سابق النظام الذي تركته القوات خلفها بأنه «منظومة عسكرية وأمنية لدولة». ولعل العبارة تلخص بدقة ما فُقد خلال تلك الأيام القليلة. لم يكن الانهيار مجرد التخلي عن خط دفاعي. لقد كان اختفاء بنية عسكرية استغرق بناؤها سنوات. وربما كان من أفدح الأخطاء إنشاء قاعدة استراتيجية للقيادة والسيطرة في جبل النار، على بعد 11 ميلاً فقط من خط المواجهة مع مليشيا الحوثي، على ما يبدو اعتقاداً بأن الجبل سيوفر لها الحماية من الضربات.
لكن القاعدة، رغم تحصينها بما يكفي لمقاومة صواريخ مليشيا الحوثي، كانت ضعيفة بما يكفي للسقوط أمام قواتها البرية. وبمجرد سقوطها، انهارت غرفة العمليات وفُقد الاتصال بالوحدات العسكرية. وبحسب أشخاص من المنطقة وروايات ميدانية عن المعركة، تركز القتال الحاسم في القطاع الأوسط من الجبهة الغربية. وامتد المحور الحاسم من البرح إلى مفرق المخا ومعسكر خالد فجبل النار. ثم جاء الانهيار في تسلسل عسكري واضح. تعرض مفرق البرح لضغط متزايد. ثم تهاوت المنظومة الدفاعية حول معسكر خالد. وأصبح جبل النار ومركز القيادة والسيطرة مهددين. وتدهورت الاتصالات والتنسيق. وبدأت القوات في الانسحاب. ولم تكن هناك مواقع دفاعية بديلة معدة لتحل محل المواقع التي فقدت. وأصبحت المخا أكثر عرضة للسقوط.
تكمن أهمية هذا التسلسل في أن مليشيا الحوثي لم تكن بحاجة إلى تدمير كل تشكيلات الحكومة في الوقت نفسه. لكن بعض المصادر قالت إن ألوية تهامة، التي تقاتل في مديريتي الخوخة وحيس في الحديدة، وهي جزء من قوات المقاومة الوطنية، حافظت على تماسك أكبر، وتمكنت من الانسحاب في الوقت المناسب قبل أن تُحاصر بالكامل. وهذه الوحدات هي التي قد تتولى زمام المبادرة في أي ترتيبات مستقبلية لهذه المناطق. وكانت الخسائر البشرية كبيرة أيضاً. فبحسب تقارير وزارة الصحة، قُتل أكثر من 700 من مليشيا الحوثي وأصيب المئات. كما تكبدت القوات الحكومية أكثر من 500 قتيل ونحو 1,500 جريح. وقد تكون الأرقام الفعلية أعلى من ذلك. لكن الأهمية الاستراتيجية للهزيمة تتجاوز أعداد القتلى والجرحى. فـمليشيا الحوثي باتت تمتلك أسلحة وذخائر يمكن أن تتيح لها مواصلة عملياتها لأشهر. خلال الحرب المستمرة منذ 12 عاماً، ظل أحد أبرز مواطن ضعف مليشيا الحوثي هو القوة الجوية، ولا سيما في المناطق المفتوحة والمسطحة؛ فالقتال في التضاريس الجبلية الوعرة هو المجال الذي تجيده أكثر. وقالت مصادر إن صالح طلب دعماً جوياً أكبر، لكن الضربات المحدودة التي حصل عليها لم تتمكن من وقف الأعداد الهائلة من مقاتلي مليشيا الحوثي، ولم تفعل سوى القليل لإبطاء الانسحاب. وبعد انسحاب قواته، تحركت قوات صالح والقوات المساندة لها باتجاه خور عميرة في لحج، بينما واصلت مليشيا الحوثي ملاحقتها بضربات صاروخية. جاء الدعم الجوي متأخراً، بعد أن كانت القوات قد انسحبت بالفعل.
وأُفيد بشن غارات مكثفة على أهداف تابعة لـمليشيا الحوثي على طول الساحل الغربي وفي مناطق أخرى، دمرت بعض الأسلحة التي خلفتها قوات المقاومة الوطنية، إضافة إلى مخازن جبلية. وقالت مليشيا الحوثي إنها رصدت 450 غارة جوية خلال أسبوع واحد. وأشارت تقارير ميدانية إلى مقتل مئات من مليشيا الحوثي. وأعادت الحملة إلى الأذهان الأيام الأولى لعملية «عاصفة الحزم» في مارس/آذار 2015، عندما كانت القوة الجوية تهيمن على ساحة المعركة. لكن ثمة فرقاً أساسياً بين تدمير موقع والسيطرة عليه. فالطائرات تستطيع تدمير مخازن الأسلحة ومراكز القيادة والمنشآت العسكرية. لكنها لا تستطيع احتلال جبل، أو تأمين طريق، أو حماية ميناء. تلك مهام تحتاج إلى قوات برية قادرة على العمل تحت قيادة واحدة. ولم تكن مثل هذه القوة موجودة عندما انهارت جبهة الساحل الغربي.
لا يزال الهجوم المضاد ممكناً، لكنه سيتطلب من القوات التي نجت من الانهيار إعادة تنظيم صفوفها وإنشاء قيادة متماسكة قبل محاولة استعادة الأراضي التي فقدتها. وفي الوقت نفسه، تعمل مليشيا الحوثي على تثبيت مواقعها في المناطق التي سيطرت عليها، وهناك تقارير عن قيامها بزرع الألغام. وكلما طال بقاؤها هناك، أصبحت عملية طردها أكثر صعوبة. كما تسعى إلى السيطرة على المناطق الجبلية الوعرة في تعز ولحج المطلة على المضيق، لتأمين عمقها الخلفي، بينما تعمل بقوة على ما قد يكون هدفها التالي: مأرب.
وسرعان ما تحول الانهيار العسكري إلى أزمة إنسانية. نزح نحو 100 ألف شخص خلال فترة قصيرة. وأفادت تقارير بأن بعض العسكريين والمدنيين تعرضوا للمضايقة من قبل قوات أمن مرتبطة بالانفصاليين الجنوبيين أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق أكثر أمناً في عدن. وجاءت موجة النزوح الجديدة فوق سنوات من النزوح المتكرر منذ اندلاع الحرب عام 2015.
بالنسبة لكثير من المدنيين، لم يكن انهيار الساحل الغربي مجرد تغيير على خريطة عسكرية. كان رحلة قسرية جديدة، ومنزلاً آخر يُترك خلفهم، ومحاولة أخرى للعثور على مكان آمن.
أما بالنسبة لطارق صالح، فتحمل الهزيمة معنى سياسياً وشخصياً عميقاً. فالقوة التي بناها بدعم إماراتي، والتي يقدر قوامها بنحو 50 ألف مقاتل، اختفت فعلياً من الساحل الغربي. فقد خسر السيطرة على ساحة المعركة وفر إلى عدن، حيث أمضى عدة أيام في القصر الرئاسي قبل أن يتوجه إلى الرياض. وكانت تلك أول عودة له إلى عدن منذ 2022.
وتاريخه لا ينفصل عن السياسة المعقدة للحرب اليمنية. في 3 يونيو/حزيران 2011، لم يتمكن طارق صالح من حماية عمه، الرئيس آنذاك علي عبد الله صالح، عندما انفجرت عبوة ناسفة من مادة C4 داخل مسجد النهدين بعد صلاة الجمعة. أصيب الرئيس بجروح خطيرة ونُقل إلى السعودية للعلاج. وبعد ست سنوات، في 2 ديسمبر/كانون الأول 2017، انقلب علي عبد الله صالح على مليشيا الحوثي بعد سنوات من التحالف معها. اندلعت المعارك في صنعاء، وقتلته مليشيا الحوثي بعد أيام من انتفاضته عليها. فر طارق صالح من العاصمة، ووصل في نهاية المطاف إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة. وبدعم من أبوظبي، بدأ في بناء القوة التي ستصبح لاحقاً قوات المقاومة الوطنية، واتخذ من المخا ومحيطها قاعدة رئيسية لها. ومنذ ذلك الحين، حاول طارق صالح طي صفحة الصراعات السياسية القديمة. كانت رسالته أن مليشيا الحوثي هي العدو الرئيسي، وأن الهدف النهائي يجب أن يكون صنعاء. لكن الذكريات السياسية لا تختفي بمجرد تغير التحالفات. فبالنسبة لبعض خصومه، ظلت جراح 2011 والمنافسة القديمة بين معسكر صالح والإصلاح حاضرة بقوة. وعندما انهار الساحل الغربي، عادت تلك التوترات إلى الواجهة في اللحظة التي كانت فيها الوحدة أكثر ضرورة من أي وقت مضى.
كان طارق صالح قائداً لوحدة الحرس الخاص في الحرس الجمهوري، وقائداً للواء الثالث حرس جمهوري، قبل أن يعزله الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي في أبريل/نيسان 2012، بعد انتخاب هادي دون منافس خلفاً لعلي عبد الله صالح، في أعقاب انتفاضة الربيع العربي.
عارض طارق صالح قرار إقالته وتمرد عليه، لكنه تعرض لاحقاً لضغوط أجبرته على قبول الإقالة، التي استهدفت عدداً من القادة المقربين من علي عبد الله صالح، بمن فيهم نجله أحمد. ظل طارق صالح وفياً لعمه بعد أن سلم الرئيس السابق السلطة سلمياً إلى نائبه. لكن علي عبد الله صالح احتفظ بموقعه القيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام، الحزب الذي حكم البلاد خلال فترة رئاسته.
وكان طارق صالح مساعده الرئيسي خلال تلك المرحلة، عندما كان الرئيس السابق يحاول تقويض سلطة هادي، ثم دخل في تحالف مع مليشيا الحوثي، أعدائه السابقين. كانت العلاقة مع مليشيا الحوثي تزداد قوة، وكان الهدف المشترك إيصالها إلى صنعاء لإطاحة هادي وحلفائه، بمن فيهم حزب الإصلاح، وهو تحالف من القبائل والقوات العسكرية والإخوان المسلمين. وعندما قادت السعودية تحالفاً ضد مليشيا الحوثي، التي سيطرت على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، كان طارق صالح وعمه يقفان إلى جانب مليشيا الحوثي. وشكل علي عبد الله صالح حكومة معها لمواجهة حكومة هادي، التي كانت مدعومة آنذاك من السعودية والإمارات. وظل طارق صالح يقاتل إلى جانب مليشيا الحوثي حتى ديسمبر/كانون الأول 2017، عندما قطع علي عبد الله صالح تحالفه معها، وهو ما أدى إلى مقتله. وقال منتقدو طارق صالح لاحقاً إنه لم يتعلم من أخطاء عمه خلال سنوات حكمه الـ33. وأشاروا إلى أن دائرته الضيقة من المقربين كانت تنتمي إلى قبيلته نفسها. حتى أبريل/نيسان 2022، لم تكن لطارق صالح صلة مباشرة بالحكومة المركزية. وعندما توصل السعوديون إلى تفاهم مع مليشيا الحوثي، أُنشئ مجلس القيادة الرئاسي، المؤلف من ثمانية أعضاء، بينهم صالح، ليتولى السلطة بدلاً من هادي.
وكان يفترض أن يشكل المجلس جسراً فوق الانقسامات العميقة داخل المعسكر المناهض لمليشيا الحوثي. لكن الانقسامات بقيت.
خسر صالح، قائد قوات الم
| تُشغّلها بحرية الحرس الثوري وحزب الله بلبنان، واستخدمتها مليشيا الحوثي وفصائل عراقية لاستهداف السعودية ودول خليجية.. تقود مليشيا الحوثي الإرهابية ، والفصائل الموالية لإيران في العراق، عمليات منسقة ضد دول الخليج العر مشاهدة المزيد
في أول حوار لها منذ توليها منصب وزيرة الخارجية، أكدت الدكتورة أفراح الزوبة أن العلاقة بين مليشيا الحوثي وإيران تقوم على «التخادم»، مشيرة إلى أن الجماعة تمتلك مشروعاً داخلياً، فيما توظفها إيران لتعزيز نفوذها الإقل مشاهدة المزيد