حراك دفاعي سعودي متسارع.. خالد بن سلمان يفتح خطوط واشنطن وباريس ولندن وسط تصعيد الحوثيين

2026-10-01 23:11:06 أخبار اليوم – تقرير خاص

 

| اتصالات متلاحقة مع وزراء الدفاع الأمريكي والفرنسي والبريطاني.. وعودة التواصل مع أبوظبي وتحركات لتفعيل اتفاق مكة الدفاعي تضع المشهد أمام أسئلة المرحلة المقبلة

 

يشهد المسار الدفاعي السعودي حراكاً دبلوماسياً وعسكرياً متسارعاً خلال الأيام الأخيرة، بلغ ذروته الخميس 1 أكتوبر/تشرين الأول، باتصالات أجراها وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان مع نظيريه الأمريكي والفرنسي، بعد أقل من 24 ساعة على اتصال مماثل بوزير الدفاع البريطاني، وفي ظل تصعيد عسكري حوثي ضد المملكة وتزايد المخاوف المتعلقة بأمن البحر الأحمر وباب المندب والمجال الجوي السعودي.

 

وبحسب وكالة الأنباء السعودية «واس»، أجرى الأمير خالد بن سلمان، الخميس، اتصالاً هاتفياً بوزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، استعرض خلاله الجانبان الشراكة الاستراتيجية الدفاعية السعودية–الأمريكية، وبحثا «تنسيق الجهود لتعزيز أمن المنطقة واستقرارها»، إلى جانب عدد من التطورات والقضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

 

وتكتسب المكالمة مع المسؤول الأمريكي أهمية استثنائية من توقيتها، إذ تأتي بينما يدور نقاش في واشنطن بشأن مستوى المساندة التي ينبغي تقديمها للسعودية في مواجهة مليشيا الحوثي الإرهابية، وبعدما كانت رويترز قد أفادت بأن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان طلب خلال سبتمبر مساعدة عسكرية أمريكية ضد الجماعة، وأن واشنطن امتنعت عن تنفيذ ضربات مباشرة في تلك المرحلة، مع موافقتها على تقديم دعم استخباراتي ومعلومات للاستهداف.

 

ولا يتضمن البيان السعودي الصادر الخميس أي إشارة صريحة إلى الاتفاق على ضرب الحوثيين أو تغيير الموقف الأمريكي السابق، ولذلك لا يمكن اعتبار الاتصال دليلاً على صدور قرار عسكري أمريكي. لكن انعقاده في هذا التوقيت، وعلى مستوى وزيري الدفاع، يجعله جزءاً مهماً من حركة المشاورات الأمنية الجارية.

 

باريس تدخل خط المشاورات

 

وبالتزامن تقريباً مع الاتصال الأمريكي، أجرى خالد بن سلمان اتصالاً هاتفياً بوزيرة القوات المسلحة الفرنسية كاثرين فوترين.

 

وقالت «واس» إن الجانبين بحثا أوجه التعاون الدفاعي بين المملكة وفرنسا، إلى جانب «التحديات التي تواجه المنطقة والجهود المبذولة تجاهها بما يعزز الأمن والاستقرار» والقضايا ذات الاهتمام المشترك.

 

وتأتي المحادثات في ظل شراكة دفاعية متنامية بين الرياض وباريس، كانت قد تعززت بإعلان نوايا لتطوير التعاون في القدرات الدفاعية والتقنيات الحديثة والصناعات العسكرية والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتدريب العسكري.

 

وقبل واشنطن وباريس.. لندن

 

الحراك لم يبدأ الخميس.

 

ففي 30 سبتمبر، أجرى وزير الدفاع السعودي اتصالاً بنظيره البريطاني ويس ستريتينغ، بحثا خلاله العلاقات الاستراتيجية الدفاعية و«الجهود المشتركة تجاه تطورات الأوضاع الإقليمية»، وأكدا دعم ما يسهم في أمن المنطقة واستقرارها.

 

واللافت أن بريطانيا انتقلت بالفعل من الموقف السياسي إلى تقديم مساعدة عسكرية دفاعية للسعودية.

 

فقد أعلنت وزارة الدفاع البريطانية في 22 سبتمبر، عقب طلب سعودي، إرسال طائرة تزويد بالوقود جواً من طراز RAF Voyager لدعم الأنشطة الدفاعية السعودية المرتبطة بمساندة الحكومة اليمنية، إلى جانب مساهمة بريطانية قائمة في الدفاع الجوي السعودي تشمل معدات دفاع جوي وأفراداً بريطانيين يساعدون في مواجهة هجمات الصواريخ والمسيّرات.

 

وهذا يجعل الاتصال الأخير مع لندن مختلفاً عن مجرد مشاورات سياسية؛ فهو يجري مع دولة بدأت فعلياً تقديم إسناد عسكري دفاعي للمملكة في سياق الهجمات الحوثية.

 

شبكة اتصالات تتسع

 

وبالنظر إلى الأيام السابقة، تظهر سلسلة أوسع من التحركات.

 

ففي 29 سبتمبر تحدث خالد بن سلمان مع وزير الدفاع البلغاري ديميتار ستويانوف، وبحث معه التعاون العسكري والدفاعي و«سبل تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة».

 

وسبق ذلك اتصال بوزير الدفاع الماليزي محمد خالد بن نور الدين، فضلاً عن تحركات واتصالات دفاعية أخرى.

 

لكن الثقل السياسي والعسكري في الساعات الأخيرة انتقل بوضوح إلى واشنطن وباريس ولندن، وهي ثلاث قوى غربية تمتلك ثقلاً عسكرياً مباشراً وقدرات بحرية وجوية، وترتبط بعلاقات دفاعية طويلة مع السعودية.

 

أبوظبي تعود إلى الرياض

 

وبالتوازي مع المسار الغربي، حدث تطور إقليمي بالغ الأهمية.

 

فقد زار نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ منصور بن زايد الرياض في 29 سبتمبر، في أول زيارة لمسؤول إماراتي بهذا المستوى منذ التوتر الحاد الذي أصاب العلاقات السعودية–الإماراتية.

 

وتكشف رويترز أن الزيارة جاءت بدعوة من وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، وأنها حدثت بينما تواجه المملكة ضغوطاً متزايدة جراء الهجمات الحوثية.

 

والأكثر ارتباطاً بالملف اليمني أن الإمارات كانت الشريك العسكري الإقليمي الرئيسي للسعودية في الحرب ضد الحوثيين، قبل أن تتباعد سياسات البلدين بصورة كبيرة في اليمن.

 

ولهذا فإن عودة الاتصال على هذا المستوى، وفي هذا التوقيت تحديداً، تستحق مراقبة مستقلة عن الصياغات الدبلوماسية العامة للبيانات الرسمية.

 

حتى الآن لا يوجد إعلان عن عودة تحالف عسكري سعودي–إماراتي في اليمن، ولا عن اتفاق على المشاركة في عملية ضد مليشيا الحوثي، لكن استئناف التواصل الدفاعي والسياسي يمثل تغيراً ملموساً مقارنة بحالة القطيعة السابقة.

 

مسار ثالث: اتفاق مكة الدفاعي

 

الحركة السعودية لا تقتصر كذلك على الحلفاء الغربيين أو الإمارات.

 

فمجلس الوزراء السعودي كشف هذا الأسبوع عن تقدم في إنشاء الأمانة العامة واللجان وفرق العمل الخاصة بـاتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان.

 

كما أشار إلى اجتماعات لوزراء الخارجية ورؤساء هيئات الأركان في الدول الثلاث بهدف زيادة التنسيق والتكامل والبدء في ترجمة التزامات الاتفاق إلى تعاون عسكري يعزز الردع والدفاع المشترك.

 

وهنا تتضح ثلاثة مسارات تتحرك عليها الرياض بالتوازي:

 

مسار غربي تقوده الاتصالات مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، ومسار خليجي تظهر أبرز ملامحه في إعادة فتح قناة التعاون مع الإمارات، ومسار دفاعي إقليمي جديد يستند إلى اتفاق مكة مع تركيا وباكستان.

 

التحذير من الأجواء السعودية يضاعف الضغوط

 

كل ذلك يحدث بالتزامن مع تطور أمني غير مسبوق تقريباً في المرحلة الحالية.

 

فقد أفادت رويترز الأربعاء بأن وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي EASA أصدرت تحذيراً لشركات الطيران يتعلق بالمجال الجوي السعودي عقب ارتفاع وتيرة الهجمات الحوثية.

 

ويمثل هذا التطور انتقالاً لتداعيات المواجهة من المنشآت العسكرية والنفطية والبحر الأحمر إلى سلامة حركة الطيران المدني.

 

والأهمية الاستراتيجية هنا أن استمرار الهجمات لا يهدد منشأة أو مدينة سعودية بعينها فحسب، وإنما يمكن أن يفرض تكاليف اقتصادية ولوجستية أوسع إذا انعكس على مسارات شركات الطيران والتأمين والنقل والطاقة.

 

محمد بن سلمان يرفع سقف الرسالة

 

ويتزامن الحراك الدفاعي مع خطاب أكثر وضوحاً من ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

 

ففي الخطاب الملكي أمام مجلس الشورى، أكد ولي العهد أن المملكة لن تتردد في «الرد الحازم» على أي تهديد أو اعتداء يمس أمنها، وأكد دعم السعودية الشامل، عبر تحالف دعم الشرعية، للحكومة اليمنية من أجل بسط سلطتها على كامل البلاد واستعادة الاستقرار والتصدي لاعتداءات مليشيا الحوثي.

 

كما تحدث عن إنشاء تحالف بحري دفاعي متعدد الجنسيات لتعزيز الأمن البحري وحماية المصالح المشتركة في الممرات الدولية.

 

وبذلك تتزامن ثلاثة مستويات من التحرك: رفع سقف الخطاب السياسي السعودي، وتوسيع الاتصالات العسكرية الدولية، وتحريك أطر دفاعية وتحالفات إقليمية.

 

هل تستعد الرياض لتحرك عسكري؟

 

هذا هو السؤال الذي تفرضه كثافة الاتصالات.

 

لكن الإجابة الدقيقة حتى الآن هي أن المعلومات المنشورة لا تكفي للقول إن قراراً بشن عملية عسكرية جديدة قد اتُخذ.

 

لا «واس» ولا وزارة الدفاع السعودية أعلنت تعبئة عسكرية جديدة أو عملية لاستعادة المخا وميون، كما أن البيان الخاص باتصال خالد بن سلمان وهيغسيث لا يتحدث عن ضربات أمريكية ضد مليشيا الحوثي.

 

وفي المقابل، يصعب التعامل مع ما يجري بوصفه اتصالات بروتوكولية منفصلة عن السياق.

 

فالرياض تتعرض لهجمات حوثية، وباب المندب أصبح محوراً للأزمة، وبريطانيا قدمت دعماً دفاعياً إضافياً، والولايات المتحدة تقدم دعماً استخباراتياً وفق رويترز، والعلاقة مع الإمارات تشهد محاولة لإعادة فتح قنواتها، فيما يجري تفعيل اتفاق مكة الدفاعي مع تركيا وباكستان.

 

هذه عناصر واقعية يمكن إثباتها، لكنها لا تكشف بعدُ ما إذا كان الهدف النهائي تعزيز الدفاع عن السعودية فقط، أم بناء مظلة أوسع تمهيداً لانتقال مختلف في التعامل مع مليشيا الحوثي داخل اليمن.

 

العامل الأمريكي هو المؤشر الأهم

 

يبقى الاتصال بين خالد بن سلمان وبيت هيغسيث التطور الأكثر أهمية للمراقبة خلال الساعات والأيام المقبلة.

 

فالولايات المتحدة رفضت في وقت سابق من سبتمبر تنفيذ ضربات مباشرة بناء على الطلب السعودي، بحسب ما نقلته رويترز، بينما ظهرت لاحقاً أصوات أمريكية تدعو إلى إعادة النظر في ذلك الموقف.

 

وبالتالي فإن السؤال الحاسم ليس ما إذا كانت الرياض تريد دعماً أكبر؛ فذلك بات معروفاً، وإنما هل تغير تقييم إدارة ترامب لكلفة البقاء خارج المواجهة المباشرة؟

 

أي إعلان من البنتاغون عن تعزيزات جديدة، أو تحريك قدرات جوية وبحرية مرتبطة باليمن والبحر الأحمر، أو انتقال الدعم الأمريكي من المعلومات والاستهداف إلى المشاركة الهجومية، سيكون مؤشراً نوعياً على تغير المعادلة.

 

أما حتى مساء الخميس 1 أكتوبر، فالثابت هو أن السعودية رفعت مستوى حركتها الدفاعية الدولية بصورة واضحة، لكنها لم تعلن حتى الآن الانتقال إلى حرب هجومية جديدة ضد مليشيا الحوثي.

 

وبين الاتصالات مع واشنطن وباريس ولندن، واستعادة قناة أبوظبي، وتفعيل اتفاق مكة، يبدو أن الرياض تعمل على توسيع شبكة خياراتها الأمنية والعسكرية في لحظة أصبحت فيها هجمات

مليشيا الحوثي لا تمس جبهات اليمن وباب المندب وحدهما، بل أمن المملكة ومنشآتها ومجالها الجوي ومصالحها الاقتصادية.

 

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
من أصفهان إلى صحوة صعدة وجرف الصخر بالعراق.. طائرة "صيّاد" أداة نفوذ إيرانية عابرة للحدود

| تُشغّلها بحرية الحرس الثوري وحزب الله بلبنان، واستخدمتها مليشيا الحوثي وفصائل عراقية لاستهداف السعودية ودول خليجية.. تقود مليشيا الحوثي الإرهابية ، والفصائل الموالية لإيران في العراق، عمليات منسقة ضد دول الخليج العر مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
وزيرة الخارجية اليمنية لـ (الشرق الأوسط): علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران وتصعيد الجماعة يهدد المنطقة والملاحة الدولية

في أول حوار لها منذ توليها منصب وزيرة الخارجية، أكدت الدكتورة أفراح الزوبة أن العلاقة بين مليشيا الحوثي وإيران تقوم على «التخادم»، مشيرة إلى أن الجماعة تمتلك مشروعاً داخلياً، فيما توظفها إيران لتعزيز نفوذها الإقل مشاهدة المزيد