السعودية تطوي عملياً صفحة «خارطة الطريق» وتستعد لمعركة باب المندب.. وواشنطن تدعمها استخباراتياً دون مشاركة قتالية

2026-10-03 23:08:13 أخبار اليوم – خاص

الرياض تنتقل من مسار التسوية إلى التحضير لهجوم واسع ضد مليشيا الحوثي.. أمريكا تقدم معلومات عن أكثر من 200 هدف، واجتماع سري في كامب ديفيد يضع اليمن وإيران أمام أعلى دوائر القرار

 

تشير التطورات السياسية والعسكرية المتسارعة إلى أن السعودية طوت عملياً، في المرحلة الراهنة، صفحة «خارطة الطريق» مع مليشيا الحوثي الإرهابية، وانتقلت إلى مسار يستهدف تغيير الوقائع العسكرية التي فرضتها المليشيات على الساحل الغربي وباب المندب قبل العودة إلى أي تسوية سياسية جديدة.

 

والتحول السعودي لا يجري بعيداً عن واشنطن؛ إذ تكشف تقارير أمريكية ودولية متقاطعة أن الولايات المتحدة تقدم للرياض دعماً استخباراتياً وبيانات استهداف ومساندة دفاعية للعملية المرتقبة، رغم رفض إدارة الرئيس دونالد ترامب، حتى الآن، طلباً سعودياً بالمشاركة الأمريكية المباشرة في الضربات الجوية.

 

وتقول رويترز، استناداً إلى ستة مسؤولين ومصادر إقليمية وغربية مطلعة على الاستعدادات، إن الرياض توصلت إلى أنها لا تستطيع الدخول في مفاوضات سلام يمنية جديدة في ظل سيطرة مليشيا الحوثي على باب المندب.

 

وهذه النقطة تمثل أحد أهم التحولات في الموقف السعودي منذ سنوات: فبدلاً من تثبيت وقف التصعيد تمهيداً لـ«خارطة الطريق»، أصبح تغيير ميزان القوة على الأرض وتأمين باب المندب يسبق، وفق المصادر، أي عودة محتملة إلى المفاوضات.

 

خطة سعودية لاستعادة باب المندب

وكشف موقع Axios أن السعودية والقوات الحكومية اليمنية تستعدان لشن هجوم مضاد كبير خلال الفترة المقبلة يستهدف إبعاد مليشيا الحوثي عن الساحل الغربي واستعادة المناطق المرتبطة بالسيطرة على مضيق باب المندب.

 

ونقل الموقع عن مسؤولين أمريكيين أن القيادة السعودية أقرت الخطة خلال الأيام الماضية، وأن القوات الحكومية اليمنية ستتولى العمليات البرية، فيما توفر السعودية القيادة والإسناد والغطاء الجوي.

 

وأكدت رويترز بصورة مستقلة هذه التحضيرات، وقالت إن أمام الرياض سيناريوهين رئيسيين:

 

- الأول، عملية عسكرية مركزة تستهدف الساحل وباب المندب.

 

- الثاني، هجوم أوسع ومتزامن على عدة جبهات، قد يشمل تعز ومأرب والجوف والبيضاء إلى جانب الساحل الغربي.

 

وبحسب المصادر التي تحدثت للوكالة، يمكن أن يتجاوز حجم القوات اليمنية التي يجري حشدها 100 ألف مقاتل إذا تم اعتماد السيناريو العسكري الأوسع.

 

أما توقيت بدء العملية فلم يُحسم علناً، وتفاوتت تقديرات مصادر رويترز بين إمكانية انطلاقها خلال فترة قصيرة وتأجيلها إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مطلع نوفمبر.

 

خالد بن سلمان يطلع البنتاغون على الخطة

وسبق اجتماعاً أمريكياً بالغ الأهمية في كامب ديفيد اتصال أجراه وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بوزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث الخميس.

 

وبحسب Axios، أطلع خالد بن سلمان نظيره الأمريكي على خطة العملية المرتقبة، وجدد الطلب السعودي بتنفيذ الولايات المتحدة ضربات ضد أهداف تابعة لمليشيا الحوثي.

 

لكن الرد الأمريكي، وفق مسؤول تحدث للموقع، كان أن الولايات المتحدة لن تنفذ عملاً قتالياً مباشراً في اليمن «في الوقت الحالي».

 

ولا يعني ذلك أن واشنطن بعيدة عن التحضير للعملية.

 

فعلى العكس، تكشف المعلومات الأمريكية أن مستوى المساندة تجاوز المشاورات السياسية إلى الدعم العملياتي والاستخباراتي وتوفير معلومات الاستهداف.

 

واشنطن تسلم الرياض معلومات عن أكثر من 200 هدف

 

وهنا تظهر إحدى أهم المعلومات التي كشفها Axios.

 

فبحسب مسؤول أمريكي، قدم الجيش الأمريكي للسعودية خلال الأسبوعين الماضيين معلومات استخباراتية عن أكثر من 200 هدف تابع لمليشيا الحوثي يمكن استخدامها في العمليات الجوية.

 

كما يقدم الجانب الأمريكي معلومات استخباراتية وبيانات للاستهداف ومساندة عسكرية دفاعية، فيما تحدثت رويترز عن وجود مستشارين عسكريين أمريكيين في إطار الدعم المقدم للرياض.

 

وبذلك تبدو صيغة توزيع الأدوار، وفق المعلومات المتاحة حتى الآن، على النحو الآتي:

 

 قوات حكومية يمنية للهجوم البري، وإسناد وغطاء جوي سعودي، ومعلومات استخباراتية وبيانات استهداف ودعم دفاعي أمريكي.

 

لكن الولايات المتحدة لم تنتقل حتى الآن إلى المشاركة المباشرة في العمليات الهجومية.

 

CENTCOM تتحفظ على فتح جبهة ثانية

 

ويكشف Axios في المقابل عن تحفظات داخل القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM تجاه فتح حملة عسكرية أمريكية جديدة ضد مليشيا الحوثي.

 

وبحسب التقرير، ترى القيادة المركزية أن الانخراط المباشر في اليمن يمكن أن يشتت القدرات والموارد الأمريكية عن إيران في مرحلة تواجه فيها واشنطن تحديات عسكرية واسعة في المنطقة.

 

وتتعلق الحسابات الأمريكية بتوزيع الطائرات والسفن والذخائر ومنظومات الدفاع الجوي والقدرات الاستخباراتية بين أكثر من مسرح عمليات.

 

لكن صيغة الموقف الأمريكي نفسها تترك هامشاً مهماً؛ فالرفض يتعلق بالمشاركة المباشرة «في الوقت الحالي»، فيما أشار مسؤولون أمريكيون إلى إمكانية تغير الموقف تبعاً لتطور العمليات.

 

ترامب سبق أن اقترب من خيار الضرب

 

ولا يعد الطلب السعودي الأخير الأول من نوعه.

 

فقد كشف Axios في 11 سبتمبر أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان اتصل بالرئيس دونالد ترامب مرتين طالباً ضربات أمريكية ضد مليشيا الحوثي، مع اقتراب المليشيات من باب المندب.

 

ورفض ترامب حينها الدخول في عمل عسكري أمريكي مباشر، لكنه أبقى الدعم الاستخباراتي ومساعدة السعودية في الاستهداف.

 

كما كشفت تقارير لاحقة أن خيار الضربة الأمريكية وصل بالفعل إلى مستوى متقدم من النقاش داخل الإدارة قبل أن يتراجع ترامب عن تنفيذه.

 

وبالتالي فإن السؤال داخل واشنطن لم يعد متعلقاً بوجود الخيار العسكري من عدمه، وإنما بالظروف التي قد تدفع الرئيس الأمريكي إلى الانتقال من الإسناد إلى المشاركة المباشرة.

 

اجتماع سري في كامب ديفيد

 

وفي توقيت شديد الدلالة، وبعد يوم واحد فقط من اتصال خالد بن سلمان بهيغسيث، عقد كبار مسؤولي الأمن القومي في إدارة ترامب اجتماعاً سرياً استمر عدة ساعات في كامب ديفيد الجمعة لمناقشة إيران والصراع السعودي–الحوثي في اليمن.

 

وترأس الاجتماع نائب الرئيس جيه دي فانس، وشارك فيه وزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، والمبعوث ستيف ويتكوف، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، إلى جانب مسؤولين كبار آخرين.

 

ونقل Axios عن مسؤول أمريكي قوله إن بعض الأمور خلال الاجتماع حُسمت، أو نوقشت على الأقل بصورة معمقة، دون الكشف عن طبيعة القرارات.

 

ورفض البيت الأبيض التعليق على الاجتماع.

 

ولفت Axios إلى أن اجتماعاً سرياً مماثلاً لفريق الأمن القومي عقد في كامب ديفيد في يونيو 2025 لبحث إيران وغزة، قبل أيام من اندلاع الحرب بين إسرائيل وإيران.

 

لكن لا توجد حتى الآن معلومات تثبت أن اجتماع الجمعة انتهى إلى قرار أمريكي باستئناف ضرب مليشيا الحوثي.

 

من «خارطة الطريق» إلى تغيير ميزان القوة

الدلالة السياسية الأبرز في مجمل هذه التطورات تتعلق بمصير «خارطة الطريق» التي ظلت لسنوات محوراً للمسار السعودي تجاه إنهاء الحرب.

 

فالمعلومات التي أوردتها رويترز تشير إلى أن الرياض لم تعد ترى العودة إلى مفاوضات جديدة ممكنة بينما تحتفظ مليشيا الحوثي بسيطرتها على باب المندب.

 

وهذا يعني عملياً أن تغيير ميزان القوة على الأرض بات يسبق التسوية في الحسابات السعودية الحالية.

 

أما واشنطن، فهي لم تعلن تأييداً سياسياً رسمياً للعملية السعودية ولم توافق حتى الآن على المشاركة في الضربات، لكنها تقدم مستوى مهماً من الدعم الاستخباراتي والاستهدافي، بما في ذلك معلومات عن مئات الأهداف.

 

وهذا التفريق ضروري: الولايات المتحدة تساند السعودية عسكرياً واستخباراتياً في المرحلة الحالية، لكنها لم تصبح حتى الآن شريكاً قتالياً مباشراً في الهجوم المرتقب.

 

تعز في قلب المعادلة

وفي حال اعتماد السيناريو الأوسع للعملية، ستكون تعز واحدة من الجبهات الرئيسية في التحرك العسكري.

 

وتؤكد رويترز أن أحد الخيارات المطروحة يتضمن فتح عدة جبهات متزامنة تشمل تعز ومأرب والجوف والبيضاء، بالتوازي مع التحرك على الساحل الغربي.

 

وتزامنت هذه التحضيرات مع تصعيد ميداني في تعز؛ إذ أعلنت القوات الحكومية اليمنية في 2 أكتوبر تنفيذ 20 غارة خلال ثلاث ساعات استهدفت عناصر وتحركات وآليات ومعدات عسكرية لمليشيا الحوثي.

 

وتكتسب تعز أهمية إضافية بسبب ارتباط جغرافيتها العسكرية بطرق الإمداد المؤدية إلى الجنوب والساحل الغربي، وبالمناطق المشرفة على المحاور المتصلة بالمخا وباب المندب.

 

كما نقلت رويترز عن محللين تحذيرات بشأن مستوى التنظيم والتنسيق بين القوات المناهضة لمليشيا الحوثي، مقارنة بقيادة أكثر مركزية لدى المليشيات.

 

ويجعل ذلك وحدة القيادة والسيطرة والتنسيق بين الجبهات أحد العوامل التي قد تحدد نجاح أي عملية متعددة المحاور.

 

السؤال الذي ينتظر إجابته

 

المشهد حتى مساء 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بات أكثر وضوحاً:

 

السعودية تستعد لتغيير ميزان القوة على الأرض قبل العودة إلى مسار سياسي جديد، والقوات الحكومية اليمنية يجري إعدادها لعملية قد تتجاوز الساحل إلى عدة جبهات، فيما تقدم الولايات المتحدة دعماً استخباراتياً واستهدافياً واسعاً، لكنها ترفض حتى الآن المشاركة القتالية المباشرة.

 

وفي الوقت نفسه أصبح ملف اليمن موضوعاً لاجتماع سري على أعلى مستويات الأمن القومي الأمريكي في كامب ديفيد.

 

لذلك لم يعد السؤال فقط: متى تبدأ معركة استعادة باب المندب؟

 

السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع القوات اليمنية والسعودية تحقيق أهداف العملية دون تدخل أمريكي مباشر، أم أن تعثر الهجوم أو تعرض المملكة لرد صاروخي ومسيّر واسع سيدفع واشنطن إلى إعادة النظر في قرارها؟

 

وحتى اللحظة لا يوجد إعلان من البيت الأبيض أو البنتاغون أو CENTCOM بأن ترامب أصدر أمراً باستئناف الضربات الأمريكية ضد مليشيا الحوثي.

 

لكن المؤكد أن المعادلة تغيرت: مسار التسوية السعودية تراجع أمام أولوية تغيير ا

لواقع العسكري، واشنطن أصبحت جزءاً من منظومة المعلومات والاستهداف، واليمن عاد إلى طاولة القرار الأمني الأمريكي في كامب ديفيد.

 

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
من أصفهان إلى صحوة صعدة وجرف الصخر بالعراق.. طائرة "صيّاد" أداة نفوذ إيرانية عابرة للحدود

| تُشغّلها بحرية الحرس الثوري وحزب الله بلبنان، واستخدمتها مليشيا الحوثي وفصائل عراقية لاستهداف السعودية ودول خليجية.. تقود مليشيا الحوثي الإرهابية ، والفصائل الموالية لإيران في العراق، عمليات منسقة ضد دول الخليج العر مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
وزيرة الخارجية اليمنية لـ (الشرق الأوسط): علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران وتصعيد الجماعة يهدد المنطقة والملاحة الدولية

في أول حوار لها منذ توليها منصب وزيرة الخارجية، أكدت الدكتورة أفراح الزوبة أن العلاقة بين مليشيا الحوثي وإيران تقوم على «التخادم»، مشيرة إلى أن الجماعة تمتلك مشروعاً داخلياً، فيما توظفها إيران لتعزيز نفوذها الإقل مشاهدة المزيد