عشرة ملايين يمني لا يجدون قوت يومهم ومؤشرات الفقر في تزايد مستمر

اليمن يعجز عن تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية

2012-10-21 02:01:32 مهيب زوى


*"دويد" الطفل ذو الأشهر العشرة، يذهب إلى مستشفى السبعين في صنعاء بصفة منتضمة
 حيث يعاني تأثيرات سوء التغذية الحاد، حيث تنخفض مقاومة الطفل الذي يعاني سوء التغذية
الحاد للمرض وعندما يصاب الطفل بالمرض تزداد مضاعفات سوء التغذية. ** الصورة من موقع
 برنامج الأغذية العالمي

26 شهراً فقط هي الفاصل لإعلان القضاء على الفقر في العالم كما هو متوقع من تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية التي أعلنتها الأمم المتحدة وأقرها مؤتمر القاهرة 1994 للتنمية والسكان.. ولكن يبدو أن الوضع في اليمن مختلفٌ جداً وأن العام 2015 سيأتي واليمن ما يزال يرزح تحت وطأة الفقر الذي تنامت مؤشراته منذ 2005 بشكل كبير وتراجع تقدمه في تحقيق أهداف الألفية الثمانية، حيث تشير التقارير الدولية بأن نصف سكان اليمن يعجزون عن الوصول إلى كميات كافية من الغذاء، وأن اليمن في طريق الاتجاه إلى صومال آخر.

تشير التقارير الدولية الحديثة إلى أن 50% من اليمنيين جوعى ولا يستطيعون تأمين الغذاء، حيث ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل كبير منذ بداية العام الجاري بنسبة 50%، ما دفع بالمزيد من الناس إلى الوقوع تحت طائلة الجوع وانعدام الأمن الغذائي، إضافة إلى سوء التغذية الذي يعانيه 5 ملايين طفل.
وتعتبر محافظات: ريمة وعمران وحجة وإب اليمنية.. هي المحافظات الأكثر فقراً بحسب تقييم غذائي أجراه برنامج الأغذية العالمي في الفترة الماضية, مشيراً إلى أن عدداً متزايداً من المواطنين أصبح غير قادر على تلبية احتياجاته الغذائية الأساسية وأن مستويات انعدام الأمن الغذائي وصل إلى 60% في العامين الأخيرين.
  • إشارات الإنذار
منذ عام 2005 سُجلت أولى إشارات الإنذار عن الكارثة الغذائية المتوقعة لليمن، كان ذلك عندما أعلن الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط نتائج مشروع:"مسح انعدام الأمن الغذائي والتعرض لنقص الأغذية" والذي كان بتمويل من منظمة الأغذية و الزراعة (الفاو) بموجب اتفاقية الدعم الفني و بمساهمة من قبل الاتحاد الأوروبي، حيث برزت حالة انعدام الأمن الغذائي في اليمن بشكل أكثر وضوحاً من خلال نتائج ذلك المشروع.
حيث بينت نتائج المسح حينها أن نسبة 35 % من عدد السكان كانوا يعانون من نقص الغذاء خلال الفترة من 1990 حتى 1997، بينما تناقصت النسبة في الفترة من 1999–2001 لتصل إلى 33 في المائة من نسبة السكان.
ومنذ العام 2005 و حتى نهاية 2011 اشتدت الأزمة الغذائية في اليمن, حيث أشارت تقارير منظمات دولية وإنسانية مطلع العام الجاري إلى أن اليمن بات على شفير الهاوية جراء وقوع «أزمة غذاء كارثية» وأنه يتجه نحو أن يكون صومالاً آخر، حيث لا يجد عشرة ملايين نسمة, يشكلون 44.5% من السكان, ما يكفي من الطعام في بلد هو الأفقر بين دول شبه الجزيرة العربية.
وأفادت التقارير لهذه المنظمات بأن «معدلات سوء التغذية التي سجلتها الأمم المتحدة في بعض مناطق البلاد بلغت مستويات مروّعة، حيث يعاني طفل من بين كل ثلاثة أطفال من سوء التغذية الحاد».. بل إن أكثر من «مليون طفل تقريباً تحت سن الخامسة يعانون سوء التغذية، كما أن مليوني شخص يحتاجون لمساعدة غذائية عاجلة»، وأن الأزمة تفاقمت مؤخراً، وهو ما يقف حائلاً أمام تحقيق أهداف الألفية.
ولم يتوفّق اليمن في تحسين الأوضاع المعيشيّة والصحية والتربوية لسكانه بالمستويات المطلوبة أو حتى بمستويات متوسطة، كما أن التنمية بكل أوجهها الاقتصادية والاجتماعية بما في ذلك الاستدامة البيئية بقيت تحت الخطوط التي تؤمّن الرفاه المادي والصحي والنفسي لأغلب فئات المجتمع، بسبب استمرار تواصل النمو السريع والعشوائي للسكان الذي أثّر سلبا على أوضاع التعليم والصحة والشغل والبيئة مع شحّ كبير في المياه وسوء استغلال المتوفّر منه،وغياب حلول عملية ناجعة بالرغم من البرامج المتعددة الوطنية أو تلك المدعومة من جهات رسمية وغير حكومية دولية، فلم تتطوّر المؤشرات كثيرا في الاتجاه الإيجابي بل إن بعضها بقي في مستويات محيّرة ومزعجة مثل مؤشر وفيات الأمهات ومؤشر الفقر ومؤشرات صحة الطفولة أو مؤشرات الإنصاف وتمكين المرأة ورفع التمييز وأشكال العنف عنها.
لقد بقي اليمن في 2011 ومنذ سنوات طويلة ضمن مجموعة الدول ذات التنمية البشرية المنخفضة بقيمة دليل تساوي 0.462 ورتبته 154 من مجموع 187 دولة وقد تأخّر في ذلك عن سنة 2005 (0.505)، حيث تنخفض القيمة إذا وقع تعديلها بعامل عدم المساواة إلى 0.312 سنة 2011.
وكان مدير المركز الاعلامي للامم المتحدة في اليمن السيد سمير الدربي أواخر 2011 ان اليمن لن يستطيع تحقيق المستهدفات الخاصة باهداف الالفية في التوقيت المحدد بسبب العديد من الصراعات التي يمر بها.

  • الفقر
كشف تقرير صادر عن البرلمان اليمني عن ارتفاع معدلات الفقر في اليمن إلى 42.8% في العام 2010 م مقارنة بمعدل 33.8% عام 2009 م، فيما كان البنك الدولي عام 2010 قال إن الاستهداف النموذجي للفقراء في اليمن يتطلب فقط 124.4 مليار ريال يمني سنوياً, أي نحو 4% من إجمالي الناتج المحلي لسد الفجوة بين الإنفاق الفعلي للأسر الفقيرة وخط الفقر.
وفي عام 2011 حذرت منظمة "الإغاثة الإسلامية" ومنظمة "اوكسفام" من أن الفقراء في اليمن على شفير الهاوية وأن بين اليمنيين من لا يأكل إلا كل ثلاثة أيام وأن خُمس الأطفال يعانون من معدلات سوء تغذية حادة وخاصة في محافظة أبين الجنوبية.
  • تصاعد التحذيرات
ومنذ أواخر العام 2011 ومطلع العام الجاري تصاعدت تحذيرات برنامج الأغذية العالمي في اليمن من تدهور الأمن الغذائي في اليمن، الناجم عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية، والنقص الحاد في الوقود وعدم الاستقرار السياسي، وقال إن ذلك سوف يشكل ضغطاً كبيراً على قدرة المواطنين على توفير الطعام لأسرهم، وإن ارتفاع أسعار المواد الغذائية وعدم الاستقرار السياسي سوف يخلف وراءه ملايين الجوعى والمستضعفين في اليمن، وإن سوء التغذية يلاحق النساء والأطفال.
وقال آخر تقرير لبرنامج الأغذية العالمي إن اليمن تحتل المرتبة الـ 11 في قائمة الدول الأكثر انعداماً للأمن الغذائي وان معدل انعدام الأمن الغذائي يعادل 44.5%, أي 10 ملايين يمني من أصل 23.8 مليون نسمة هم عدد سكان اليمن، وان معدل انعدام الأمن الشديد يعادل 22%, أي أن 5 ملايين يمني يعانون بشدة من انعدام الأمن الغذائي وان 5 ملايين آخرين معرضون لهذا الخطر.
وأضاف التقرير أن 13% من الأطفال دون الخامسة يعانون الهزال و43% منهم يعانون التقزم بسبب سوء التغذية.
  • أزمة سياسية
وشهدت اليمن مطلع العام 2011 ثورة شعبية مستمرة تطالب بإسقاط نظام الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح، ترتب عليها انتشار واسع للاختلالات الأمنية الذي أدى إلى تعقيد الحالة في اليمن وزاد من حالة السوء أكثر مما كانت عليه في السابق، حيث تواجه اليمنُ هبوطَاً اقتصادياً حادَّاً في ارتفاع نسبة أسعار المواد الغذائيةِ 50 % ونشاطاً اقتصادياً مستمراً في الانكماش بشكل ملحوظ، وهو مازاد تفاقم سوء الوضع الإنساني خصوصاً مع تزايد موجة النزوح الداخلي في الشمال والجنوب بسبب الصراعات والحروب وأصبحت مهمة اليمن صعبة ومعقّدةُ جدًا بشكل غير عادى..
حيث تقول المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة إن اليمن يواجه في عمله إلى جانب الأزمة السياسية ثلاث حالاتَ إنسانيةَ آنيةَ تتمثل في تدفق جماعي مستمر للاجئين والمهاجرين مِنْ القرن الأفريقي، إضافة إلى النازحين في الجنوبِ والشمال، حيث يقدر عدد نازحي أبين بسبب الحرب بين القوات الحكومية اليمنية وعناصر القاعدة بـ ( 171.882 نازحاً) منذ مايو 2011 نزحوا إلى مدارس محافظة ولحج، هذا بالإضافة إلى متطلبات العودة المحتملة للنازحين, فمنذ مطلع سبتمبر عاد حوالي 30% من نازحي أبين إلى ديارهم ولكنهم بحاجة إلى المزيد من الدعم الإنساني خصوصاً في ظل الدمار الذي لحق بالمحافظة وانهيار المنازل والمنشآت وتدمير البنية التحتية.
 والحالة الثالثة التي تواجهها اليمن بحسب مفوضية اللاجئين هي استمرار حالة النزوح طويل الأمد في الشمالِ, حيث هناك (314.706 نازحاً) بسبب حروب القوات الحكومية اليمنية مع المتمردين الحوثيين منذ 2004 وهي ستة حروب خلفت الكثير من الكوارث الإنسانية، بالإضافة إلى المزيد من عمليات نزوح جديدةِ مستمرةِ، خصوصاً في محافظةِ حجة بسبب الصراعات المستمرة مع المتمردين الحوثيين في صعدة شمالاً.
  • اللاجئون
وإلى جانب معاناة النازحين داخلياً تظل هناك موجة اللاجئين الأفارقة الذين يتوافدون إلى اليمن بشكل يومي عبر السواحل, حيث تشير التقارير إلى أن ما بين 160 إلى 200 لاجئ أفريقي يصلون اليمن يومياً, فيما تؤكد مفوضية اللاجئين أنه حتى نهاية أغسطس الماضي استقبلت اليمن 72.271 واصلاً جديداً من القرن الأفريقي صوماليين وأثيوبيين واريتريين وآخرين، وهو رقم كبير جداً مقارنة بالأعوام الماضية ويشكل قلقا كبيراً ومتنامياً بالنسبة لليمن في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية وعدم توفر الاستقرار السياسي والاقتصادي أيضاً.
وفي وقت سابق قالت لبنى علمان، ممثلة برنامج الأغذية العالمي في اليمن: "إن التحديات التي نواجهها من أجل تلبية الاحتياجات الملحة للفئات الأكثر ضعفاً هي تحديات ضخمة، خاصة في خضم هذا الوضع الأمني المضطرب الذي يعيشه اليمن، بالإضافة إلى توفير الغذاء للنازحين داخلياً بسبب الصراعات، حيث يساعد البرنامج أيضاً اللاجئين القادمين من منطقة القرن الأفريقي، والأشخاص الأشد معاناة من انعدام الأمن الغذائي الذين تأثروا سلباً بارتفاع أسعار المواد الغذائية، وكذلك الأطفال والنساء الحوامل والمرضعات الذين يعانون من سوء التغذية".
  • معالجات طويلة الأمد
وكان وزير التنمية الدولية البريطاني السيد/ ألن رنكن شدد في 9 أكتوبر في مؤتمر صحفي عقده السفير البريطاني في منزله بصنعاء- شدد على أنه يتوجب على العالم اتخاذ خطوات طويلة الأمد لمعالجة سوء التغذية في اليمن "قبل أن تصبح بمثابة حكم بالإعدام على عشرات الآلاف"- حد قوله.
وأعلن رنكن عن حزمة دعم جديدة لليمن من المملكة المتحدة على المدى الطويل في تحسين الأغذية لعدد 1.65 مليون امرأة وطفل في اليمن.
وبلغت حجم المساعدات الدولية لليمن ذروتها في مؤتمر نيويورك 26 سبتمبر الماضي, حيث شهدت تعهدات تتجاوز 7.8 مليار دولار، إلا أن هذه التعهدات الدولية لن تجدي في تحسين أوضاع البلد المنهار ما لم يتم استعادة الأمن والاستقرار إليه والالتفات إلى التنمية.
وتعد اليمن في أعلى معدلات سوء التغذية, فـ 50% من الأطفال دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية المزمن (توقف النمو) والذي يمنع الأطفال من الوصول إلى كامل قدراتهم الإدراكية، فيما 13% يعانون من سوء التغذية الحاد, ما يعني أنهم في حالة خطر فوري من أن يموتون بسبب أمراض الطفولة.. وقد أدى الصراع على مدى العامين الماضيين إلى تفاقم أزمة إنسانية جعلت الوضع أسوأ.
وهناك أسباب كامنة وجذرية تجعل المشكلة أسوأ وتشمل على نطاق واسع عدم المساواة بين الجنسين- وهو احد أهداف الألفية الثمانية- والتي يمكن تؤثر على وصول المرأة إلى الغذاء لأنفسهن ولأولادهن وانخفاض مستويات الرضاعة الطبيعية والبيئة غير الصحية الناجمة عن نقص المياه النظيفة أو مرافق الصرف الصحي المناسبة والممارسات الصحية السيئة.
ويقول رنكن- وزير التنمية الدولية: "إنه لمعالجة سوء التغذية يتطلب نهج منسق على نحو فعال, بما في ذلك النظام الغذائي المتوازن ليس فقط كامل مع المغذيات الدقيقة والفيتامينات ولكم الحق أيضاً بتحسينات في مجالات الصحة والتعليم والمياه والصرف الصحي فضلاً عن ربط الاستجابات الإنسانية السريعة في التنمية على المدى الطويل".
 
•   مهيب زوى
zawapress@gmail.com

المقالات

تحقيقات

dailog-img
كيف تحوّلت مؤسسات صنعاء إلى “فقَّاسة صراع” الأجنحة داخل جماعة الحوثي؟ (تحقيق حصري)

حوّل خلاف موالين لجناحين (متشددين) متعارضين داخل جماعة الحوثي المسلحة “جلسة مقيّل” خاصة- بالعاصمة اليمنية صنعاء خلال عيد الأضحى المبارك- إلى توتر كاد يوصل إلى “اقتتال” في “مجلس” مليء بالأسلحة والقنابل ا مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
الدكتور محمد سالم الغامدي لـ (أخبار اليوم) الحاجة لتعديل تقومينا الهجري تأتي من ضرورة ضمان دقة توقيت الشرعية السماوية

قال الكاتب الصحفي السعودي الدكتور محمد سالم الغامدي، إن التعديل للتوافق مع حركة الأبراج والفصول لضمان أن يكون العالم الإسلامي متناسيا تماما مع الظواهر الفلكية المحددة. وأكد الغامدي في حوار خاص أجرته (أخبار اليوم) إن هذا مشاهدة المزيد