د. محمد عبدالله الحاوري
د. محمد عبدالله الحاوري

موقف العلماء من الحكام 7331

2011-09-29 03:57:12


إن العلماء ورثة الأنبياء، وتلك مكانتهم عند الله، ومنـزلتهم بين خلقه، ما قاموا بالحق، وما أدوا ما عليهم من الواجب، فقد جعلهم الله عز وجل في المرتبة الثالثة بعد نفسه سبحانه وملائكته، وأشهدهم على أعظم شهادة، ألا وهي شهادة التوحيد، قال الله تعالى: {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (18) سورة آل عمران.
قال أهل العلم: في هذا الآية دليل على فضل العلم، وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه وملائكته، كما قرن اسم العلماء، فالعلماء أمناء الله على خلقه، وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين خطير.
قال الزمخشري في الكشاف: لما خالط الزهري السلاطين كتب إليه أخ له في الدين : عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك أن يدعو لك الله ويرحمك: أصبحت شيخا كبيرا، وقد أثقلتك نعم الله بما فهمك الله من كتابه، وعلمك من سنة نبيه، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء، قال الله سبحانه: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} (187) سورة آل عمران. واعلم أن أيسر ما ارتكبت، وأخص ما احتملت: أنك آنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي بدنوك ممن لم يؤد حقاً، ولم يترك باطلاً حين أدناك، اتخذوك قطباً تدور عليك رحى باطلهم، وجسراً يعبرون عليك إلى بلائهم، وسلماً يصعدون فيك إلى ضلالهم؛ يدخلون الشك بك على العلماء، ويقتادون بك قلوب الجهلاء، فما أيسر ما عمروا لك في جنب ما خربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك في جنب ما أفسدوا عليك من دينك، فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا } (59) سورة مريم، فإنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداوِ دينك، فقد دخله سقم، وهيئ زادك، فقد حضر السفر البعيد، {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء} (38) سورة إبراهيم. والسلام. وعن محمد بن مسلمة رضي الله عنه: الذباب على العذرة أحسن من قارئ على باب هؤلاء. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : "من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه" ولقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية: هل يسقى شربة ماء؟ فقال: لا. فقيل له: يموت؟ فقال: دعه يموت.
قال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين: لما وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأمراء الظلمة قال: "سيكون من بعدي أمراء يكذبون ويظلمون، فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فليس مني، ولست منه، ولم يرد على الحوض" رواه النسائي والترمذي وصححه والحاكم. قال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: إياكم ومواقف الفتن. قيل: وما هي؟ قال أبواب الأمراء، يدخل أحدكم على الأمير، فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه. وقال أبو ذر لسلمة: يا سلمة، لا تغش أبواب السلاطين؛ فإنك لا تصيب من دنياهم شيئا إلا أصابوا من دينك أفضل منه. وقال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء (العلماء) الزوار للملوك. وقال عبادة بن الصامت: حب القارئ الناسك الأمراء نفاق، وحبه الأغنياء رياء. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه؛ فيخرج ولا دين له. قيل له: ولِمَ؟ قال: لأنه يرضيه بسخط الله. واستعمل عمر بن عبد العزيز رجلا، فقيل له: إنه كان عاملا للحجاج. فعزله. فقال الرجل: إنما عملت له شيء يسيرا. فقال له عمر: حسبك بصحبته يوما، أو بعض يوم شؤما وشرا.
وقال الإمام الغزالي أيضا في إحياء علوم الدين: نقول الداخل على السلطان متعرض لأن يعصي الله تعالى إما بفعله، أو بسكوته، وإما بقوله، وإما باعتقاده، فلا ينفك عن أحد هذه الأمور، أما الفعل فالدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى دور مغصوبة، وتخطيها، والدخول فيها بغير إذن الملاك حرام. فإن فرض كون الظالم في موضع غير مغصوب، فإن كان تحت خيمة أو مظلة من ماله فهو حرام، والدخول إليه غير جائز؛ لأنه انتفاع بالحرام، واستظلال به، فإن فرض كل ذلك حلالا فلا يعصى بالدخول من حيث أنه دخول، ولا بقوله: السلام عليكم، ولكن إن سجد، أو ركع، أو مثل قائماً في سلامه (الوقوف عندما يدخل) وخدمته؛ كان مكرما للظالم بسبب ولايته التي هي آلة ظلمه، والتواضع للظالم معصية، بل من تواضع لغني ليس بظالم لأجل غناه لا لمعنى آخر اقتضى التواضع نقص ثلثا دينه. قال: فإن ترك الداخل جميع ذلك واقتصر على السلام فلا يخلو من الجلوس على بساطهم، وإذا كان اغلب أموالهم حراما، فلا يجوز الجلوس على فرشهم، هذا من حيث الفعل.
فأما السكوت فهو أنه سيرى في مجلسهم ما هو حرام، وكل من رأى سيئة وسكت عليها فهو شريك في تلك السيئة، بل يسمع من كلامهم ما هو فحش وكذب وشتم وإيذاء والسكوت على جميع ذلك حرام، بل يراهم لابسين الثياب الحرام، وآكلين الطعام الحرام، وجميع ما فى أيديهم حرام، والسكوت على ذلك غير جائز؛ فيجب عليه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر بلسانه أن لم يقدر بفعله، فإن قلتَ: إنه يخاف على نفسه، فهو معذور في السكوت، فهذا حق، ولكنه مستغن عن أن يعرض نفسه لارتكاب مالا يباح إلا بعذر؛ فإنه لو لم يدخل، ولم يشاهد، لم يتوجه عليه الخطاب بالحسبة (قول الحق في وجه الظلم) حتى يسقط عنه بالعذر. فمن علم فسادا في موضع، وعلم أنه لا يقدر على إزالته فلا يجوز له أن يحضر ليجري ذلك بين يديه، وهو يشاهده ويسكت، بل ينبغي أن يحترز عن مشاهدته.
وأما القول: فهو أن يدعو للظالم، أو يثني عليه، أو يصدقه فيما يقول من باطل بصريح قوله، أو بتحريك رأسه، أو باستبشار في وجهه، أو يظهر له الحب، والموالاة، والاشتياق إلى لقائه، والحرص على طول عمره وبقائه؛ فإنه في الغالب لا يقتصر على السلام، بل يتكلم، ولا يعدو كلامه هذه الأقسام. فإن جاوز الدعاء إلى الثناء فسيذكر ما ليس فيه فيكون به كاذبا، ومنافقا، ومكرما لظالم، وهذه ثلاث معاصي، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق" وفي خبر آخر: "من أكرم فاسقا فقد أعان على هدم الإسلام"، فإن جاوز ذلك إلى التصديق له فيما يقول، والتزكية والثناء على ما يعمل؛ كان عاصياً بالتصديق والإعانة، فإن التزكية والثناء إعانة على المعصية، وتحريك للرغبة فيه كما أن التكذيب والذم والتقبيح زجر عنه، وتضعيف لدواعيه. والإعانة على المعصية معصية، ولو بشطر كلمة.
فإن جاوز ذلك إلى إظهار الحب، والشوق إلى لقائه، وطول بقائه، فإن كان كاذبا عصى معصية الكذب والنفاق، وإن كان صادقا عصى بحبه بقاء الظالم، وحقه أن يبغضه في الله ويمقته، فالبغض في الله واجب، ومحب المعصية والراضي بها عاصي، ومن أحب ظالما فإن أحبه لظلمه فهو عاصٍ لمحبته، وإن أحبه لسبب آخر فهو عاصٍ من حيث إنه لم يبغضه، وكان الواجب عليه أن يبغضه.
قال الله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} (113) سورة هود.
قال القشيري رحمه الله: لا تعملوا أعمالَهم، ولا ترضوا بأعمالِهم، ولا تمدحوهم على أعمالهم، ولا تتركوا الأمرَ بالمعروف لهم، ولا تأخذوا شيئاً من حرام أموالهم، ولا تساكنوهم بقلوبكم، ولا تخالطوهم، ولا تعاشروهم، كل هذا يحتمله الأمرُ، ويدخل تحت الخطاب.
وأخيرا: رأى سيدنا جعفر الصادق رحمه الله عالماً يخرج من عند سلطان؛ فقال له: اتقوا الله، ولا تجعلوا من أنفسكم مطية لهؤلاء القوم إلى شهواتهم.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

محمد الغباري

2022-12-06 01:20:28

مغالطة مكشوفة 

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد