تُحكم السعودية سيطرتها على مجلس القيادة الرئاسي دون أن تجد أدنى مقاومة تُذكر. فقد أتقنت إدارة الخلافات داخل المجلس، والتلاعب بتوازنات القوى بين أعضائه، مما جعل المجلس عاجزًا عن اتخاذ أي قرار يخدم القضايا الوطنية. بل نجحت في وضع حاجز يحول بين المجلس ومسؤوليته تجاه الملفات المصيرية، مما أدى إلى فقدانه لدوره الفعلي كقيادة شرعية للدولة.
واقعًا، لم تكتفِ السعودية بإضعاف المجلس، بل أوصلته إلى مرحلة الاحتراق التام في فشل شامل، يمتد إلى جميع الملفات دون استثناء. حتى القضايا التي تظاهر بعض أعضاء المجلس بتمثيلها وإدارتها، فشلوا فيها فشلًا ذريعًا، وفي مقدمتها القضية الجنوبية، أو بوضوح أكثر، مشروع استعادة الدولة والانفصال.
إفشال كل المشاريع.. إلا مشروع الفساد
منذ انقلاب عدن الأول عام 2017، ثم انقلاب 2018، وما تلاهما من متغيرات سياسية وعسكرية، كان يمكن أن تتحقق فرصة تاريخية لإعلان استعادة الدولة الجنوبية، لكن السعودية والإمارات لم تسمحا بحدوث أي تقدم في هذا الاتجاه. في المقابل، لم يقتصر الدور السعودي على تعطيل مشروع استعادة الدولة الجنوبية، بل عملت على إفشال جميع المشاريع الوطنية الأخرى، وأبرزها مشروع هزيمة مليشيات الحوثي، وتحرير صنعاء، واستعادة مؤسسات الدولة.
لكن مشروعًا واحدًا فقط سمحت له السعودية بالنجاح والانتشار: الفساد وتعطيل مؤسسات الدولة. فالسياسة السعودية في اليمن قامت على إدارة التناقضات، إذ صنعت كل الصراعات في مناطق سيطرة الشرعية، ثم جمعت هذه التناقضات في حلبة صراع أطلقت عليها اسم "مجلس القيادة الرئاسي".
كلما أرادت الرياض تصعيد التوتر، تحركت في أحد الملفات لتسخين الحلبة، بينما الجمهور يكتفي بمشاهدة الصراع المحتدم. واليوم، يدرك الجميع أنهم استُدرِجوا إلى هذا الفخ، وأنهم يُقادون نحو مرحلة من الاقتتال الداخلي الأكثر دموية، مما يسهل لمليشيات الحوثي توسيع سيطرتها ونفوذها حتى أقصى الجنوب والشرق.
النفق المظلم.. والمخرج الوحيد
في ظل هذا المشهد القاتم، يتساءل كثيرون عن المخرج من هذا النفق المظلم. لكن الإجابة واضحة وجلية: تحريك الملف العسكري وتحرير صنعاء من الاحتلال الإيراني هو نقطة الضوء الوحيدة التي يمكن أن تقود إلى الخلاص. بدون ذلك، لن يكون هناك مخرج، وسيظل الجميع غارقين في هذا الفخ الذي صُمم بإحكام.
ورغم كل التناقضات، نجد السعودية الأكثر حرصًا على عدم تحريك الملف العسكري، وهو ما يكشف حقيقة سياستها في اليمن. فالانهيار الاقتصادي، وانهيار العملة، ومنع الحكومة من تصدير النفط، ورفض أي سياسات تحدّ من سيطرة مليشيات الحوثي على الاقتصاد والعمل المصرفي، كلها أدوات استخدمتها الرياض كجزء من استراتيجيتها لإبقاء اليمن تحت الهيمنة.
الهندسة السياسية لإسقاط اليمن لصالح إيران
لا يمكن وصف هذه السياسة إلا بأنها سياسة مجردة من الإنسانية، تدفع باليمن نحو اللا فعل، واللا دولة، والهرولة نحو الهاوية. وأمام هذا الواقع، يتحتم على كل من يمتلك أدنى إحساس بالمسؤولية أن يواجه "الشقيقة" بحقيقة ما أوصلتنا إليه سياستها.
إن عملية نقل السلطة من الرئيس هادي إلى مجلس القيادة لم تكن سوى فخ مُعد بإحكام، وهندسة سياسية عنوانها الحقيقي: "إسقاط اليمن لصالح المشروع الإيراني ونفوذه." وما لم يُكسر هذا المخطط، فإن ما تبقى من الدولة سيظل تحت التهديد المباشر بالانهيار الكامل !!