;
د. عبد الرزاق مقري
د. عبد الرزاق مقري

الخسارة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية: دروس أولية 170

2024-04-04 20:27:42

إن خسارة حزب العدالة والتنمية التركي في الانتخابات المحلية التركية وأن يكون الحزب البديل حزبا علمانيا متشددا خسارة كبيرة للأمة، غير أني توقعت هذه الخسارة كمآل باتت شواهده واضحة، وذلك في كتابي الأخير "الحلقة المفقودة في التجربة التركية" الذي أمضيته في معرض الكتاب الدولي الأخير في الجزائر، والذي بيّنت فيه الثغرات التي يمكن أن تسبب نهاية ريادة التجربة الأردوغانية في تركيا على رأسها ثغرة غياب الفكرة الدينية في المشروع [وقد تحدثت عن ذلك من قبل في كتابي " الدولة المدنية: رؤية إسلامية" عام 2013]، وكذلك خطأ الرؤية المتبعة في القضية الفلسطينية.

لا شك أن خسارة حزب العدالة والتنمية الانتخابات بعد نجاح غير منقطع منذ 22 عام حدث كبير في تركيا وفي خارجها، وثمة جملة من الدروس يمكن تسجيلها على السريع [ومن أراد التعمق فليرجع إلى كتاب الحلقة المفقودة] ومن ذلك ما يلي:

shape3

أولا - أن الديمقراطية التركية ديمقراطية حقيقية، يمكن أن يخسر فيها رهان رئيس الجمهورية وحزبه، وهي حالة غير موجودة عندنا في العالم العربي حيث لا يتصور مطلقا أن يحدث فيها تداول على السلطة.

ثانيا - أردوغان دخل التاريخ من بابه العالي قبل الانتخابات للإنجازات العظيمة التي قدمها لبلده، فخسارة حزبه الانتخابات تزيد في قيمته ولا تنقصها، فهو يخسر الانتخابات ويعترف بالخسارة بالرغم من أنه نقل بلده من حالة الإفلاس التي كانت عليها قبل مجيئه للحكم إلى بلد متطور وقوي ومزدهر وسيد ولاعب إقليمي أساسي يتعامل بالندية مع الدول العظمى وعلى رأسها أمريكا، وهي حالة معكوسة في بلداننا العربية، إذ رغم الفشل في تحقيق التنمية وصعوبات المعيشة وضعف التأثير الدولي وتبعية البعض عندنا يفرضُ الحكامُ أنفسَهم على الشعب بسياسات التحكم والخداع والتزوير والانقلابات.

ثالثا - بيَّنت نتيجة الانتخابات التركية بأن خدمة الناس وتحسين معيشتهم لا تكفي وحدها في الأمان الانتخابي، فيكفي أن ينقص شيء قليل من الرفاه لدى الناخب المرتبط بالحزب ماديا فقط فينقلب عليه. ولذلك فإن أي حزب يحتاج كتلة أيديولوجية تثبت معه في الأزمنة الشديدة خصوصا حين تكون النتائج متقاربة كما هو حال تركيا. وحزب العدالة والتنمية ذهب بعيدا في علمانيته وارتباطه بالإرث الكمالي ولم يُحدث تغييرا مهما في المجتمع في اتجاه ارتباط الناس بالفكرة الدينية التي هي أساس الحضارة كما يقول علماء التاريخ والحضارات من المسلمين مثل ابن خلدون وابن نبي ومن غير المسلمين مثل ديورانت وتوينبي وغيرهم وهذا الذي بينته في كتابي ما قبل الأخير "الاستنهاض الحضاري وتحدي العبور" وفي آخر برنامج رمضاني "شروط النهضة وتحدي العبور".

رابعا - بالإضافة إلى الجانب الاقتصادي تُعدّ القضية الفلسطينية سببا حاسما في النتائج من حيث أن جزء كبيرا من الناخبين المتدينين الأتراك لم يصوتوا على حزب العدالة والتنمية، واتهموه بالتقاعس في نصرة سكان غزة وبسبب ما تم ترويجه من أخبار عن السماح بنقل السلاح والسلع والبضائع لدولة الكيان في الوقت الذي يُباد فيه أهل غزة جماعيًا بالقصف والجوع، وقد استفاد حزب "الرفاه من جديد" الذي يرأسه محمد علي فاتح ابن نجم الدين أربكان رحمه الله من أصوات هؤلاء وفاجأ الجميع بحصوله على المرتبة الثالثة، ولو تحالف مع حزب العدالة والتنمية لحافظ هذا الأخير على الصدارة في العديد من البلديات، وقد صرح فاتح أربكان بأن القضية الفلسطينية هي سبب خسارة حزب العدالة والتنمية، وهذا ما أكدناه بتصريحنا "فلسطين خافضة رافعة".

خامسا - يُعد فتور كثير من الناخبين العرب والمسلمين أصحاب الجنسية التركية من حيث التصويت وأصحاب الإقامات من حيث التجنيد الانتخابي في هذه الانتخابات سببا آخر للتراجع، وذلك للتضييق الشديد الذي باتوا يتعرضون إليه من قبل الأجهزة الحكومية في قضايا الإقامة والسكن واستقرار وضعهم القانوني وغير ذلك، خصوصا بعد تولي حزب الحركة القومية - حليف أردوغان - إدارة شؤون الهجرة. وهم رغم قلة عددهم كان لهم تأثير في الانتخابات السابقة بسبب حدية وتقارب الأرقام الانتخابية.

سادسا - إن حزب العدالة والتنمية يستطيع أن يعود إلى الصدارة إذا عدّل سياساته المتعلقة بالقضية الفلسطينية وبِمكانة " الفكرة الدينية" في مشروعه إذا كان مشروعُه حضاريا.

وذلك من حيث الوجوب الشرعي والحتمية التاريخية، ومن حيث المصلحة السياسية التي ترتبط بوجود كتلة ثابتة متدينة من الأتراك تتوق إلى الرجعة الحضارية الإسلامية لتركيا ومُرتبطة بفلسطين ارتباطا عقائديا، علاوة على أن غريمه حزب الشعب وأعداءه اللدودين في الغرب ينافسونه على أساس ارتباطه تاريخيا بالفكرة الإسلامية حين كان تحت قيادة الزعيم الراحل نجم الدين أربكان، ولبعض الإنجازات التي حققها على مستوى البعد الديني، "كحرية ارتداء الحجاب"، و"فتح مسجد آيا صوفيا"، واحتضانه اللاجئين العرب، خصوصا السوريين، وكذلك بسبب التوجهات السيادية التي انتهجها.

سابعا - قد يعود حزب العدالة والتنمية للصدارة من جديد إذا جدد منظومته القيادية على أساس حضاري أولا ولم يعتمد على روابط المصالح والولاءات حصريا، في الحزب وفي الانتخابات التشريعية المقبلة، وإذا تم التوافق داخليا على شخصية محورية كارزمية تخلف أردوغان في الانتخابات الرئاسية المقبلة، تستطيع هزيمة مرشح حزب الشعب أكرم إمام أوغلو الصاعد نجمه في تركيا.

ثامنا - إن أمان العودة الحضارية لتركيا في أحضان الأمة الإسلامية، وتجنب استقرار الحكم من جديد عند العلمانيين المتشددين المعارضين للانتماء الإسلامي لتركيا والمبغضين لتقارب تركيا مع العالم العربي، يكون حينما ينضبط الرأي العام التركي ويستقر في خياراته لصالح الأمة الإسلامية وقضاياها المقدسة وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وقد يتجسد ذلك بالتداول الديمقراطي على السلطة بين الأحزاب التي تحمل فكرة الأمة، والتي تفضل التحالفات في إطار العالم العربي والإسلامي أولا. وبفعل الحتمية السننية لا يستطيع حزب واحد ضمان الريادة ضمن الخيار الديمقراطي، وعليه قد يكون صعود حزب الرفاه الجديد هو البديل المستقبلي.

ولا يكفي البعد السياسي وحده لضمان التوجه الحضاري الإسلامي التركي، بل لا بد من مشروع إصلاحي اجتماعي شامل تقوم به شخصيات علمية وفكرية وشبكة منظمات مجتمع مدني واسعة في مختلف المجالات التربوية والدعوية والاجتماعية والفنية والثقافية وغير ذلك، وذلك نسميه البعد الاستراتيجي في مجهودات الاستنهاض الحضاري، وذلك يتيح إصلاح الوضع الداخلي لحزب العدالة والتنمية ويعطي فرصًا كبيرة لمن يجتمع معهم في المشروع حتى وإن خالفوه سياسيا، وذلك نصحنا به الأتراك مرات عديدة.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد