;
عامر الدميني
عامر الدميني

عودة الطاهش 5764

2017-10-18 07:39:46

في سنوات حكم بيت حميد الدين لليمن في ظل الدولة المتوكلية انتشر بين الناس ما يسمى بـ"الطاهش"، وهو حيوان مفترس يخرج بالليل، ويلتهم الإنسان على حد قولهم، وينتشر في الأرياف بشكل كبير.
 هذا الحيوان نسجت حوله الأساطير والروايات، خاصة فيما يتعلق بشكله، وهيئته، وطريقة تعامله مع فريسته، التي هي الإنسان في المقام الأول، وتحول لمصدر تحد عند البعض، وهو يقارعه، بينما تحول أيضا إلى مصدر رعب لدى الآخرين، وهم يخشون مواجهته.
كانت الناس من هول ما تسمع عن وحشية ذلك الحيوان تغلق أبواب بيوتها الصغيرة في ذلك الزمان عند أذان المغرب، وتعاود فتحها مع الفجر، وتتخذ كافة المحاذير والإجراءات التي تضمن لها عدم تعرض الطاهش لها، ناهيك عن مجرد التفكير بالسفر ليلاً، أو الخروج تحت أي ظرف من الظروف.
شخصيا سمعتُ وأنا صغير في قريتي بمديرية مذيخرة التابعة لمحافظة إب والقريبة من محافظة تعز، الكثير من تلك الروايات الشعبية التي كان الناس يتناقلونها بينهم عن الطاهش، وأفعاله، وكيف كان يتحرك؟ والأماكن التي يزورها، والطرق التي يسلكها.
كان ذلك في أواخر الثمانينات، وهي فترة ازدهار الوعي لدى أغلب اليمنيين بعد انتشار التعليم والمدارس، وكانت تلك الأخبار عن الطاهش تمثل، بقايا الكلام العالق بذاكرة اليمنيين عن الطاهش المترسبة منذ العهد الغمامي، حيث كانت المدن والأرياف قرى متشابهة، تختلف فقط من حيث العدد السكاني، وبعض مظاهر الخدمات الخفيفة.
ولعل المجموعة القصصية القصيرة المسماة بطاهش الحوبان للأديب اليمني الراحل/ زيد مطيع دماج، والمكونة من تسع قصص قد وثقت لأسطورة الطاهش بشكل كبير، وكشفت حقيقته، والتهويل الذي حظي به في أذهان الناس، وكان اختيار منطقة الحوبان ،لكونها كانت تمثل مركزاً للسفر عبرها من وإلى تعز، ولذلك انتشرت حكاية الطاهش فيها بشكل كبير، مثلها مثل باقي المناطق والقرى اليمنية.
مع العلم أن المؤلف زيد دماج استند في روايته على قصة قال بأنها حقيقية، وتعرض لها النقيب/ عبد الله بن محمد أبو راس، في منطقة الحوبان، التي كانت مليئة بالأشجار وبعيدة عن المدينة، كان أبو رأس في مهمة لمقابلة الإمام أحمد في تعز، وصادف سفره في الحوبان لقاء الطاهش، ودخل معه في معركة انتهت بمقتل الطاهش، وانتصار أبو راس الذي كان الإمام يتربص به، وهي رواية سردها زيد دماج في هامش كتابه عن طاهش الحوبان.
حين كبرنا انتهت تلك الأسطورة المخيفة عن الطاهش، وتلاشت وانتهت تماما تبعا للعديد من العوامل، أبرزها انتشار التعليم بشكل واسع في الأرياف، ودخول الكهرباء للمنازل، وسهولة التواصل بين المدن بعد شق الطرق، إضافة لظهور وسائل التكنولوجيا، فسافر الناس ليلاً، وعملوا، ومارسوا مهنهم، وتحركوا شمالا وجنوبا، ولم يواجههم الطاهش!
وحين كبرنا أيضا لم نر الطاهش بين الحيوانات، ولم نعرف حتى شكله، فقد رأى الناس الأسود، والنمور، والذئاب، وغيرها من الحيوانات، لكنهم حتماً لم يروا الطاهش، ولم يعرفوا ملامحه وشكله، ولذلك تحول إلى أسطورة وخرافة ترمز للكذب والتهويل والجهل.
مناسبة هذا الحديث عن الطاهش جاءت من تواصل مع أحد الأقارب في اليمن، وذكر في حديثه أن الطاهش قد عاد للقرية، وأن الفزع يدب لدى السكان، وأن الكثير من الناس قد شاهدت بالفعل الطاهش، وهو يخرج ليلًا، ويتحرك في الظلام، وللمفارقة فالمكان الذي يتحدث الناس أن الطاهش يخرج منه، هو نفس المكان الذي كان الأولون يتحدثون عن وجود الطاهش فيه. 
ذلك المكان الذي اتخذه الطاهش سابقاً كمكان إقامة له خلال سنوات الأئمة عبارة عن كهف كبير يقع على جنبات أحد روافد وادي زبيد، والذي تبدأ منابعه الأولى من القرية التي أسكن فيها، وهو كهف يقع في أسفل جبل، وتشكل فعل نحت السيول لصخور الجزء الأسفل من الجبل، وحولته إلى لحد جانبي شبه مظلم، وتحيط به الأشجار، وتمر من أمامه المياه التي لا تنقطع. 
وبقدر ما كان الحديث عن عودة الطاهش للقرية ضاحكاً، بقدر ما كان صادما، إذ كيف يصدق الناس بعد هذا الوقت من عمر الجمهورية، وانتشار وسائل التواصل التي باتت في يد كل مواطن داخل القرية أن الطاهش حيوان حقيقي، وقد عاد فعلا إلى ممارسة وحشيته الزائفة.
بالنسبة لقريتي وغيرها من القرى المجاورة فهي تقع تحت حكم الحوثيين، وهم الإماميون الجدد، فهل يعقل أن أحفاد الأئمة بنسختهم الثانية من العودة، قد عادوا ومعهم الطاهش أيضا!.
 كيف التقى كل هؤلاء من الأجيال المتعاقبة؟ جيل الأئمة الجديد، وجيل الطاهش، الذي سيكون بالضرورة هو حفيد أجداده السابقين، وجيل الوهن والضعف من الناس الذين لازالوا يؤمنون بوجود الطاهش، وباتوا يورثون حكاية الطاهش للأجيال الجديدة. 
وكيف استطاعت مثل هذه الأفكار أيضا التسلل إلى حياة الناس، وكيف أن حياة التضليل والزيف التي مارسها الأئمة اتصلت ببعضها، ومن المسؤول أيضا عن عودة هذا التضليل الذي لم ينقطع رغم 55 سنة من عمر الثورة اليمنية التي قضت على الطاهش السابق ومن يقف خلفه؟ 
لقد كان الجهل والخرافة والدجل إحدى الوسائل التي ساعدت الأئمة في السابق على البقاء، وعبر مجموعة كبيرة من الأساطير والخرافات هيمن هؤلاء على رقاب الناس، وحكموهم لقرون من الزمان، واليوم تعاود هذه السلالة حكم اليمن بنفس الوسائل والأدوات، رغم الفارق الكبير بين العصرين.
اليوم تعود السلالة للحكم في ظل توقف العملية التعليمية، وجمود العمل في المدارس، وعودة الفقر بعد توقف مرتبات موظفي الدولة، وفي ظل انفلات أمني، بسبب سوء إدارة هذه الجماعة للملف الأمني، وتعاملها مع هذا الملف بما يحفظ بقائها، ما يعني هيمنة أجواء الفقر والجهل والخوف والمرض من جديد في حياة اليمنيين تحت حكم هذه السلالة البغيضة.
إن الطاهش المزعوم هو الجهل والدجل الذي تمثل الحوثية اليوم دعاماته ورافعاته داخل اليمن، وهو الوسيلة المفضلة لها في بقائها وسط الناس، وممارسة فكرها المتخلف، وإعادة زرعه وتقوية مداميكه بين الناس، وبدون ذلك لن تستطيع البقاء والهيمنة والتسيد على الناس.
الطاهش الجديد هو عدو اليمنيين التاريخي، والسلاح الفتاك الذي يقتله، هو العلم والتعليم، والاصطفاف النخبوي للجميع في مواجهة هذه الآفة التي تنخر ماضيا وحديثا في الجسد اليمني، وتحيل مجتمعه إلى مجموعة من الكتل البشرية المسخاء التي لا تفكر، وتنتظر ولاة الأمر الجدد أن يفكروا باسمها وبقداستها، حتى تحميهم من الطاهش على الدوام.
لقد ناضل اليمنيون لعقود في سبيل التحرر من الطاهش السابق، وكان قدرهم الانتصار على تلك الضلالات والأراجيف، واللحظة اليوم تقتضي من جديد أن يواجه اليمنيون جميعا الطاهش الجديد، ليذهب إلى الأبد ليس إلى جحوره السوداء، وكهوفه المغلقة بل الموت والفناء.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد